الحرب الثانية.
لم يكد يستفيق من حربه الأولى
ويهنا حتى رمته الرزايا
رحمة يا حياة حسبك ما سال على
الأرض من دماء الضحايا
انظري الآن هل ترين سوى آثار دنيا
بالأمس كانت جنانا
ليس من سحرها سوى سود أحجار تثير
الدموع والأشجان
أين نعماك يا بقايا القصور البيض
أين الأزهار والأطيار
هجرتك الطيور غير غراب وجفاك
الأريج والاخضرار
أين أهلوك؟ حدثيني ماذا يا ركام
الأنقاض كان المصير؟
أين يحيون؟ أي كهف من الأرض رواهم
أساه والديجور؟
أين أهلوك يا قصور أتحت الثلج أم مزقتهم القاذفات
أسفاً ضاقت الميادين بالقتلى وما
عاد يدفن الأموات
في سفوح الجبال تحت ذرى الأشجار
خلف القصور والأكواخ
ليس غير الموتى عظاماً ذابلاً وغير
اكتآبة وصُراخ
يا ملاك السلام أقبل من الأجواء
واهبط على الوجود الكئيب
إبك للراقدين في وجمة الموت وأشرق على
الظلام الرهيب
طف بهذي
القرى لتلمس آهات الحزانى والساغبين الظماء
وأرحم الصارخين في سُرر الأمراض
بين الأحزان والأدواء
طف بأنقاض عالم ليس يدري هل سيحظى
بمبهجات الحياة؟
هو إن نام لحظة هب مذعوراً ليبكي
ويرسل الآهات
ما دري حين أضرم الحرب إلا حلم
النصر والفخار العظيم
يا لقلب المسكين! ما ينفع المجد
لقلب مُلوع مصدوم
فليفق حسبه خيالاً وأوهاما ليلقى
ما قد جنت كفاه
عالم مظلم يضج به المرضى ويشكو من الطوى أبناه
جف زهر الرياض والورق النضر وآوت
إلى الجفاف الحقول
أسفاً لم تدع لنا الحرب شيئاً
وتلاشى الحلم الطروب الجميل
من ترى يحرث الحقول ويشدو أغنيات
المراح وقت الحصاد
أين لهو الأطفال عند البحيرات وفوق
الثلوج في الأعياد
أين؟ ضاع الخيال والحلم الفاتن ضاع
الجمال ضاع الرخاء
ليس إلا دينا من الجوع والفقر
عليها يعذب الأبرياء
يا قلوب الأطفال لا تخفقي الآن
حنيناً لن يرجع الآباء
هكذا شائت
السنين فرفقاً بعيون قد عض فيها البكاء.
الحرب الثانية..
أنظري، هل ترين غير بقايا ذلك العالم
الجميل الخصيب؟
هل تبقى منه سوى دمت جدباء في قبضة
الدمار الرهيب؟
يا قصوراً بالأمس كانت هنا يضحك من
حولها ندى واخضرار
أصبحت مسكن الخراب وجفت في حماها
العطورُ والأزهار
أين أهلوك يا قصور؟ وفي أي قبور
ثووا أتحت الثلوج؟
أم ترى مزقتهمو
قاذفات النار في عاصف رهيب الأجيج؟
أسفاً يا قصورُ أهلكُ ناموا فوق
صدر الثرى عُراة الصُدور
رقدوا حاسري العظام فلا قبر لهم في
التُراب أو في الشعور
في سفوح الجبال، تحت ذرى الأشجار
خلف الضياء والظلماء
ليس غير الموتى عظاماً وأشلاء وغير
اكتئابه وبكاء
يا نشيد السلام يا ساكناً في قعر أحلامنا
وراء مُنانا
رف فوق الدنيا الحزينة وابعث لحن
حب في تيهنا ودجانا
طف بأنغامك النشاوى
على هذي القرى المُستباحة المهدومة
بنداك الرحيم رطب شفاها ظامئات أو جبهة
محمومة.
طف بأنقاض عالم ليس يدري أترى
للدماء بعد بقية؟
راسف في الدجى،
ويسمع بالفجر حديثاً وقصة مروية
كانت الحرب يوم أشعلها صورة حلم مضوأ الأستار
غلفوها له بومض بريق من سنا المجد
والرؤى والفخار
فإذا نبعُها دمٌ وشذاها لهبٌ أكلُ
اللظى وهجيرُ
وإذا مجدها شقاء طويلُ ليس ينجاب ليله المحرور.
جف زهرُ التلال والورقُ النضر وآوت
إلى الجفاف الحقولُ
أسفاً لم تدع لنا الحربُ شيئاً
وتلاشى الحُلم الطروبُ الجميلُ
من ترى يحرثُ الحقول الجديبات؟ وأين اختفت أغاني الحصاد
أين لهو الأطفال عند البحيرات النشاوى في بهجة الأعياد؟
يا قلوب أطفال لا تخفقي الآن
حنيناً لن يرجع الآباء
ذلك الحلم في مآقيكم الولهى طوته المنيةُ السوداءُ
وبقايا الآباء نهب غُبار الأرض
صماء شاخصات العيون
أيُ معنى في هذه الأعين الغرقى، من
الصمت والذُهول الحزين؟
كلُ عينين فيهما صورةُ تبكي وترثى
للعالم المغرور
كل عينين تسخران من العيش وتستهزآن بالمقدور
كل عينين تنظران إلى الأفق بعيداً
عن كل ما في الحياة
آه يارب،
آه لو فهم الأحياءُ ماذا في أعينُ الأموات
يا فتاة الأحلام حسبُك شدواً برثاء
القتلى وحسبك حزنا
سوف يفنى هذا النشيد ويبقى الشر في
الأرض خالداً ليس يفنى
فلماذا إذن مشى العالمُ المجنونُ
للموت والأذى والدمار
فيم تحدو الشعوب أطماع غر يتصبى عينيه وهج النار
أعن النصر يبحثون؟ وهل نصر لمن
تستذله الأهواء
هل فخار وحولنا عالم يملؤه
الجائعون والأشقياء؟
نحنُ أسرى يقودنا القدرُ الأعمى
إلى ليل عالم مجهول
وسنين الحياة نوم ونصحو ذات يوم
على نداء الرحيل
وطبول النصر العظيم غداً تفنى
وتغفو في قبرها المقدور
وتُضيعُ الرياحُ في أفق العالم
ذكرى المنصور والمدحور
وصحا العالم العميق الأسى وأنتهت الحربُ بانتصار المنايا
شهدت هذه القبور لها بالنصر رحمتا
لتلك الضحايا
ثم ماذا يا ساكني العالم الموجوع
ماذا من القتال جنينا؟
هل وصلنا إلى النجوم الحوالي ولمسنا أسرارها بيدينا؟
هل غلبنا الشقاء والفقر في أرجاء
هذا الكون الطعين الذليل؟
والصغار العراة هل وجدوا مأوى
ودفئاً عبر الشتاء الطويل؟
والأذى والشرور هل دحرتها الحرب يا
من حملتموها لظاها؟
أسفاً لم يزل على الأرض من يتخذ
الكأس والمجون إلها.
لم تزل في الوجود أغنية تقطر حزناً
على شفاه جياع
في هتافات لاجئين ومتهم محنة الحرب
للضنى والضياع
كل شيء باق كما كان قبل الحرب غير الأيتام
والأموات
غير ظل من الكآبة والحيرة يمشي على
ضفاف الحياة
هؤلاء الأيتام بالأمس كانوا صورة
البشر والمزاح الجميل
تحت ظل الآباء يقضون عيشاً ما دروا
غير صفوه المعسول
وأفاقوا من حلمهم فإذا الآمال حربٌ
والذكريات دُخان
يا عيون الأطفال لا تسألي الدينا فقد مات في القلوب الحنانُ
في سبيل المجد المزيف هذا الهول لا
كان مجدهم لا كانا
في سبيل النصر المموه عاد العالم
الحلو في اللهيب دخانا
هؤلاء الصرعى على الشوك والصخر
شباباً وصبية وكهولا
كيف كانوا بالأمس؟ أيةُ رؤيا
رسموها فلم تهش طويلا؟
أيها الأشقياءُ في الأرض يا من لم
تُمتهم قذائفُ النيران
عبثاً تأملون أن يرجع الآن أغزاءوكم إلى الأوطان
انظروا ها
هم الجنود يعودون فرادى مُهشمي الأعضاء
آه لولا بقية من حياة لم يُعدوا في
جملة الأحياء
عبثاً يبحثون في هذه الأنقاض عن
أهلهم وعن مأواهم
عبثاً يسألون ما يعلم العابر شيئاً
فيا لنار أساهم
كيف ذاقوا مرارة الخيبة المرة بعد
العذاب والأوصاب؟
أتراهم نجوا من الموت كي يحيوا بلا
رفقه ولا أحباب؟
أين تلك البيوت يلمع فيها الضوء
والحب أين من سكنوها
أين أطفالهم ورجع أغانيهم وتلك
المُنى التي صوروها؟
أيها الأشقياء يا زُمر الأحياء في
كل قرية وصعيد
آن أن نستعيد ماضي حب هو مفتاح
حلمنا المفقود
ما الذي بيننا من الحقد والبغضاء؟
ما كان سر هذا الدمار؟
أيها الأشقياء نحن جميعاً لعبة في
مخالب الأقدار
نحنُ نحيا في عالم ليس يُدري سرهُ
فهو غيهب مجهول
تطلع الشمس كل يوم فما كنه سناها، وفيم كان الأفول
ما الذي يطلع النجوم على الكون
مساء ما كنه هذا الوجود
أي شيء هذا الفضاء؟ وما سر دجاه؟ هل خلفه من حدود؟
فيم نقضي حياتنا في العداوات ونُمضي السنين يأساً وحزنا
كيف ننسى أنا نعيش حياة الورد
وسرعان ما يموت ويفنى
لن تدوم الأيام لن تحفظ الدينا كياناً لكائن بشري
فلندع هذه الضغائن والأحقاد ولنحيا
للوداد النقي
|