المرأة بين الطرفين

السلبية والأخلاق

 

لم يزل موضوع المرأة مجالاً عاطفياً، تناوله الاقلام في كثير من الانفعال على اسلوب يبتعد عن الموضوعية وحكمة التجرد من الأهواء. فالمعتقدات الفردية والآراء الاجتماعية المتجمدة والعواطف توشك ان تجعل الموضوع شاقاً على الباحث، فلا يأمن حين يتناوله من ان يقع في مزلق اجتماعي، او ان تلتهمه سورة عاطفية جارفة تتدخل فيها تنارات تجاربه الشعورية الخاصة، وقد توقعه لفتة هنا والتواءه هناك في هاوية سياسية او دينية. وما هذا الا لان موضوع المرأة لم يخرج بعد عن ان يكون موضوعاً اخلاقياً، وكل موضوع اخلاقي لابد ان يمس، من جهاته المختلفة، شتى نواحي الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في المجتمع الانساني. ولا شيء اصعب على الباحث من معالجة قضايا الاخلاق، لان كل فرد في المجتمع يعد نفسهُ، بمعزل عن ثقاقته، مصدر ثقة في هذه القضايا، ومن ثم يتحول الموضوع الى حقل العواطف وتنتقل قضايا الاخلاق الى حيز الشعور . ولعل ابرز دليل على هذا التحول الخطر ما نراه من ان القانون الذي يحكم القضايا النسائية يستمد كثيراً من موادهُ من العرف المحلي دونما نظر الى المنطق. والعرف لو دققنا قانون يتالف من تراكم العادات والعواطف عبر العصور في بيئة ما، وهو بهذه الصفة يخرج بالضرورة عن النطاق المفروض للقانون.

على ان المصاعب الاخلاقية ليست هي الوحيدة ، فثمة مصاعب اخرى تعترض السبيل، منها ان اغلبية النساء في هذه البلاد لم تصل الى مرتبة الوعي الثقافي الكامل الذي يتيح لها ان تدرك الواقع المرير الذي تتخبط فيه. والحق ان اللحظة التي يشعر فيها الانسان بانه مغبون هي لحظة حاسمة في طريق تطوره. على ان المرء لن يشعر بالظلم حتى يذوق بعض الحرية ، وفي قضايا الحرية يبقى الوسط نقطة قلقة لا سبيل الى ثياتها. فالمرء ينزع الى ان ينال حريته كاملة وكانه يقول: لا نصف حرية ابداً.. اما الحرية كلها او لا.

وثمة صعوبة اخرى تضعها في سبيل التطور طائفة من المتعلمات ذوات الكبرياء والحساسية. فنحن هنا ازاء حالة نستطيع ان نسميها "بالتغطية النفسية" وهي حالة شائعة مثالها تلك الفتاة التي تمنعها كبريائها من ان تعترف انها تسلك وفق خطة ابيها او اخيها. فتروح توحي الى نفسها بانها تتصرف وفق مباديء شخصية. وكثيراً ما راينا الحجا يصبح مبدأ تدعوا اليه فتاة تتهرب من مواجهة كبريائها المطعونة وكانها تقول: "ان كنا لا نستطيع تحقيق ما نرغب فيه، فلنرغب فيما نستطيع تحقيقه. " وهذه في نظرنا اخطر حالة تتعرض لها المرأة، فهي تفقدها قوة الكفاح وتطوي نفسها على جرح غائر.

        اما العراقيل التي بيثها الرجل المعاصر نفسه فهي فيما يبدو لنا تتبع اعتقاده ان تحرر المرأة سيسلبه جانباً من حريته هو،  ولعله يؤمن ايضاً ان قضية التحرر تهم النساء وحدهن لان فوائدها ستقتصر عليهن. فهو، ان لم يعارض، يتخذ موقفاً سلبياً. ولعله واضح ان هذه القضية بفرعيها تتضمن فصلاً قاطعاً لعالم الانسان يشطره الى شطرين،  نساء ورجال، ويجعل للحرية مدلولين، مدلولاً نسائياً وآخر رجالياً.  وقل فيننا من يلتفت الى ان عبودية المرأة لابد ان تقابلها عبودية مساوية في حالة الرجل ما دام الرجل والمرأة يعيشان متعاونين في بيئة واحدة. والحق انه ليس معقولاً ولا منطقياً ان يعيش هذان الكائنان معاً ثم يكون احدهما حراً تمام الحرية والآخر مستعبداً تمام الاستعباد. وهذا لأن عبودية هذه لابد ان تؤثر في حرية ذاك، ولا مفر من هذا.

 

 

وأول ما يهم هذا البحث ان يقرره ان تاريخ المرأة قد كان حتى هذه اللحظة تاريخاً سلبياً، ونحن لا نحتاج الى ان نذهب بعيداً لاثبات هذا ، فالادلة ترقد حولنا وتكاد تختلط بالهواء الذي تنتفسه . وليس من داع الى ان تلجأ الى النصوص القانونية وانما يكفي ان نلقي نظرة عابرة حولنا لنرى الى أي مدى بلغت استهانة الذهن العام بالمرأة. والواقعان تاريخ العبودية الانسانية لا يشتمل على صفحة اشد سواداً من هذه الصفحة فنحن هنا ازاء حرمان تام من كل حق من حقوق الحياة. وقد فقدت المرأة تدريجياً كل ما تملك قيمتها الانسانية. ويبدو هذا في اشياء تمر بنا في حياتنا اليومية دون ان نفطن الى دلالاتها البعيدة. من ذلك مثلاً الفرق في المرتبة بين صلة العمومة وصلة الخؤولة. فالمجتمع يجنح الى اعتبار العم اقرب الى الانسان من الخال، وفي هذا دلالة اكيدة على ان الاب يعتبر اهم من الام على الرغم من ان قيمتهما الوراثية متساوية تمام التساوي. ومن هذه المظاهر التي يمكن ان نستخلص منها استهانة المجتمع بالمرأة ان السيدة المتزوجة ما زالت تعتبر اهم من الفتاة الآنسة ، فهي تتمتع بمزايا كثيرة وتنال احترام الناس . افلا يدل هذا على ان قيمة المرأة في عرف المجتمع ليست بشخصيتها وثقافتها وسلوكها وانما تاتيها هبة من زوجها؟ وهذا ينزل بها الى مستوى السلبية ويقتل طموحها ، فاذا كانت الشخصية تكتسب بمجرد الزواج فلا عجب ان يصبح العمل الوحيد الذي تسعى اليه هذه المسكينة هو الزواج ، والمرأة وفق هذا الرأي العجيب ليست اكثر من مرآة تعكس مجد غيرها.

اما من الوجهة الاقتصادية فالرجل المعاصر عندما يشكو انه يعول المرأة انما يؤكد ضآلة قيمتها في نظره. لان هذه الشكوى تتضمن معنى غريباً، لو تأملنا، وهو أن عمل المرأة من ولادة وارضاع وتربية وخياطة وكنس وغسل وطبخ وكي وغير ذلك، يبدو للرجل وكأنه لا يستأهل قيمة أقتصادية تعادل قيمة عمله فو في المعمل والحانوت والبرلمان . وهو يتغافل عن ان هذا التوزيع في العمل لابد ان يستتبع توزيعاً في المال ـ فاذا كانت المرأة قد اخذت على عاتقها ان تقبع في المنزل وتنجز هذه الاعمال الشاقة بينما يخرج الرجل ليكتسب المال للأسرة ، فان هذا لابد ان يفترض حقاً مساوياً للمرأة في هذا المال الذي يكسبه الرجل، على الا يستتبع هذا مناً من الرجل من أي نوع، باعتبار ان المرأة لو أرادت ان تؤدي هذه الاعمال نفسها خارج منزلها لنالت عليها اجراً، هذا ما نسيه الرجل تمام النسيان حتى اصبح بحسب انه يتكرم بالمال على مخلوقات عاجزة لا عمل لها . وما يهمنا في هذا هو ان نستخلص الحقيقة الاخلاقية وهي ان عمل المرأة المعقد يبدو للرجل بلا قيمة. وهذا اعجب العجب.

وهناك جهة ثالثة نستطيع ان نستفيد منها في ادراك تفاهة المرأة في مجتمعنا تلك هي جهة اللغة العربية. فأن أبسط دراسة اجتماعية للألفاظ والقواعد تدلنا دلالة واضحة على ان هذه لغة قوم يستهينون بالمرأة. فالتقديم في النحو هو دائماً للمذكر على المؤنث. والتغليب يذهب في هذا مذهباً يحتم تغليب مذكر واحد على أي عدد من الاناث ولو بلغ الملايين. والضمائر المفردة تستعمل في سخاء للتعبير عن جماعة الاناث في بعض النصوص المشهورة. ومما يلفت النظر في اللغة كلمات مثل "الامية" ومعنا الجهل بالقراءة والكتابة، وقد نسبت الى الام. اما قولهم "شاعر فحل" فهو ينم عن قيمة الفحولة ويتضمن الاستهانة بالانوثة. والى هذه الاستهانة ترتكز كلمة "فحل" في قوتها. ونظن هذه الامثلة تكفي ونرجوا ان يتاح لنا التفرغ لافراد بحث حول هذا الموضوع في فرصة اخرى.

وهذه الاستهانة بقيمة المرأة وعملها قد استتبعت حرمانها من الملكية الخاصة. ولسنا نقصد ان نتحدث الآن في الملكية الاقتصادية، فلعلها قد حرمت من الملكية في جهات اخرى اهم.. هناك الوقت مثلاُ. فماذا تمتلك المرأة من هذه الثروة التي يبقى المفروض ابناء آدم يستوون في نصيبهم منها؟ لا شيء في الواقع. فلقد القيت على المرأة اعمال فادحة تستغرق العمر كله، بينما انصرف الرجل الى القراءة والبحث وللفن والتأمل العقلي والتخصص في العلوم او حتى الى العبادة المسرفة التي هي ايضاً مظهر من مظاهر الشخصية في أنسان مخير. والعجيب ان أغلب الناس يعتقدون ان أعمال المنزل أمر قضته الطبيعة على المرأة، وكأنها جهزتها بمؤهلات في هذه الجهة وجعلت في جسمها أعضاء خاصة تهيئها لاحسان الطبخ والخياطة وغسل الملابس ومسح البلاط. ونحن نسمعهم يتحدثون كثيراً عن عمل المرأة الطبيعي، ويدهشنا انهم يقصدون به هذه الاعمال التي ذكرناها، وكلها مما لا نتكر مواهب الرجال فيه، فكم فيهم من طباخ وخياط وكناس.

على ان الحرمان من المال والوقت اقل غرابة من حرمان آخر يصيب المرأة، ذلك هو حرمانها من ان تملك اسماً خاصاً كما يملك الرجل. فالمرأة – عند الغربيين لا عندنا – تتبع اباها في اسمه ما دامت آنسة ، ثم تفقد هذا الاسم عندما تتزوج وتلحق باسم زوجها. فاذا طلقها هذا الزوج لسبب من الاسباب عادت الى اسم ابيهاـ ثم يتاح لها زواجٍ ثانْ فيتغير اسمها رابع مرة. وهذا ان لم يكن محزناً فهو مضحك. وان من حق هذه المخلوقة ان يكون لها اسم ثابت فتتبع اسم ابيها كما يصنع الرجل. والاسم الثابت يشبه ان يكوون اعتزازاً من الانسان بشخصيته وماضيه وعمله، فلابد ان يكون الاصل في حرمان المرأة الغربية من الاسم حرمانها من حق بناءٍ ماضٍ تكسبه بالعمل الشريف. والحاق المرأة بأسم زوجها لو تأملناه تحقير لها، ولو ان رجلاً حمل اسم زوجته لاستهزأ الناس به واهانوه وانما خضع الملايين لهذا العرف لانهم لا يريدون ان يفكروا في اسباب الظواهر وانما يستسلمون بلا تدبر لكل ما هو شائع.

اما الحرمان من الاولاد الذين يحق للاب ان ينتزعهم فور بلوغهم سناُ يسيطيعون فيه الاستغناء عن حضانة الأم فهو في نظرنا أقسى انواع الحرمان واكثرها بعداً عن المنطق.

ولابد لنا ما دمنا نقرر بعض جوانب الغبن في حياة المرأة ان نشير الى الالزامات الاخلاقية التي قيدت بها دون الرجل. فمن دراسة عاداتنا الاجتماعية نستطيع ان نستخلص ان للأخلاق مدلولات نسائية خاصة تختلف عن مدلولاتها الرجالية. هناك مثلاً صفة الكرم التي ينبل بها الرجل ويرتفع ، فهي حين تصل الى المرأة تصبح خلة مذمومة. وانما المستحسن في عرفنا العربي ان يكون المرأة "بخيلة" ومن هذا قول الطغرائي في مدح جماعة:

        الجود والاقدام في فتيانهم                  والبخل في الفتيات والاشفاق

        وقد يكون الاصل في هذا الاعتبار ما أشرنا اليه من ان الرجل يعتبر المال ماله، وليس من حق المرأة ان تجود به. وهذا يعيدنا حيث كنا.

وهناك حالة ثانية يتضح فيها الفرق في الاعتبارات الاخلاقية بين المرأة والرجل. وهي حالة الحداد، فعندما يموت ميت تلزم ابنته واخته وامه بحداد صارم يتضمن ملازمة البيت ملازمة تامة ، ولبس ثياب سود كاملة ، بينما يترك اخو المتوفي وابنه وابوه احراراً فما ينتهي مجلس الحداد حتى يخرجوا بحثاً عن السلوان، وهم مخيرون حتى في ليس ربطة العنق السوداء. والمعنى في هذا التفريق واضح وهو قائم على اساس الغبن الذي اشرنا اليه. فالمقصود ان  تلازم المرأة منزلها أطول مدة ممكنة وان تقتصد في شراء الملابس حيث يكفي للحداد ثوب واحد اسود لا داع لتغييره.

 

اما الجهة الاخلاقية من حياة المرأة فهي تحتاج منا الى وقفة اطول، فالحرمان هنا لابد ان يكون الاصل في كل حرمان آخر انزل بها، وكأن هذه الجهة هي الجهة النظرية في الموضوع. وأساس الخطأ في الأمر ان القانون الاخلاقي النافذ في سلوك المرأة يفقد الشرط الأساسي في كل قانون أخلاقي، ذلك الشرط الذي يجعل من الممكن ان نحكم على انسان بالفضيلة وعلى آخر بالرذيلة. والحقيقة اننا نستطيع ان نجد بعد قليل من التأمل الصافي، انه لا معنى لاي قانون خلقي لا يقدم للمرء حرية الناس في اتباعه او مخالفته, ومن هذه الحرية وحدها تنبع اخلاق الناس ، وهي التي تجعل الخلق قابلاً لان نقضي عليه بالثواب او الادانة. وهذا يتضمن ان نقول انه لو احتوى كل قانون اخلاقي على وسائل للتنكيل بمن يخالفه لفقدت الاخلاق قيمتها واصبحت معنى قسرياً لا فضيلة فيه.

ولكي نوضح معنى رأينا هذا، نمثل بحالة انسان يصدق لان الكذب يعرضه لموت اكيد. فمثل هذا الانسان لا يمكن ان يعد صدوقاً لان صدقه كان ضرورة لا مفر منها. وتلك حالة يفقد فيها الصدق فضيلته. وانما يمتدح الصدق حين يكون المرء مخيراً تمام التخيير بين ان يكذب او ان يصدق دون ان تحتم عليه الضرورة حالة معينة. اذكر انني سمعت رجلاً يتحدث مرة في اشمئزاز عن اولئك الذين ياكلون السمك دون ان يتذكروا كيف تتلوى السمكة وهي تذبح على الشاطيء ، قائلاً ان هذه الصورة تجعله يمتنع عن اكل السمك. وقد صدف ان كانت للرجل اخت ساذجة فاندفعت وقالت له: "ولكنك لا تطيق لحم السمك. لقد كنت تكره رائحته منذ صغرك. " فما كاد يسمع هذه العبارة البسيطة حتى انزعج وانتهر اخته في محضر الضيوف. وليس السبب لو تاملنا الا ان هذه العبارة جعلت فضيلته تظهر بمظهر الضرورة. فما كادت تعلن انه يكره مذاق السمك حتى فقد فخره بالامتناع عن اكله ثواب الاختيار، وانتقل الى مرحلة الالزام.

والواقع اننا نستطيع ان نستخلص قانوناً صغيراً نصه انه كلما كان الخلق الانساني الزامياً قل ميل المجتمع الى اعتباره فضيلة. وكأن الفضيلة تصرخ بنا انها لا تستحق الامتداح الا اذا كان صاحبها مخيراً. فلا اخلاق مع القيود اطلاقاً. ولكن نستطيع ان نفترض وجود الخُلُق، لابد لنا ان نفترض اولاً حرية كاملة في السلوك وبالتالي فان من لم يستطع ارتكاب الشر لم يستطع ادعاء الخير.

لو نظرنا ، وفق هذا الرأي، الى حالة المرأة لانتهينا حتماً الى انها لم تصل بعد الى المرتبة التي تستطيع معها ان نطبق عليها قانوناً اخلاقياً من أي نوع. فهي اليوم مقيدة تقييداً يردها الى حالة من السلبية تجعلها مجردة من أي نوع من انواع الخلق, أو انها ممنوعة بالقوة من ان تكون لها اخلاق معينة تستطيع ان تحكم عليها ، انها ليست خيرة لان خيرها الزامي. وهي ليست شريرة لأن ما ترتكبه من شر ليس الا نتيجة لما سنسميه "استهواء القيد" ، ونقصد به ذلك الاغراء القوي الذي تملكه الممنوعات، ففي كل قيد استهواء خطر يدعوا الانسان المقيد الى ان يكسره ويخرج عليه. وليس لنوع القيد تاثير يذكر في موقف المقيد فكل قيد يستهوي حتى ان كان مفيداً واغلب الظن ان سبب الاستهواء في حالة التقييد الاخلاقي ان في كل تقييد اتهاماً ضمنياً بسوء الخلق يستدعي الضبط والمراقبة. وكأن كل قيد تهمة بامكانية الشر. ولعلنا قد لاحظنا جميعاً ان الابرياء الذين يتهمون بسوء الخلق ينتهون غالباً الى ان يسوء خلقهم . وتعليل هذا ان البراءة تتالم من الاتهام الى درجة تولد فيها ميلاً غامضاً الى تحقيق هذا الاتهام . ولعلنا انما نتمسك بالاخلاق لاننا نحس بعذوبة الشعور بالبراءة والنقاء. فماذا يحدث لنا حين نتهم زوراً بما لم نرتكب ؟ الارجح اننا نتعرض اذ ذاك الى ما حدث لتلك الفتاة التي اتهمت وهي طفلة بسرقة عقد ذهبي وعوقبت عقاباً قاسياً دون ان تستطيع اثبات براءتها. فلما كبرت وجدت نفسها منساقة الى السرقة على الرغم من انها لا تحتاج الى المسروقات. ولعلها كانت تفلسف موقفها في اعماق نفسها قائلة: "انهم يعتبرونني لصة على كل حال.. فمم اخاف؟ ولم لا اتمتع بالمسروقات على الاقل؟" وهذا منطق البراءة المظلومة.

على ان للتقييد ضرراُ آخر ينشأ عن ان الخلق المقيد محكوم عليه بالضرورة ان يفقد ثوابه النفسي ومن ثم غايته. فالتقييد يفقد الانسان لذة الشعور بالقدرة على الاختيار والسطوة على مصيره الاخلاقي، بينما يصحب الشعور بالحرية احساس يفيض من القوة يتدفق من اعماق النفس ويدفع بالانسان الى التخلق. ونحن نستطيع ان نصوغ قانوناً خلقياً مؤداه انه بمقدار الاحساس بالاختيار ، يكون الثواب النفسي على العمل. فهذا الاحساس هو المفتاح السحري للقضية. ومثال هذا ان نقارن بين حالة محسن يتطوع يمائة دينار للمحتاجين مدفوعاً بعطفه عليهم وحبه للخير ، وحالة رجل آخر وجد نفسه في حفلة خيرية تطوع فيها اصدقاؤه كل بمائة دينار فاضطر بدافع الخجل ان يشاركهم الاحسان. ففي حالة المحسن الاول ينتهي الامر الى السعادة والرضى النفسي، اما المحسن المضطر فيخرج ساخطاً ولعله يقسم الا يحضر حفلات خيرية في المستقبل. وهذه حالة لم يعد فيها المحسن فاضلاً ، وهي حالة المرأة التي يفقد خيرها حريته ويصبح اجبارياً. ولهذا يستحيل ان تحس المرأة بالمشاعر الكريمة التي يحس بها رجل فاضل لا يمنعه مانع من ان يكون شريراً وانما يجد في الخبر ملاذاً عذباً لنفسه الطيبة المتدفقة. وهكذا يصبح على المرأة ان تحتمل الخير دون ثواب نفسي، وهذا أشق ما يمكن.

 

هذا كله ينتهي بنا الى ادراك السبب في ان المرأة قد بقيت طيلة هذه العصور في حالة من السلبية الكاملة التي تجعل كل حكم اخلاقي عليها غير ممكن. فقد انتهى بها القسر والالزام الى ان تكون حياتها سلسلة طويلة من الامتناعات عن السلوك فلم تتصف باية اخلاق ايجابية. وقد ادى بها احتفاظها بطاقاتها النفسية الخصبة في أعماق نفسها الى ان تستعيض عن السلوك بقناع خارجي، المقصود به ان يكون درعاً واقياً يحمي هذه الاعماق المشلولة من ان تلوح كسيرة سلبية لا كيان لها. وعلى هذا القناع انصبت الاحكام الخلقية.

والحق ان اغلب الاحكام قد دأبت على تناول النتائج بمعزل عن الاسباب فدرست سلوك المرأة بمعزل عن الالزامات الفادحة التي تقيدها، وبحثت عن الاخلاق في حياة مخلوقة لا حرية لها من أي نوع، وتطلبت الشخصية حيث لا توجد ارادة ، والتمست حاضراً حيث لا يوجد ماضٍ ولا تأريخ. وهذا قد كان موقف طائفة كبيرة من الفلاسفة والادباء والمفكرين وهو موقف غير علمي تنقصه الرصانة والاتزان. فلا اخلاق من دون حرية كاملة في السلوك ، ولا شخصية من دون اخلاق رصينة تدرك ذاتها، ولا انتاج في أي حقل من دون شخصية كاملة العمق واسعة الجوانب، نفاذة، تشخص ما تريد. وهذا لان الحرية هي التي تنتج الأخلاق، والأخلاق هي التي تنتج الشخصية، والشخصية هي التي تنتج الفن والفكر والانسانية.

والحقيقة ان سلوك المرأة في مثل هذه الظروف لا يمكن ان يكون على ما نراه اليوم في الطبقات الجاهلة ، فهي لا تزيد على ان تكيف نفسها للحياة في مثل هذا المحيط القاسي الذي لا يحميها وانما يعاملها في قسوة شديدة . وفي ظل هذا الضغط المستهين اضطرت المرأة الى ان تتخلى عن فضائل الحرية جميعاً، لانها ادركت بفطرتها ان الخير الذي يهب نفسه ليس الا ترفاً يلذ للأحرار من الناس ، اما المستعبدون فان التخلق يسلبهم آخر ما يمكن ان يحلموا به من حق في الحياة. وهكذا اضطرت المرأة الى التخلي عن كثير من "الترف" الاخلاقي الذي يجمل الحياة ويمنحها الصخوبة والامتداد والعمق.

وقد كانت متعة الصداقة اول ما فقدت المرأة من هذه المظاهر الاخلاقية المترفة. فالمرأة لا تقدر اليوم على الصداقة . وقد افقدتها الالزامات الاخلاقية المتعسفة هذه المتعة الانسانية العذبة التي يزداد استمتاع الانسان بها كلما اتسع فهمه وتركزت شخصيته الاجتماعية وثقافته. ذلك ان الصداقة تقتضي قبل كل شيء "الحرية" في منح المودة. انها فيض في شخصية الانسان يجعله يطفح حتى يغمر انساناَ آخر. وهي في هذا كالكرم تماماً فكما ان الكريم يبذل ماله ارضاء لدافع لا يقاوم في اعماق نفسه، كذلك يبذل الانسان الكامل الشخصية الحب لصديق او اصدقاء. والمرأة تشعر انها لا تملك شيئاً تفيض به على الآخرين لانها لا تملك الحرية ولا الثقة بالنفس وهي بخيلة بالمودة ، شحيحة باللطف لان رصيدها من الشخصية ضيق ومحدود تعيش منه عيش الكفاف ، فماذا تستطيع ان تمنحه للاصدقاء؟ لا شيء . وهي في حالتها هذه اشبع ببركة ضحلة لا تستطيع ان تطفح . وان على اية بركة ان تكون نهراً عظيماً لكي تستطيع ان تغمر الوديان.

هذا الرأي يجعل الصداقة بذلاً نفسياً يستكمل به الانسان شخصيته ويتم شهوره بالحرية. والمرأة في ضعفها وقلة ملكيتها تحرص على القليل الذي تملكه حرص البخيل ، وهذا ايضاً سبب ما نراه فيها من بخل ملحوظ في كل جهة من جهات حياتها. فهي تخشى الانفاق وكأن فيه منبع خطر يتهدد مستقبلها وهذا موقف طبيعي يتخذه المستضعفون المسلوبو الحقوق عادة. انه رد فعل دفاعي تلتزمه عدم القدرة ازاء القوى المحيطة بها. ولو راجعنا التاريخ الانساني لوجدنا امثلة كثيرة لهذه الاساليب الدفاعية في الطوائف الصغيرة المضطهدة التي عاشت في بيئات قاسية فقلما انتهى الامر الى غير البخل والانانية والضعف والحقد والحسد وغير ذلك مما يشكو المفكرون وجوده في المرأة. وعلى هذا التحليل نستطيع ان نقول ان كل خلق انساني رديء ينشأ عن شعور بالوحدة وفقدان الحماية الاجتماعية، اللهم الا اذا كان سببه طمع متأصل في النفس وجشع وشراهة.

ولعل القدرة على الصداقة ليست اعظم ما فقدت المرأة طيلة عصور السلبية ، فمن بين المزايا التي خسرتها شيء آخر أهم هو الشخصية المتفردة، التي تتميز عن سواها بالفروق الفردية. ولقد بات فقدان المرأة لهذا التمييز الفردي امراً مشهراً يشكو منه المفكرون شكوى متصلة لا تخلو من الازدراء. ولعلنا قد سمعنا جميعاً بذلك الحكم المشهور "اني اعرف كثيرين ولكني لا اعرف الا امرأة واحدة". وهو نص على الفكرة الشائعة حول تشابه النساء وكونهن نسخاً متعددة من شخصية واحدة . ... وفق أي قانون نطلب من المرأة المستعبدة الجاهلة ان تملك آراء وأصالة وشخصية؟ والحق اننا اذا اطرحنا السلوك الخلقي من حياتنا الانسانية لم يبق منا الا ما هو متشابه فينا جميعاً من غرائز وعوامل طبيعية وصفات فطرية وغير ذلك مما تملكه المرأة كما يملكه الرجل.

وقد استتبع فقدان الشخصية مظاهر سلبية اخرى منها ضعف الشعور بالمسؤولية الأدبية خارج الحدود الفردية الضيقة. فما المسؤولية ، لو فكرنا، الا شعور بقوة فائضة تجعلنا نحس ان في طاقتنا ان نساعد الاخرين على ظروفهم ونحميهم. والمرأة هنا لا تشعر بهذه القوة لانها كانت دائماً محمية يكفيها أخوها وابوها شر الحيرة ومتاعب العزم والارادة ، فهما يقرران لها كل شيء. وقد مضى امرها على هذا قروناً حتى لم يعد في وسعها ان تبت في شيء واصبحت تشك في قدرتها.

واغلب الظن ان هذا العجز عن الشعور بالمسؤولية هو العامل الرئيسي في ان النساء يتكلمن بسرعة تفوق كلام الرجل، حتى دلت احصائية اميركية على ان عدد الكلمات التي ينطق بها رجل في دقيقة اقل من نصف عدد الكلمات التي تنطق بها امرأة. فالرجل يتكلم ببطء لانه يحتاج الى ان يزن كلماته قبل ان ينطق بها، وهو يدرك ان العبارات الطائشة قد تؤدي الى نكبات احياناً، ولذلك يسوقه احساسه بالمسؤولية الى التأني في الكلام. اما المرأة فتكاد الالفاظ تفقد في كلامها معانيها لانعدام شعورها بالمسؤولية. والحق انه كلما كان المضمون الذي يحاول الانسان نقله بالالفاظ الى الآخرين أعمق وأدق، زادت حاجته الى التأني في صياغة العبارات. ومعنى هذا ان للشخصية تأثيراً مباشراً في سرعة التكلم.

وسنكتفي بهذه الامثلة على الاثر العملي للتقييد في حياة المرأة. ونرجو ان نكون أوضحنا وجهة نظرنا حين نعتبر المرأة لم تبلغ بعد مرتبة يحق لنا فيها ان نصدر عليهاً احكاماً اخلاقية لا أخلاق يملكها من لا حرية له. وعلى هذا أفلم يحن لهذه الملايين من النساء ان تقف وتطلب الى المجتمع ان يمنحها الحق في تكوين اخلاقي.

 

بعد هذا الاستعراض السريع لمختلف المشاكل في موضوع المرأة يقوم امامنا سؤال خطير ينصب عليه اشد الاهتمام اليوم. السؤال عما ينبغي للمرأة ان تصنع الان ازاء هذه الحالة، أتقبع في منزلها وتنتظر حتى تتحول في بطء شديد من مرتبة السلبية الى مرحلة الاخلاق لتنزل بعد ذلك الى الحياة العامة؟ ام تبدأ بالعمل حالاً فتنال حق التمثيل البرلماني لتطالب بحقوقها بنفسها تمثلها نخبة من المثقفات ذوات الاستقلال الاقتصادي والعاطفي؟ وبذلك تضمن لنفسها انتقالاً أسرع الى المرتبة الفعالة؟ اننا نجنح الى الاخذ بالرأي الثاني لاسباب مختلفة أحدها ان حق التمثيل النيابي امرٌ لا علاقة له بالثقافة ، فان مليونين ونصفاً من نساء العراق يملكن الحق في ان يكون لهن صوت في مجلس يمثل شعباً ديمقراطياً. هذا فضلاً عن ان النزول الى ميدان الحياة سيكون فعالاً في مداواة السلبية التي قسرت عليها المرأة . وهي سلبية تنتقل عدواها بالضرورة الى الرجل ومن المؤكد ان كل امرأة مستعبدة في العراق يقابلها حتماً رجل مستعبد.

اما الاعتراضات التي يصيح بها المترددون من الناس فلعل اقواها الاحتجاج بان المرأة لا تملك مواهب عقلية لان التفكير يلوح وكأنه خاصة رجالية. ولسنا نريد ان نرد على هذا الاعتراض بتعداد الاسماء النسوية التي ظهرت في مختلف جوانب الفكر لان قليلاً من المنطق، وشيئاً من العلم بقوانين الوراثة يضع في أيدينا أدلة من نوعٍ اقوى. فليس من المنطق ان تكون المرأة مصدر الحياة الاول دون ان تملك مواهب وخصائص عقلية تورثها الاجيال التي تنجبها. وان من المستحيل ان نوفق بين خصائص الوراثة وهذا الحكم الجارف الذي لا يستند الى اساس علمي، فالطبيعة أحكم من ان تقصر القدرة على ايراث المواهب العقلية على الذكور حذراً من ان يجيء نصف المواليد الى هذه الحياة بلا مواهب عقلية. وهذا لان الاجنة تكتسب خصائصها العقلية والنفسية من كلا الابوين على غير تعيين. فلماذا يحدث لو أخطأ جنين ذكر فورث خصائص امه العقلية؟وكيف تسلك الطبيعة في حالة تصر فيها مولودة انثى على ان ترث خصائص ابيها؟ هذه حالة غير مقبولة لانها تترك الوراثة للمصادفات.

ومن الاعتراضات الشائعة شيوعاً عظيماً اليوم قولهم ان سعادة المجتمع تقتضي تقسيم العمل فيه، وقد فسم العمل وخصت المرأة باعمال المنزل بحيث اذا ارادت المرأة ان تخرج الى الحياة وتنال حقوقها تعرضت الاسرة الى الانهيار. وهذا الاعتراض الغريب يتغافل عن الغرض الاول الذي بنيت من اجله المجتمعات وينسى ما هو مفروض في المجتمع الصالح. فما هذا المجتمع؟ ولماذا اختار افراده ان يضحي كل منهم بجانب من حريته ليعيش فيه؟ الجواب هو انه انما قام لتهيئة الحد الاعلى الممكن الذي يكفل للافراد ان يعيشوا ملء حياتهم النفسية ، ويستغلوا اقصى ما ركبته الطبيعة في اعماقهم من مؤهلات روحية وعقلية.

وعلى هذا فما عذر مجتمع يضحي بنصف افراده بدعوى المحافظة على راحة النصف الثاني. انها حالة عجيبة لا يتقبلها علم الاجتماع من الوجهة النظرية. لان المعنى الكامن وراء هذه التضحية يدل على اننا قد خططنا المقاييس قبل وجود الانسان الذي نستمد منه هذه المقاييس ، وسننا الخطط للمجتمع دون ان نستند الى حاجاتنا وامكانياتنا. وهكذا وصلت المرأة متأخرة الى المجتمع، فيما يلوح، فلم يزد الدين سنوا القوانين على الانحناء في ادب جم قائلين: "يا سيدتي، يؤسفنا اننا قسمنا العمل قبل حضورك ، وقد خصصناك بالكنس والرش والطبخ والخياطة. وهذا مثل ان يقول الاسكافي لزبونه: "يا سيدي لقد صنعت لك الحذاء قبل ان اقيس قدميك " .

        اما الاعتراض بان الرجل نفسه لم ينجح في الحياة العامة ومن ثم فان هذا يستتبع الفرض بان المرأة لن تستطيع هي الاخرى ان تنجح، فهو فرض يتضمن الاعتقاد الشائع بان طاقة المرأة مشابهة لطاقة الرجل . وهذا ليس ثابتاً. فنحن اذا سلمنا بالفوارق الجنسية بين المرأة والرجل كان لابد لنا ان نتظر اختلافاً نوعياً بين مواهب الجنسين. ولا شك في ان التفكير النسوي سيكون وجهة نظر جديدة بالنسبة الى التفكير الانساني.

والحق اننا نستطيع القول ان مجال المرأة اشبة بمناطق في العقل البشري لم تكتشف بعد ولم تستغل. انها قارة كاملة جديدة لا نظن كشفاً آخر سيعادلها ، فلا شيء اروع ولا أوسع ولا اعمق من الطاقة التي ركبها الله في الانسان فليكن هذا الانسان قانوننا الاعظم الذي نقيس وفقه عدالة نظمنا وقوانينا.