الفصل التاسع: البعث والولايات المتحدة..
حين دخلت الولايات المتحدة الى العراق، في 2003.. منعت حزب البعث.. وقامت
قواتها بالبحث عن البعثيين ذوي النفوذ في عصر النظام البائد بهدف اعتقالهم
ومحاكمتهم لما ارتكبوه من جرائم. ولكن.. وحتى يناير 2005، لم تحدث اي محاكمة. بل
وصل لقيادة الدولة في المرحلة الانتقالية شخصيات بعثية، وان كانت قد رفضت نظام
صدام.
ومن الممكن القول ان الولايات الامريكية خلصت البعث من صدام، ولكنها لم
تخلص العراق من البعث..
القصص التالية تتناول أوضاع البعث في العصرالامريكي..
1) هل الغزو الأمريكي ام البعث هو عدو الشعب العراقي اليوم؟
اعتقد ان
السؤال: من هو العدو اليوم في العراق؟ محوري لفهم مواقف غالبية من يكتبون عن
الشأن العراقي ويتحدثون في الفضائيات.
هناك من لا يزال يقول : ان عدونا الأساسي هو حزب البعث.. وهؤلاء عادة
يعتبرون الأمريكان حلفاء لهم في معركة
اجتثاث الحزب، وقد يفرح بعضهم حين تهاجم القوات الأمريكية مدناً مثل
الفلوجة، على أساس أنها مدينة اجتاحها
السرطان البعثي.، وهم عادة يعتقدون ان السيارات المفخخة،
وعمليات الاختطاف في العراق، كلها البعث
فحسب (او البعث المتحالف مع التطرف الاسلامي) مسؤول عنها. وربما ينتقدون التيار الصدري لأنهم يعتقدون ان بقايا
مخابرات البعث اخترقته.
بالنسبة لأعداء البعث، باختصار، ذلك الحزب هو سر الفساد والجريمة
والخراب الذي حل بالبلاد. ولذلك لابد من
التحالف مع أمريكا لمواجهته وتدميره.
أما المجموعة الثانية، فتعتبر ان العدو الأساسي هو أمريكا التي
أتت للبلاد لتسرق ثرواتها، وتدمر ما تبقى
لها بعد حروب التهمت الأخضر واليابس دامت لسنوات طوال. وهم
يتذكرون فوراً قضية ابو غريب، ويتسائلون: وأين الوعود بالديمقراطية؟.. وهكذا تتعاطف هذه
الجماعة مع الفلوجة بعد كل ضربة، وتقف في صف
التيار الصدري لانه قاوم المحتل.. وربما حتى مع بعض البعثي
طالما قاوم الاحتلال.
ما يبدو واضحاً من متابعة ما يُنشر ، ومن استطلاعات الرأي في البلاد،
ان التيار الأول، الذي اعتبر البعث العدو
اللدود، كان متفوقاً عدة وفكراً لمدة طويلة.. ولكن ، اليوم ،
صار الناس يعتبرون التخلص من الاحتلال الهم
الأكبر. ولهذا أسباب واضحة: فالناس لا تقدر على الحياة مع
الوضع الأمني المتدهور.. ولا نتحدث هنا عن
السيارات المفخخة، ولكن عن حقائق مثل : ان الأب والام يخافان
على البنات من الذهاب الى المدرسة، خوفاً من
الاختطاف، وعلى الأولاد حتى لا يدفعوا فدية
لاستعادتهم. وهكذا، وبسبب هذا الفشل الذريع
في الحفاظ
على أمن المواطن العادي، لم يعد الناس يشعرون بان القوات الأمريكية تحميهم. وبعد تفجر فضيحة ابو
غريب، أدركوا أنها تتصرف كما فعل النظام
المقبور معهم.
ولا أزال ازعم: ان المغترب العراقي
الذي يعيش في الغرب، ربما بسبب تأقلمه مع
نظم الحياة الغربية الديمقراطية، ونظراً لاعتماده على أعلام سي
ان ان، واضطراره للسعي للانتماء للمجتمع
الذي يعيش فيه ومعه، وبسبب خوفه من الاتهام بازدواجية الولاء،
لهذه الأسباب جميعها، هذا المغترب هو الذي
يكون أفراده غالبية داعمي الاتجاه الأول ، الذي يطالب
ببقاء القوات الأمريكية في العراق، ويعتبر
البعث عدوه اللدود (لانه الذي تسبب في خروجه من العراق
ومعاناته مع الغربة). وليس من الخفي ان
قيادات الدولة العراقية الحالية تتكون من أفراد عاشوا في
الولايات المتحدة وأوربا الغربية.. ومن
المعروف انهم ذهبوا الى الأمم المتحدة وطالبوا القوات الأمريكية
بالبقاء. والسيد د. علاوي ، رئيس الوزراء
الحالي، شكر الولايات المتحدة اكثر من مرة على الدور الذي تلعبه في العراق
متجاهلاً ان الناس ، حسب آخر استطلاع للرأي ، تعتبر الولايات
المتحدة ثاني دولة عدوة للعراق ، بعد إسرائيل
التي تحتل المركز الأول..
اقدم بعض الأمثلة السريعة عن تآكل شعبية هذا الاتجاه: أولا، وكما هو
معروف، غالبية عمليات الاختطاف في سبيل فدية
حالياً ضحاياها من الأقلية المسيحية ومن أساتذة
الجامعات.... حسب مقالة نُشرت صباح (22 – 9)
في كريستيان
ساينس مونتر.. كما توضح المقالة ، ان سبب التركيز على هؤلاء هو ان الناس تعتقد ان الأقلية
المسيحية في العراق متعاطفة مع الاحتلال ،
وان أساتذة الجامعات يدرسون الفكر الغربي للتلاميذ. وهي
أفكار غير صائبة، ولكنها تدل على مشاعر عامة
الناس تجاه الغرب.
ثانياً، التركمان في العراق
حالياً يؤكدون ان محاولات بعض الأحزاب
الكردية لتكريد كركوك اكثر سوءاً من محاولات تعريبها في
العصر الصدامي.. وما يعنيه هذا هو ان سياسات
البعث كانت اقل سوءاً من سياسات بعض الأحزاب الكردية
اليوم.. باختصار، بالنسبة للاخوة التركمان،
ما يحدث في العراق الأمريكي اكثر خطورة واشد ضرراً مما حدث
في العهد البعثي...
المثال الثالث: وهو شائع
كثيراً اليوم بين مؤيدي أفكار السيد مقتدى
الصدر.. فهؤلاء في البداية لم يتقبلوا البتة مقاومة مدينة
مثل الفلوجة، وعدوها إرهابا. وكلنا نتذكر
انهم اشتكوا بمرارة من عنصرية الفكر البعثي في التعامل مع
الشيعة.. ولكن، حين لاحظوا ان أبناء الفلوجة
وقفوا مع النجف في محنتها، وان الأمريكي قصف المدينتين بلا
تمييز، تغير الرأي العام للتيار الصدري..
وصار يؤكد ان العدو الأول اليوم هو المحتل.. (مع العلم ان
الفلوجة بالفعل تحوي الكثير من البعثيين
الذين أذاقوا أبناء الجنوب الأمرين خلال العصر
المقبور).
باختصار: اعتقد ان عدداً متزايداً
من أبناء بلاد الرافدين اليوم يقولون مع
السيد مقتدى: ان الاحتلال اطقع (اكثر سوءاً) من صدام.. ومن لا
يزال يتحدث عن اجتثاث البعث، وعن التحالف مع أمريكا في
سبيل تحويل العراق الى دولة متقدمة
ديمقراطية مثل اليابان او ألمانيا.. هؤلاء ، في الظروف الحالية ،
أقلية ضعيفة.. وانظر لما حل بالسيد الجلبي
الذي كان يوماً يدير برنامجاً لاجتثاث البعث من أجهزة الدولة
لتدرك ان من يعادي البعث اليوم في وضع لا
يحسد عليه.
شخصياً، اعترف اني لا أزال اشعر بالقلق
حين أتحدث مع اي بعثي.. لا يزال في أعماقي
ذلك الهاجس انه سيكتب عني تقريراً ..وانه يعتبر كل من
يخالفه الرأي خائناً عميلاً. كون الشعب
العراقي اليوم يتقبل البعثية في صفوف من يقاوم أمريكا لا
يعني الترحيب بهم.. هذا قبول على مضض.. نضطر
له في الظروف العصيبة التي نعيشها، وان كنا نؤكد لكل بعثي
أننا لا ننسى ما فعلوه ببلادنا حين حكموها..
لا ننسى أبدا التجاوزات الأمريكية، والقاء الجسد العراقي
العاري لتنهشه الكلاب في ابو غريب.. ولكن
دائماً نتذكر ان البعثية كذلك عذبوا الناس في المكان ذاته،
وفي قصر النهاية.. في ممارسات التعذيب،
والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، يتساوى البعثي
والأمريكي.. في إذلال أبناء الرافدين.
من الممكن التساؤل في الختام بشأن هذه الثنائية الشائعة
جداً في كتابات أبناء الرافدين، في ضوء عودة
بعض الشخصيات البعثية لوزارة الداخلية. فهل حقاً ان
البعث وأمريكا في حالة حرب؟ ام ان اتفاقاً
قد تم بين طرفين تعودا إذلال الشعوب؟ كلنا يعرف ان العوجة
وتكريت اليوم من المدن الآمنة بعد ان تعهدت
القوات الأمريكية بعدم ملاحقة الحزب مقابل عدم قصف قواتها.. ربما سيفاجأ المغترب في يوم قريب بتحالف أمريكي بعثي
لقمع قوى المقاومة في جنوب البلاد.. وحينذاك
سيضطر الى تغيير مواقفه تجاه أمريكا ذاتها.. فرفض المغترب
للبعث، نظراً لكون الحزب قد تسبب في
اغترابه، مطلق..
واعتقد انه لن يوافق على اتفاق أمريكي
بعثي.. أما أبناء البلاد، فهم لا يحبون البعث.. ولكنهم اعتادوا
التعايش معه خلال اكثر من ربع قرن.. كما
تضطر للحياة بجوار جيران تكرههم. بالنسبة لعامة الناس، التعامل
مع البعث اسهل من التعايش مع القوات
الأمريكية التي تقصف المدن بالطائرات.. وتطلق النار بشكل عشوائي على
المارة حين تفجر المقاومة قنبلة مفخخة في
الشارع.
وربما يكون الخلاف بين أبناء
الرافدين حول من هو العدو الحقيقي في العراق
(أمريكا ام البعث) صورة أخرى من صور الفجوة التي تتزايد
خطورتها كل يوم بين أبناء الداخل والخارج.
ولا أحد يتناولها بموضوعية لفهم أسبابها وتداركها.. اعتقد ان
أبو غريب، ذلك الموقع الذي قام فيه البعثية
وتلاهم الأمريكان بتعذيب أبناء الشعب العراقي، يوضح ان
البعث وأمريكا سواسية. ومن يعتقد ان أمريكا
ستجلب السلام والرخاء للعراق يحلم. فالرئيس الأمريكي بوش صرح
اكثر من مرة انه دخل العراق بسبب الحرب على الإرهاب
، ومنذ ذلك الحين، جاء الإرهاب لبلادنا بعد ان كان غائباً عنها. وهذه التصريحات والواقع المعاش على الأرض كلها تدل
على ان الأمريكي جلب للبلاد من الخراب بقدر
ما جلب البعث...
أخيراً يبقى السؤال: كيف وصلت الأمور الى هذا الحد؟ في خلال
عام ونصف، تحول المحرر الى محتل غاشم؟ وحين
نقول ان الاحتلال اطقع من صدام، الا يدل ذلك على أننا بدأنا
ننسى التاريخ القريب؟ الم نفرح يوم انهار
النظام ونعبر عن سعادتنا الغامرة للخلاص من شرور حزب
البعث؟.. ان مقولة "الاحتلال أطعق من
صدام" في حد ذاتها خيبة امل كبيرة للشعب العراقي. فلم نعتقد
يوماً انه سيوجد من هو اطقع من صدام.…
1 - 10 -
2004
الأحلام، ووصية عبد المحسن السعدون..
ما أشبه الليلة بالبارحة.. ما أشبه وضع العراق في يناير 2005 بحاله في ظل
الاستعمار البريطاني في العشرينيات من القرن الماضي.. فبريطانيا، بعد ثورة
العشرين، قررت استخدام نظام"سُد من غير ان تحكم." أي شعار"ممارسة
السيطرة من خلال حكومة محلية مستقلة ظاهرياً،" كما جاء في كلمات سكرتير
الدولة للمستعمرات.[i][1] بل وسعت لأجراء انتخابات كذلك.
وحينها، ولاضعاف سلطة الملك فيصل، تم اختيار "رجل العراق القوي"
السيد عبد المحسن السعدون.. وهو من رجال العشائر، الذي عمل معاوناً للسلطان عبد
الحميد، في العصر العثماني.. واكتسب الخبرة الضرورية لدخول معترك العمل السياسي.
ونظراً لتمتعه بقوة الإرادة، والفطنة، نجح بسرعة في الوصول لمنصب رئاسة الوزراء..
وقد حاول السيد السعدون باكراً التخلص من الملكية.. ففي اجتماع سري مع
المندوب السامي حينها، هنري دويس، في 23 مايو 1924، قال ان "العراق مريض
وحائر أمام منظر وجود ملكين..هما الملك والمندوب السامي..وان نفوذ أحدهما يجب ان
يلغى كلياً.." و"ألمح إلى ان الملك فيصل هو من يجب ان يذهب."
باختصار، فضل الرجل، لتحقيق طموحاته، او حلمه للوطن، ان يخضع العراق بشكل كلي لنفوذ
بريطانيا العظمى.
وأيد الرجل علناً خضوع العراق لسلطة الانجليز.. وفي العام 1922، عندما كان
وزيراً للعدل، تكلم أمام دورة خاصة لمجلس الوزراء "بقوة" لصالح القبول
"الفوري" بمعاهدة تخضع العراق لنفوذ بريطانيا تجارياً وسياسياً لمدة خمس
وعشرين سنة.. وفي العام 1923، عندما كان رئيساً للوزراء، أخمد بقبضة حديدية التحرك
ضد المشاركة في انتخابات الجمعية التأسيسية، واعتقل ونفى العلماء الشيعة الذين
قادوا هذا التحرك..وفي العام 1925، عندما صار رئيساً للوزراء مرة أخرى، أعلن بجرأة
انه "غير خائف" من إعلان عجزه عن إقرار "السلام والنظام" من
دون تعاون الحكومة البريطانية. وفي العام 1926، وبعد احتجاجات أولية ضد تطبيق مدة
ال 25 سنة على الاتفاقيات المالية والعسكرية المرفقة بالمعاهدة، أقنع السعدون
أكثريته البرلمانية بالموافقة على الإبرام من دون مناقشة..
وبالطبع ، أراده الإنجليز لأنه كان "لا يعترض علىأي شيء
يفعلونه." كما اشتكى الملك فيصل في حينه.
ومن الطريف ان الملك فيصل اعتقد ان السعدون يؤيد ابن سعود ويؤمن سراً
بالمذهب الوهابي.
ولكن عبد المحسن السعدون لم يكن في الحقيقة عميلاً ولا وهابياً.. اعتقد ان
ما يفعله هو في مصلحة الوطن، وان التفاهم الودي الكامل مع بريطانيا سيسهم في صناعة
الاستقرار في البلاد. كان له حلم بعراق
مستقل، حر آمن قوي. واعتقد ان الطريق لتحقيق الحلم هو في التعاون مع بريطانيا،
التي من جانبها كانت مهتمة بتأمين تجارتها، واستثماراتها في العراق، وبالنفط، فقط.
وبعد ان أدرك السيد عبد المحسن السعدون هذه الحقائق، وفهم ان المحتل ليس له
أصحاب بل مصالح فحسب، وفي السنة الأخيرة من حياته، تغير بشكل جذري. ففي أواخر
ديسمبر، 1928، وقف إلى جانب الملك ضد المندوب السامي في عدد من القضايا المعلقة،
بما فيها طلب العراق السيطرة الفعلية وغير المنقوصة على قواته المسلحة. بل واستقال
بسبب هذا الموضوع..
ولكن التغير جاء متأخراً.. اتهمه الشعب بالخيانة، ورفضت بريطانيا تقديم اي
تنازلات.. فمات قهراً، وقال البعض انتحر، في نوفمبر 1929.. وترك الوصية التالية
لابنه:
ولدي وعيني ومستندي علي:
"اعف عني لما ارتكبته من خيانة. لأني سئمت هذه الحياة التي لم أجد
فيها لذة وشرفاً. الأمة تنتظر خدمة. الإنكليز لا يوافقون. ليس لي ظهير. العراقيون
طلاب الاستقلال ضعفاء عاجزون وبعيدون كثيراً عن الاستقلال. وهم عاجزون عن تقدير
نصائح أمثالي. يظنون أني خائن للوطن وعبد للإنكليز. ما أعظم هذه المصيبة! أنا
الفدائي الأشد إخلاصا لوطني قد كابدت أنواع الاحتقارات وتحملت المذلات في سبيل هذه
البقعة المباركة التي عاش فيها آبائي وأجدادي.
وهذه القصة الحزينة التي حدثت منذ اقل من مائة عام قريبة من الواقع الذي
نعيشه في العراق.. ويمكن ان نتعلم منها الكثير..
فلا يوجد إنسان كله شر، او كله خير.. ويحسن بنا الابتعاد عن منطق تخوين
الناس. لنتذكر ان كل سياسي عراقي له نظرته الخاصة للأمور..
ولكل رجل حلمه. والحلم هو ما يريد ان يحققه على الأرض. وهو ما يبقي القلب
يدق في ثنايا الصدور. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل..
في العراق اليوم، الكثير من الشخصيات السياسية من البعثية القدماء، بعثية
الستينيات.. وهؤلاء بعضهم هاجر منذ أوائل السبعينيات، ويحلمون ان يعود العراق الذي
عاشوا فيه حينذاك..
اللحظة المثالية التي يتمنون تكرارها هي تلك حين وصل البعث الى السلطة، في
أواخر الستينيات. في أعينهم كان الحزب يتزوج البلاد وينجبان شباباً يافعاً جميلاً.
ثم جاء صدام الذي انحرف عن فلسفة الحزب، فأجهض الحمل ودمر الحلم وخرب البلاد.
وهكذا، في سبيل استعادة الحلم، يفعل هؤلاء ما فعله عبد المحسن السعدون،
يتعاونون مع الاحتلال، ويطالبونه بالبقاء، راجين ان يعاونهم المحتل على إعادة
الحزب والعراق لعام 1970.. فيتحقق الإنجاب، ويعود الوطن.. وكأن السنين لم تمر،
والناس لم تتعلم شيئاً.
وهؤلاء البعثية القدماء بسبب إعجابهم بالغرب الذي عاشوا فيه أحيانا ثلاثين
عاماً، يؤمنون بان صدام اخطأ حين واجه الولايات المتحدة.. وان ما يجدر بهم فعله
تكوين صلات ود وثيقة معها.. ويمكن تسميتهم البعثية الغربيين.. وهؤلاء فعلوا ما
فعله السعدون في العشرينيات من القرن الماضي، واصدروا الأوامر باعتقال من يرفض
المشاركة في الانتخابات. وقدموا مدينة مثل الفلوجة للولايات المتحدة تدمرها على
كأس من ذهب. وكانوا على أهبة الاستعداد لتقديم النجف كذلك لو لم تقم مظاهرة
مليونية أوقفت الهجمة الأمريكية الشرسة أغسطس 2004.
وهم كل يوم يصدرون التصريحات التي تهدد الدول المجاورة، خصوصاً تلك
المتوترة العلاقات مع الولايات الأمريكية. راجين كسب ودها وإقناعها بالاعتماد
عليهم بهذه الطريقة.
والواقع بالطبع ليس كما يتوهم البعثية القدماء. فأولاً، صدام لم يكن هو فقط
المجرم. بل كان في أفكار الحزب، وفي مؤسساته، جذور ذلك الأجرام. البعث وفر البيئة
التي تربى فيها الأجرام الصدامي. واتهام صدام فقط شخصياً بكل ما حل بالبلاد،
وتناسي العقائد البعثية التي تبرر هذا الأجرام، إنما هو ضحك على الذقون وصورة
واضحة لخداع البعثي لذاته.
وبالنسبة لعامة الناس في العراق، الذين لم يسافروا الى باريس ولندن طوال
الفترة الصدامية، صدام والبعث شيء واحد.. وكل المحاولات لإسقاط التهم على صدام
فحسب وتبرئة الحزب لا معنى لها. وان كان البعثي قد هاجر الى لندن او نيويورك او
سدني، فالشعب العراقي عاش العصر البعثي الصدامي.. ولا يريد تكرار التجربة ثانية..
المشكلة في نهاية المطاف ليست في شخص صدام، ولكن في البنية الفكرية للحزب.
فكلهم درسوا في نفس المدرسة الأفكار ذاتها. واذا جاء الشعلان، فلن يفعل سوى تكرار
ما فعله صدام.. فيتم تدمير اقتصاد البلاد، وإحراق شبابها في أتون الحروب مرة أخرى.
والسبب في ذلك هو ان لكل البعثيين ذات الأحلام التي ود صدام تحقيقها، وكلهم لا
يمانعون من استخدام ذات الأساليب. وقد تستطيع تعليم رجل ان يغير أسلوبه، ولكن لا
يمكن ان تغير أحلامه..
اما اعتماد هذه المجموعة على الولايات المتحدة، فخلل ذريع في التفكير.. هم
لا يفعلون سوى تكرار أخطاء السيد عبد المحسن السعدون في العشرينيات من القرن
الماضي، الأخطاء التي أدت لوفاته الباكرة في نهاية المطاف.
وغالبية حزب البعث ذاته تتطلع شذراً لهذا التعاون المشبوه مع الولايات
المتحدة. فالبعث اليوم قد انقسم الى قسمين، كل منهما يتربص بالآخر.. القسم
المتأمرك الذي تناولناه أعلاه بالتحليل، والقسم الشرقي، وغالبية أعضائه يميلون الى
أفكار أسامة بن لادن. نظراً لان نظام صدام استخدم منطق التكفير في التسعينيات،
يستطيعون بيسر استبدال صدام بأسامة.... .
.وربما يجدر بالبعثية المتغربين ملاحظة ان بعث الستينيات لم يعد له وجود
اليوم في داخل البلاد، وان الاستعمار يستطيع تفرقة الموجودين والتلاعب بهم، ولكنه
لا يستطيع أحياء قوة اندثرت. هذا الحلم بانبعاث بعث مات للحياة مثل من يريد ان
يصنع ديناصوراً، متوهماً ان ضخامة وقوة ذلك الكائن في زمن مضى ستضمن له القوة
ذاتها في عصرنا... الحلم لن يتحقق على الأرض لان الدنيا قد تغيرت كثيراً عما كان
عليه حالها في ذلك الحين..
.
2)يا قهوتك
عزاوي.. تشرب الدم بالقلاص لو بالاستكان؟
كثيراً ما ينتقد البعثي نظام صدام البائد.. هو
غالباً ما يقول انه لا يحب ذلك العصر.. ويعبر عن سعادته بالخلاص منه. "صدام
سرق السلطة منا.. هو فقط المسئول عن تجاوزات العصر البائد."
ولكن كل بعثي يتفاخر بدوره ووظيفته خلال ذلك
العصر. من كان مسئولاً عن إدارة مجلة يتفاخر بإدارته لها، حتى لو كانت تلك الإدارة
قد حولت المجلة الى بوق يغني للسلطة وساهمت في تدمير ثقافة التسامح التي شاعت في
العصور السابقة. من عمل في مجال التعليم يتفاخر بأنه خرج أجيالا ، متناسياً الأفق
الضيق، وفكر الكراهية (لكل ما هو فارسي مثلاً) الذي قام بتدريسه للاجيال الجديدة.
وحتى البعثي الذي شارك في المجازر البشعة ضد
أبناء الجنوب والأكراد، يقول:" لم نفعل سوى إطاعة الأوامر..وعلى كل حال من
قتلناهم كانوا عملاء. خانوا الوطن وتواطئوا مع إيران، وهم لصوص وقطاع طرق. كان
إسلامهم زائفاً " وهكذا، وفي اللحظة التي تجد فيها البعثي يشجب النظام
البائد، يقوم بتبرير ممارساته.
وهذه الازدواجية تستحق الانتباه والدراسة. اذ تدل على رغبة حقيقية في إخفاء الحقائق لا
على الناس، بل على الذات كذلك..
والواقع انك لو شاهدت يوما ما بعثيا وسط اسرته،
لشعرت انه شخص سوي تماما، يحب أبناءه ويقتر على ذاته في سبيل شراء الملابس لهم في
العيد. هناك جانب من الشخصية البعثية يبدو طبيعيا تماما.. بل وحتى حين قبضت الدولة
الجديدة على بعض من ارتكبوا جرائم كبيرة منهم، قال جيرانهم: "لم نشعر بشيء من
هذا. كانوا لطافاً وجيراناً طيبين."
اعتقد ان جذور المشكلة التي نلاحظها هنا
أخلاقية: فالفكر البعثي قد يدعي انه يسعى وراء قيم مثالية بعضها لا غبار عليه..
وفكرة الحرية مثلاً لا يوجد نظرياً من يرفضها. وحتى فكرة الاشتراكية في السبعينيات
كانت مقبولة لغالبية شعوب المعمورة. ووصلت الأحزاب اليسارية الى قمة السلطة في
أوربا الغربية ذاتها.. ولكن مشكلة البعث تكمن في التطبيق: فهذا الحزب آمن بان
الغاية تبرر الوسيلة. وان سفك الدماء
مقبول في سبيل تحقيق هدف نبيل. وهكذا تم تبرير الكثير من الممارسات الشريرة التي
انتهكت حياة الإنسان، وقتلت الكثير من أبناء شعبنا بحجة النتيجة الإيجابية
المرغوبة.
والواقع ان الغاية الجيدة لا تبرر وسيلة قتل
الناس وتعذيبهم، سواء اكان من ارتكبها بعثياً، او أمريكيا، وهو ما يحدث اليوم.
الشخصية التي أدارت برنامج اجتثاث البعث –
السيد مثال آلوسي – ذاته كان يوماً بعثياً متنفذاً.. اذ عمل في المدرسة الحزبية
المعروفة التي تخرجت منها كل الشخصيات البعثية القيادية. والسيد آلوسي كان يذهب
الى المكتب وفي جيبه مسدس. ويقول حين
يتحدث عن أيامه مع البعث: "كان البعث سحراً. حول الإنسان العادي الى شخص قوي
مهم. تم إدخال الحزب الى المؤسسات الاستخبارية والأمنية. في عصر صدام، كان
الانتماء للحزب ضروريا للوصول لوظائف في الدولة. وكان البعثي ملزماً بكتابة
التقرير ضد الأصحاب والجيران والبعثي الآخر. " والسيد الآلوسي مثل باقي
البعثيين يبدو أحيانا متشوقاً لهذا الماضي الذي يشجبه علناً...
والناس تتذكر السيد الآلوسي لانه قام باقتحام
السفارة العراقية في ألمانيا مع بعض رفاقه أغسطس عام 2002 . وقضى 13 شهراً في
السجن. وخرج سبتمبر 2003، وعاد الى العراق لاحقاً، رغم ان ألمانيا منعته من السفر
حينذاك.. وقد أعاد السيد د. علاوي العمل بقانون من قوانين الدولة القديمة لإصدار
أمر اعتقال بحق الآلوسي، بعد زيارته السيئة الصيت لإسرائيل.
ومن المحزن بالطبع ان من يدير برنامج اجتثاث
البعث بعثي قديم.. ومن المأساوي ان يقوم من يدير البرنامج بزيارة إسرائيل مما
سيشوه صورة البرنامج بأكمله أمام أعين شعبنا..
والسيد د. علاوي ذاته كان بعثياً قديما. ويعد
اول نشاط سياسي له في غاية التطرف حتى بمقاييس الستينيات. يتذكر أحد أصدقائه،
السيد رجاء، ما حدث حينذاك: عمل السيد د. اياد علاوي في تنظيم الطلبة التابع لحزب
البعث. "كنا ندرس في كلية الطب. وحين ذهبنا لاداء الامتحانات النهائية، وجدنا
السيد اياد مرتدياً الزي العسكري، وفي يده رشاش.. صرخ بنا: "لا اسمح لأحد
بأداء الامتحانات. اليوم إضراب." شعرنا جميعاً بالخوف." وحين رفض الطلبة التعاون، ودخلوا الفصول،
مؤكدين على ضرورة الفصل بين السياسة والدراسة.. قرر السيد د. علاوي ان يكف عن
المعاملة الإنسانية، فقام مع رفيقه –
السيد عبد المهدي – وزير الاقتصاد الحالي – باختطاف أول رهينة جامعية في تاريخ
العراق الحديث، وهو عميد الكلية حينها.. وقد ذهب الرجلان للسجن، وسرعان ما خرجا
بعد الانقلاب البعثي المشئوم.
وقد عمل السيد د. علاوي لاحقاً في قيادة اتحاد
الطلبة في أوربا، وهي وظيفة استخبارية تطلبت منه تجنيد الشباب العراقي والعربي
لمعرفة ما يدور، وكتابة التقارير عن الرافضين لسياسات الحزب في لندن. وفي يوم ما،
استيقظ الضمير، وقرر السيد د. علاوي ان يكف عن كتابة التقارير.. ولكن، ونظراً لتأقلمه
مع الحياة الاستخبارية، اتصل بالا م 16 ، جهاز الاستخبارات البريطاني، وحاولت
المخابرات العراقية قتله حينها بالطبر سيئ الصيت.
وبعد ان أعلن صدام رسمياً الحرب على الطواحين،
وغزى الكويت، قام السيد د . علاوي ، بتكوين علاقة بناءة مع صالح عمر (الذي يتذكره
الناس لأشرافه الدقيق وأدارته المتميزة لعمليات الإعدام العلنية للنظام البائد).
وكون الرجلان تجمع الوفاق الوطني.. وأعضائه مجموعة من البعثيين القدامى الذين
وصلوا لمراكز متقدمة في الحزب قبل ان يختلفوا مع صدام.
وهدف المجموعة لم يكن أبدا صناعة ديمقراطية في
العراق. بل صناعة انقلاب يضع أعضاء الوفاق والبعث الجديد القريب للولايات المتحدة
في قمة السلطة.
ومن الطباع التي ساهمت فيما لاقاه السيد د.
علاوي من نجاح طبع التفاخر. فأصدقائه دائماً يتذكرون كيف كان يدعي انه التقى
بشخصيات عالمية معروفة أبدت استعدادها لتأييده، ثم يتضح لاحقاً ان القصة مختلقة.
والحق يقال: لم يقدر السيد احمد الجلبي البتة على ادعاء صلات بقوى فعالة في الداخل
مثلما فعل السيد د . علاوي. وبدأت الدولارات والإسترليني بالهبوط من السماء مثل
مطر لندن الغزير.
وقد استخدمت مجموعة الوفاق الوطني خلال اعوام
1994 – 1995 أساليب نسميها اليوم إرهابية.. لانها تسببت في قتل المواطن العادي.
تفجيرات في دور سينما وأماكن عامة في بغداد نتج عنها قتل حوالي 100 مواطن. المفكر
البريطاني المتخصص في الشأن العراقي، السيد باترك كوكبرن، يملك شريط فيديو يتحدث
فيه أحد من قاموا بالتفجيرات، وهو إرهابي سفاك للدماء يدعى أبو آمنة الخادمي، يعيش
اليوم في كردستان، يؤكد فيه ان الذي أمر ونظم التفجيرات هو السيد عدنان نوري، مدير
الوفاق في كردستان. وهي نظرية لم تحاول
مجموعة الوفاق أبدا نفيها .
وفي عام 1996، وبدعم مالي ضخم من السي آي اية،
قام السيد د. علاوي اخيراً بمحاولته الانقلابية. وفشلت تماماً – لاسباب منها تحدثه
عنها في الواشنطن بوست. والواقع ان المخابرات العراقية كانت قد وصلت لتلفون
الاتصال بالقمر الصناعي للمجموعة باكراً. واستخدمته لإرسال معلومات خاطئة لواشنطن.
وبعد النجاح في القبض على المجموعة التي خططت للانقلاب، اتصلت مخابرات النظام
البائد بالتلفون لآخر مرة ، وأبلغت الأمريكان بان اللعبة انتهت.
وقد أحزنني ظهور السيد د. علاوي في محطة
العربية.. فحين سأله المذيع عن أسباب المصافحة المشهورة، قال انه لم يكن يعرف من.
ولكن، حتى لو عرف، لصافح.. وعد عدم المصافحة "تخلفاً".. اما مدينة
الفلوجة.. فلتصافحها الصواريخ والقنابل. هذا هو التحضر بعينه!!!
ومن نافل القول ان الفلوجة قدمت للعراق شخصيات
مثل عبد السلام وعبد الرحمن عارف، حاربها السيد د. علاوي في الستينيات، وسرق البعث
في نهاية المطاف السلطة منها. وهم اليوم يكملون العمل الذي بدءوه حينذاك ويدمرون
هذه المدينة.
وحين أدرك البعث ان بريمر لن يتحالف معه، صارت
عمليات النهب في بغداد اكثر تنظيماً. بل ونهُبت حينذاك مخازن أسلحة الجيش العراقي.
وحين تتم عمليات قتل الشرطة العراقية الجديدة،
ندرك ان من وراء هذه العمليات البعث.. لا القوى الإسلامية. فتلك القوى لا تبيح سفك
دم المسلم.. ولكن البعث يعتبر هؤلاء عملاء ويبرر قتلهم بيسر. أسأل اي بعثي، وسيقول
لك ان العمليات ضد الشرطة العراقية تتميز بطابع بعثي واضح في أسلوبها.
أقول في الختام، مشكلة البعث ليست خللأ في فكرة
بعينها، بقدر ما تكمن في استعداد تام لسفك
الدماء، وعدم احترام آراء الأكثرية، في سبيل تحقيق قيماً يؤمنون بها. لابد لنا في
نهاية المطاف من محاربة المبدأ الأساسي الأكثر سوءاً في الفكر البعثي، وهو مبدأ ان
الغاية تبرر الوسيلة.. مهما كانت دموية.
ولابد كذلك من محاربة كل فكر يستبيح سفك الدماء
في سبيل قيم بعينها، مهما بدت جميلة ومثالية على الورق.
من مصادر المقالة:
The
strongman of Baghdad
مجلة: spectator
13 نوفمبر
2004.
Letter from
John Lee Anderson
8 – 11 - 2004-
The New Yorker
3-
السيد د. علاوي يود التخلص من لجنة اجتثاث
البعث..
يسعى السيد د. أياد علاوي لتسريع عودة شخصيات
بعثية تبوأت مراكز حزبية عالية في العصر السابق الى الدولة..
ومن المعروف ان د. علاوي بعثي سابق اختلف مع
صدام حسين.. وهو يسعى حالياً لاعادة البعث لمراكزه السابقة من اجل تهدأة مقاومة
تشتد ضراوتها كل يوم.. خبرات القوى الامنية البعثية ضرورية لمواجهة العنف المستشري
في البلاد..
ومع اقتراب وقت الانتخابات العامة في يناير،
يسعى د. علاوي والقوات الامريكية للعثور على طرق لاستعادة هذه الشخصيات المترددة.
وصراع القوى بين د. علاوي والسيد احمد الشلبي،
المنفي سابقاً، الذي يرأس لجنة اجتثاث البعث، ويدعوا لاخراج قياديي الحزب من
السلطة، معروف. وهو صراع على روح العراق يحدد من سيكون في القمة لاحقاً.
ومساعي د. علاوي هذه بالطبع قد تغضب مجموعات
شيعية تشتكي من تحكم السنة بالسلطة لقرون .
وقد تم القبض على بعض الشخصيات البعثية التي
عادت الى السلطة مؤخراً.. فبعضها تعاون مع المقاومة.. وابلغها بكل ما لديه من
معلومات عن الاجهزة الامنية للدولة الجديدة.
مثلاً، الشهر الماضي اعتقلت القوات الأمريكية
الجنرال طالب عبد غايب اللهيبي الذي تعاون مع النظام الصدامي. وفي العصر الجديد،
اصبح مسئولاً عن ثلاث فرق نقل لاستعادة محافظة ديالة من المقاومة. وقيل ان سبب
اعتقاله هو علاقات مع شخصيات مشبوهة لارتباطها مع المقاومة، وجماعات
ارهابية.. وفي اغسطس، تم اعتقال مدير
بوليس الانبار، جعدان محمد علوان، بعد ان اتضح ارتباطه الوثيق بالمقاومة. وكان
كذلك شخصية عالية الرتبة في النظام البعثي.
يقول ضابط امريكي: "انه تحدي كبير.. فلدى
هؤلاء الافراد قدرات عالية.. ولكن خلفياتهم سيئة للغاية."
ومن المقلق كذلك امكانية تردد اي بعثي في
مواجهة التمرد، خاصة في
مناطق تسمى بالمثلث البعثي. ومن المعروف ان الامريكان صنعوا فيلق الفلوجة – بقيادة
بعثي قديم – ولكنه لم يفعل اي شيء يذكر. وتم تفكيك هذا الفيلق اواخر الصيف الماضي.
وانضم غالبية افراده لاحقاً للمقاومة.
وقد بدأت مساعي د. علاوي الشهر الماضي حين اصدر
رئيس المجلس – السيد زهير حمودي - امراً بايقاف لجنة اجتثاث البعث واستبدالها
بنظام اقل صرامة.. ومع ان هذه اللجنة جزء من الدستور الانتقالي، الا ان مكتب د.
علاوي طلب من الوزارات عدم التعامل معها.
وصرح مدير اللجنة، السيد علي فيصل اللامي، ان
مجلس د. علاوي طلب من اللجنة نقل مكاتبها خارج المنطقة الخضراء.. وحين اصدرت
الدولة بطاقات دخول جديدة، قدمت للجنة اجتثاث البعث 50 منها فقط، مع ان اعضاء
اللجنة 250 .. باقي الاعضاء اليوم يشتركون في اللجنة من المنزل، تلفونياً، او من
المكاتب الخاصة.
والنظام الذي يقترحه د. علاوي يسمح بعودة اي
بعثي قيادي طالما لم يواجه اتهامات جنائية. ولم تتم ادانته في محكمة. حسب رسالة
ارسلها السيد زهير حمودي لجميع الوزارات.
عودة البعثي الغير متهم بارتكاب جرائم فكرة
تحبذها واشنطن. وقد قام السيد بول بريمر بطرد البعث من المراكز العامة في مايو
2003 ، ولكنه الغى القرار الربيع الماضي حين بدا واضحاً ان الخبرة البعثية ضرورية
للحكومة الجديدة.
يدعي اعضاء لجنة اجتثاث البعث ان نظام السيد
علاوي سيعيد حزب البعث لمراكز القوة.. بل وقد يسمح بعودة بعض الضباط الذي قاموا
بتجاوزات لحقوق الانسان.
يقول السيد لامي ان حكومة د. علاوي اعادت
قيادات بعثية الى قمة السلطة الامنية. ويقول كذلك ان اللجنة طالبت بطرد بعض
العاملين في الدولة، نظراً للتساؤلات بشأن ممارسات ارتكبوها في الماضي. ولكن
الوزارات لم تحقق الطلب. وزارة الدفاع المسئولة عن الشرطة طردت فقط 500 من 900
موظف اشتكت اللجنة منهم.
وقال: انهم يكررون اخطاء الحكومة السابقة..
ويخلقون ذات الحائط بينهم وبين عامة الناس.
السياسي السني بشكل خاص دافع عن حق البعثي في
العودة لوظيفته، خصوصاً وان الكثير من العراقيين انظموا للحزب من اجل التقدم في
المجال الوظيفي. وقد كان هناك ضغوط طوال العصر البعثي على من يعمل في حقول الطب
والتعليم للانظمام للحزب.. وبعض هؤلاء انظموا بدون ان يكونوا راضين او مشجعين
لنظام صدام حسين. وهؤلاء من ضحايا نظام الاجتثاث..
بل ان الغاء السيد بريمر لقانون الاجتثاث سعى
لاعادة غالبيتهم لوظائفهم.
قال د. علاوي للمجلس الوطني الثلاثاء الماضي،
"من الضروري التفرقة بين المجرم ومن تم اجباره على الانظمام للبعث "..
وحين سأله احد الاعضاء بصراحة عن اسباب عودة كبار قيادات البعث للسلطة، اجاب:
"هذا موضوع يتعلق بالوحدة الوطنية للبلاد."
وكان من اهم وظائف لجنة اجتثاث البعث مراجعة
طلبات من تم طردهم او اتهامهم واثبات برائتهم طالما لم توجد اوراق تؤكد على ضلوعهم
بجرائم.. او وصولهم لمراكز عالية في الحزب. حوالي 8 الاف بعثي عادوا للوظائف بهذه
الطريقة. وفي ذات الوقت ، تقوم اللجنة بتأكيد ضرورة طرد من وصلوا لاعلى الرتب
الحزبية ومن يتهمون بارتكاب جرائم .. ولكن طلبات اللجنة لا يتم تنفيذها، خصوصاً في
مجال الوظائف الامنية.
وقد تم اختيار رشيد فلاح لوظيفة ادارة البوليس
السري، بالرغم من انه كان مديراً للأمن العام في الناصرية عام 1991، مما يعني انه
اشترك في قمع الانتفاضة. ولكن المتحدث باسم وزارة الداخلية اكد ان السيد فلاح لم
يشارك في قمع انتفاضة الناصرية.
الاساس الذي يعتمد عليه السيد علاوي هو آخر
اوامر بول بريمر في يونيو الماضي. وقال فيه انه سيتم حل لجنة اجتثاث البعث حين
تصنع الدولة الجديدة مؤسسة بديلة لمتابعة العملية.
وبالرغم من ان السيد علاوي يريد وضع نظام قضائي
بدلاً من اللجنة، فهناك من يريد الحفاظ عليها.. اكثر من عضو فعال ومؤثر في المجلس
الوطني يقول انهم سيتابعون هذه
القضية: "سنتابع موضوع لجنة اجتثاث البعث لان حلها مخالف للقانون."
عن مقالة ادوارد وانج .واريك اكهولم
. اكتوبر 13، 2004
نيويورك تايمز....
4) فصول محو البعثية
في مدرسة المشاغبين...
يدخل السيد عبد الكريم الخفاجي قلقاً الى الفصل
المشاغب في قاعة الرياضة في جامعة بغداد. الإدارة تشتكي ان هؤلاء التلاميذ فاسدين
مفسدين. وكم من مدرس حاول إقناعهم بان البعث حزب فاشي قاموا هم بإقناعه بضرورة شجب
الاحتلال أولا قبل الحديث عن البعث. وهكذا في هذا الفصل كثيراً ما يتحول المدرس
الى تلميذ، والتلاميذ الى أساتذة.
فهذا الفصل يحوي الكثير من القيادات التربوية
والفكرية لحزب البعث. وهم قوم لا يستحون ولا يسكتون، يل يتحدون المدرس ويسفهون
أفكاره ويفحموه. فالكثير منهم درسوا التاريخ والثقافة ولهم خبرة في مجال التعليم
تفوق بكثير من يسعى لتدريسهم.
عدد التلاميذ في الفصل حوالي 100 جميعهم في
أواسط الى أواخر العمر، وكلهم وصلوا لمراتب سامية في الحزب المخلوع، وطردوا بعد
انهيار النظام من وظائف في مجال التربية والتعليم شغلوها لسنوات طويلة. وهم اليوم
يدرسون فصل "اجتثاث البعث" لمدة شهر، راجين الحصول على شهادة "حسن
سيرة وسلوك" تتيح لهم البحث عن وظائف جديدة.. المطلوب منهم الحضور للمحاضرات
وتوقيع أوراق تشجب الحزب.
قرر السيد الخفاجي بداية الدرس بأسلوب لطيف،
راجياً بهذه الطريقة ان لا يواجه ضغوطاً من التلاميذ. فقال: "نريد ان نكون
يداً واحدة.. ليس هدفنا محاربتكم او قطع أرزاقكم.. هدفنا إعادة أعمار العراق
بمساعدة كل عراقي. وانتم كوادر تربوية لا يمكن الاستغناء عنها." هز بعض
التلاميذ رؤوسهم متفهمين.
ثم دخل المدرس السيد ياسين خضر، وموضوع
محاضرته، " كتابة التاريخ." قال لا فض فوه:
"لابد من كتابة تاريخ بلاد الرافدين من
جديد. لقد زور نظام البعث تاريخنا. فوضع ما هو هامشي في الصدارة، وهمش الأحداث
المهمة. باختصار ارتكب الحزب الكثير جداً من الأخطاء في حق تاريخ العراق."
تحدث المدرس عن قصف قرى الأكراد،والحرب ضد
إيران ل8 سنوات، ثم احتلال الكويت ، وقمع أبناء الجنوب في 1991. وعاد الى 1941
مؤكداً ان النظام البعثي حول انقلاباً فاشياً الى حركة وطنية.
وهنا هاج الفصل المشاغب وماج. قال أحدهم
للمدرس: "ما هكذا تساق الإبل.. كل الناس تعرف ان السيد الجيلاني، رئيس
الوزراء حينذاك، ثار ضد عبد الإله الذي كان عميلاً لبريطانيا."
أكد المدرس ان الجيلاني تعامل مع قوات المحور..
بل واشترى من ألمانيا وإيطاليا بعض الطائرات والأسلحة، واستلمها في مدينة الموصل.
ولكن المدرس لم يقدر على قول المزيد قبل ان يقاطعه التلاميذ متسائلين: "وما
الضرر في شراء الأسلحة من المكان الذي يبيعها بسعر افضل؟" قال أحدهم:
"بالطبع الجيلاني سيشترى السلاح من الدول المعادية للقوة التي تستعمر بلاده..
وما هو الغريب في ذلك؟" . واستطردوا مؤكدين ان الجيش البريطاني قام بنفسه
بقمع حركة ال 41خلال شهور قليلة. ثم أعاد
النظام الملكي لعبد الإله..
ثم صرخ أحد التلاميذ بصوت جهوري للمدرس:
"يا هذا لماذا لا تسأل أسرتك ووالدك عما شعر به الناس عام 1941. أبى مات
مؤمناً أنها كانت حركة وطنية. وتريد ان تصحح التاريخ عن طريق مطالبتنا بتكذيب من
عاشوا الأحداث؟"
أجاب السيد خضير بحدة: "اذهب الى أوربا واقرء
كتب التاريخ قبل ان تتحدث بملء شدقيك أيها البعثي."
فرد الآخر ساخراً: اذهب الى أوربا لاقرء تاريخ
بلادي؟؟ لماذا لا أقراه هنا حيث دارت أحداثه؟؟"
قال تلميذ آخر: " وهكذا حولتم الحركات
الوطنية التي سعت لاستقلال العراق عن الغرب الى نازية وفاشية؟ هل نحن الذين زورنا
التاريخ ام انتم؟"
قال المدرس بهدوء: "أؤكد لكم وجود روابط
بين النازية وحركة الجيلاني.. بل ان مبادئ ما يسمى بالقومية العربية هي الفاشية
بعينها. وهذه هي الحقيقة."
انتهى الدرس، انصرف التلاميذ. ولم يقتنعوا بما
سمعوا. وشعر بعضهم ان المدرس جاء بأفكار من لندن وواشنطن للدفاع عن الاستعمار
السابق والاحتلال الحالي للبلاد. البعض قال بصراحة ان فكرة اجتثاث البعث ستفشل
لعدم وجود فكر بديل نابع من داخل العراق يمكن لشعبه تقبله. الدولة الجديدة تقول
للناس: ان الفكر العروبي الذي دعا له البعث عبارة عن خرافات عنصرية ليس فيها سوى
الكراهية والكبرياء الخاوية.. ولكن ما هو الفكر البديل الذي تقدمه؟
الذين تكلموا في الفصل ندموا، وخافوا مغبة ما
قالوه.. فكلمة "اجتثاث" عنت لهم القطع من الجذور، اي القتل. وقد قُتل
بعض البعثيين خلال العام الماضي. ولكن لم تحدث المجازر التي توقعها البعض.
قال إبراهيم – أحد المشاغبين الذين تحدثوا عن
1941 – " يبدو لي ان الدرس عبارة عن محاولة لغسل أدمغتنا وزرع أفكار غربية
جديدة عن ماضينا وتراثنا. يريدون ان نُكذب ما قاله آبائنا وأجدادنا، ونصدق ما كتبه
بعض المستشرقين في عصر الاستعمار."
وقد عمل إبراهيم مستشاراً لوزارة التربية وطرد من وظيفته بعد 10 أيام من
انهيار النظام، وهو اليوم بلا وظيفة.
وبالطبع، بينما دارت ملهاة فصل "اجتثاث
البعث" وكان ضحاياها شخصيات تربوية مثقفة، يعود البعثيون قطعاناً وأفواجا الى
المؤسسات الأمنية والاستخبارية.. بلا مدرسة اجتثاث ولا هم يحزنون..
ومن المؤكد ان الشعب العراقي يشتكي في نهاية
المطاف من أجهزة البعث الاستخبارية القمعية.. وتلك لا تواجه اي مشكلة في العودة
الى وظائفها.
من
يعاني فقط هم من عملوا في مجال التدريس، أولئك الذين خرجوا جيلين من الأطباء
والعلماء والمفكرين.
باختصار، من يعاني حالياً من برنامج استئصال
البعث هم المفكر والعالم والمؤرخ، اي الذين كانوا اقل شراً، بل واستفاد من علومهم
التلاميذ في المدارس والجامعات.
وقد توهمت يوماً ان هدف برنامج استئصال البعث
كان التخلص من العصابات التي قامت بممارسات التعذيب في قصر النهاية وغيره، ومحاسبتهم
على جرائمهم، وعلى أجهزة فرم الناس، وضربهم، والتعديات الجنسية على السجين، وغيرها
من البشاعات. ولكن الدولة الجديدة بحاجة
لخبرات من تخصص في هذه الممارسات اكثر مما تحتاج للعالم والمؤرخ.
وكيف تستطيع مؤسسات الدولة الجديدة شجب ممارسات
التعذيب، بعد ان ظهرت صور ابو غريب؟ وها نحن نستمع اليوم لأخبار عن تهديدات بفضح
ممارسات تعذيب تقوم بها هذه الدولة الجديدة، التي أتت مدعية إنها ستخلصنا من هذه
الممارسات!!
وقد كان المفترض والمتوقع في دروس اجتثاث البعث
: انتقاد العنف البعثي وممارسات التعذيب وعسكرة المجتمع.. فاذا بهم يشجبون القومية
العربية والجيلاني.. وما علاقة الجيلاني ، الذي استمر انقلابه لشهور قليلة، ب 30
عاماً عشناها في ظل أجهزة استخبارات جعلتنا نخاف من التحدث في التلفون ، او حتى
كتابة رسالة؟
ولم يصل السيد الجلبي، الذي يرتبط اسمه باجتثاث
الشعب، لنسبة تأييد اكثر من 20% في آخر استبيان .. مما يعني ان 80% تعترض على
طريقة إدارة برنامج اجتثاث البعث حالياً.. واعترف أنى شخصياً أتفهم وجهة نظر ال 80
%. فأفكار حزب البعث بشأن التاريخ العراقي
تخصه.. ولا أحد سيحاكم صدام لنظرته للجيلاني.. ما يجب محاكمة البعث عليه هو ممارسات
القمع والاضطهاد.. ولكن دروس محو البعثية تتحدث عن الجيلاني وتتجاهل الأسباب التي
أوصلت بلادنا للخراب.
وبسبب
هذه الأخطاء، بدأت عملية إلغاء برنامج اجتثاث البعث.
ملحوظة: المعلومات عما يتم تدريسه للتلاميذ في
دروس اجتثاث البعث، ورفض الطلبة لها، مستقاة من مقالة السيد روري مكارثي، مراسل
مجلة الجارديان في بغداد، أكتوبر 22 . 2004
4)هل الشيعة
هم المفعول به في "اكلوني البعثيون"؟
في مقالة "اكلوني شفطوني البعثيون فاعلان
لمفعول به واحد" التي نُشرت في موقع:
أرض السواد في الشبكة العنكبوتية 19-9- 2003، قدم السيد صيهود
الخنياب فكرة اتفق معها، وهي : ان هناك بعث قديم وآخر جديد.. ولكن الضحية واحد لا
يتغير، وهو "الشعب العراقي وبشكل خاص الشرائح المنكوبة والمظلومة والمهاجرة
منه." والمقالة التي وصلت متاخرة عن موعدها لارض السواد كانت تستحق
الانتظار.. وما اود تقديمه هنا هو نظرية مفادها ان المفعول به في العراق الجديد
غالباً ما يكون من ابناء الشيعة.
وقد لاحظ السيد صيهود وجود اكثر من فاعل في
جملة "اكلوني البعثيون." فهناك
بعث قديم، وآخر حديث.. والواضح هو ان البعث الجديد يميل للغرب لدرجة انه يمكن
تسميته "البعث الغربي." فهو يرتبط ب"المحافظين الجدد"، الجناح
الصهيوني المتطرف للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة. اما البعث القديم، فهو مثل
سيده صدام يستخدم مصطلحات التكفير، ويسير بنهج سلفي وهابي واضح، وهكذا يمكن تسميته
"البعث الشرقي."
ومن المؤكد ان التشرذم بين المجموعتين وصل
لدرجة قتل كل منهما للأخرى.. فالقصف الامريكي للفلوجة يتم بموافقة وتشجيع البعث
الغربي الذي يود (بالوعد والوعيد) ضم اكبر عدد ممكن من البعث الشرقي القديم الى
صفوفه، ولا يمانع من التخلص من الباقين .
وهذا الى درجة انه يمكن القول ان الغزو الامريكي لم يفعل سوى مساعدة البعث
الجديد في تحقيق انقلاب ناجح على البعث القديم.. امريكا خلصت البعث من صدام
وزمرته، ولكنها لم تخلص العراق من البعث...
النظرية التي اقدمها هنا هي ان البعثي الشرقي
(الوهابي) والغربي (المتأمرك – المتصهين) يتفقان على ضرورة كبح جماح الشيعة
وقمعهم. وهكذا ، وكما يقول السيد صيهود، المفعول به واحد.. ولكنه ليس "الشعب
العراقي باكمله" بل الشيعة فحسب.طائفية البعث الصدامي القديم تجاه الشيعة معروفة، والاجيال
البعثية الجديدة قد ورثتها، وتسير على اساسها، على الاقل في المرحلة الراهنة.
الدليل الاول الذي اقدمه لاثبات النظرية هو
وقوف الدولة العراقية الجديدة منذ اليوم الذي صنعتها فيه الولايات المتحدة، ضد
ايران. وقام وزير الدفاع حازم شعلان بشجب ايران علناً واكد انها العدو الاول
للعراق.
الدليل الثاني هو سوء معاملة الدولة للاحزاب
الشيعية.. وكلنا قد سمعنا بالاتهام الذي وجهه مدير المخابرات العراقية، محمد
الشهواني، ل 27 شخصاً من طاقم السفارة الايرانية في بغداد بالتجسس وتجنيد
"جهة شيعية" لتنفيذ حملة اغتيالات اودت بحياة 18 فرداً من عناصر الجهاز
منذ منتصف ايلول – سبتمبر الماضي. بل وادعى السيد الشهواني انهم عثروا على وثائق تؤكد
ان فيلق بدر، الذراع المسلح للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية، هو عبارة عن طابور
ايراني خامس يقوم باعمال القتل.
ومن المعروف ان مجموعة من المنفيين كونت المجلس
الاعلى للثورة الاسلامية في ايران عام 1982. وكان هذا الحزب حليفاً مرحلياً
للولايات المتحدة في حربها ضد التيار الصدري. ويمثله في الدولة الجديدة وزير
الاقتصاد، السيد عادل عبد المهدي.. الذي نفى بشدة هذه الاتهامات، واكد ان الشخصيات
البعثية في الدولة الجديدة تسعى لتشويه سمعة المجلس الاعلى لانه حارب نظام صدام في
الثمانينات والتسعينات.
ومن نافل القول ان السيد السيستاني حفظه الله
قريب من المجلس الاعلى، وقد ينتقل لمعارضة الدولة بسبب هذه الاتهامات الملفقة.
ولكن اتهامات الشهواني مقلقة كذلك لانها جائت والعراق يقترب من الموسم الانتخابي.
واذا كانت المخابرات العراقية الجديدة تزور الوثائق لاتهام حزب شرعي بالتآمر
والاغتيالات لاضعاف امكانيات نجاحه في الانتخابات، فاي ديمقراطية هذه التي يتحدثون
عنها؟
ومن المعروف ان السيد شهواني بعثي قديم انفصل
عن صدام عام 1990.. وقيل ان صدام انتقم منه بسبب هذا الانفصال، فقتل ثلاثة من
ابنائه. وهكذا انضم الشهواني للولايات المتحدة في مساعيها لاسقاط النظام. وفي
الصيف الماضي، تم تعيينه رئيساً للمخابرات التي تقوم الولايات المتحدة باعادة
تكوينها ب 3 بلايين دولار. وقيل ان الشهواني من عملاء السي اي ايه المخلصين الذين
يتم اعدادهم كبدائل محتملة لاياد علاوي لو تم اغتياله او انتهت صلاحيته.
والشهواني جزء من حاشية بعثية تحيط بالسيد د.
علاوي، منهم كذلك وزير الداخلية فلاح النقيب، ووزير الدفاع حازم شعلان. وقد اوضحت
مقالة النيويورك تايمز، بقلم اد وانج واريك اكهولم، ان الدولة الجديدة فتحت الباب
على مصراعيه للبعث للعودة لمؤسساتها.
الدليل الثالث على اضطهاد الدولة الجديدة
للشيعة ذكرته مجلة الصباح يوم 21 – 9 . والخبر هو : تقدم حزب الله (بقيادة السيد
حسان الساري) بشكوى ضد وزير الدفاع – فلاح النقيب، ومدير المخابرات الشهواني. والشكوى باختصار هي ان وزير الدفاع ووزير
الداخلية يصدران اوامر باقتحام مكتب حزب الله في بغداد، واعتقال اعضائه، بدون صدور
اي امر قضائي يتيح لهم هذا.
ومن المعروف ان الدولة الجديدة تدعي القانون
والدستورية، فكيف يتم اقتحام مكاتب مجموعات شيعية واعتقال افرادها بدون امر قضائي؟
المزيد من الادلة؟ اختيار النجف، وهي مدينة ذات
مكانة خاصة للشيعة في جميع ارجاء العالم، لاقتحامها.. وضرب الجالية التركمانية ،
وغالبيتها من الشيعة، في تلعفر. واجبار التيار الصدري، عن طريق قصف مناطق نفوذه
بشكل عشوائي، على تسليم السلاح.. مقابل "وصل بالاستلام" ووعد بمال في
المستقبل وتعهد باصلاحات في مدينة الصدر التي استفحل فيها مرض التيفود وامراض
الكبد القاتلة بسبب تلوث المياه..
ولكل هذه الاسباب، نقول ان "المفعول
به" في منطق البعث الغربي الجديد هو ابناء الطائفة الشيعية في العراق
الحبيب. وليس هناك شك في ان
مثل هذه التصرفات الاستفزازية والاتهامات القاسية للحركات الشيعية قد تؤدي
في نهاية المطاف بالعراق للحرب الطائفية التي يحاول كل مخلص تجنبها..
24-9-2004
5)
صرح السيد
آية الله عبد العزيز الحكيم لمجلة التايمز انه سيحاول تطهير الأجهزة الأمنية من
الصداميين حين يصل للسلطة.. "هناك اختراقات جسيمة، تتنوع حدتها بين المخابرات
ووزارة الداخلية، ولدرجة اقل وزارة الدفاع.. بعضها شبه مخترقة." "أحيانا
نطلع على تقارير سرية، فنجدها تستخدم المصطلحات ذاتها التي كانت تستخدم في عصر
صدام.. وكأن ذلك العصر لا يزال حياً يُرزق. وهو ما يضحكني حيناً، ويحزنني
طوراً."
وقد نقلت
التايمز عن مساعد للحكيم قوله: "المخابرات لا تزال تسأل السجين الشيعي من
حاول اغتيال عدي عام 1996، والبعض يسألهم لماذا ثاروا عام 1991؟
والمجلس
الأعلى للثورة الإسلامية هو اللاعب الأهم في القائمة الشيعية.. ومن أعضائها السيد
أحمد شلبي، وبعض معاوني السيد مقتدى الصدر. وهذه القائمة يُتوقع ان تفوز ب 27 % من
المقاعد في المجلس المُنتخب.
والسيد
الحكيم يتصرف وكأنه قد تم انتخابه بالفعل اليوم.. وقد تحدث في مركزه الحصين، الذي
كان يوماً مسكن طارق عزيز، حيث نجا من محاولة اغتيال بعربة مفخخة منذ أسبوعين.
يقول الحرس الشخصي انه لم يخرج من الموقع منذ تلك الساعة. أعداد كبيرة من الحرس
تحيط بالمكان.
وحين سألوه هل سيكون التطهير جزئياً ام شاملاً، أكد على ان الوضع ا