كلكم قولوا يا قادر:  برلسكوني رح يغادر.

 

سبتمبر القادم، سيبدأ تطهير ارض العراق من دنس القوات الإيطالية . فقد أعلن رئيس الوزراء الإيطالي السيد برلسكوني الثلاثاء ان قوات بلاده ستبدأ بالانسحاب من العراق خلال ستة شهور. ولاحظ السيد برلسكوني ان عدد القوات التي سيتم سحبها مرتبط بقدرة الدولة العراقية الجديدة على ضبط الوضع الأمني المتدهور في البلاد.  أما أوكرانيا فلم تستخدم حتى هذه المجاملة بشأن المساعدة بضبط الوضع الأمني.  فسحبت 137 جندياً أوكرانيا هذا الأسبوع من اصل 1650 ترجوا  عودة آخر جندي منهم سالماً غير غانم قبل أكتوبر.   

من الدول الأخرى التي سحبت قواتها: هولندا، وكان لها 1400 جندي في العراق. وأسبانيا، التي سحبت 1300 جندي، وهندارس، وكان لها 370 جندياً، وتايلاند، وكان لها 423 جندياً. وغيرها.

خلال ما يقرب العامين ، غادر أكثر من مائة ألف جندي أجنبي العراق، يجرجرون أذيال الخيبة. ففي أبريل 2003، كان عدد جنود القوات المتحالفة في العراق 300 ألف جندي. واليوم تقلص العدد الى 172 ألفا ، حوالي 150 ألفا منهم من الجيش الأمريكي.

ترى، ما هي أسباب عصيان الدول الأوربية وغيرها لأوامر بوش وبلير، أسياد العالم الجديد، وسحب القوات من العراق؟ وهل يعقل ان دولاً استعمارية عريقة مثل هولندا وأسبانيا ترضى من الغنيمة بالإياب، بعد إرسال قواتها والمخاطرة بأرواح جنودها؟

وماذا حدث للكعكة العراقية التي كانت الفضائيات العبرية والتابعة تتحدث عنها؟

الواقع ان العراق ليس كعكة، ولكنه وردة لها أشواك مسمومة. من يريد قطفها لابد ان يتحمل المخاطرة بحياته.

والدول الأوربية، بقدر رغبتها في خدمة السيد بوش، تواجه رأياً عاماً يرفض إبقاء قواتها في بلاد لا تريدهم.

الكثير من الفضائح والفظائع أقنعت ثلثي الرأي العام الدولي بأن الحرب في العراق كانت فكرة خاطئة سقيمة. منها: فضيحة عدم وجود أسلحة الدمار الشامل في  العراق. مما دل على انه لم يكن يشكل ذلك الخطر الذي ادعته الإدارة الأمريكية.  ومن ثم ظهرت صور ابو غريب، ودلت عامة الناس على ان الولايات المتحدة لم تجلب للعراق حقوق إنسان. فما هو الفارق بين نظام صدام الذي عذب الناس في السجون، وبين النظام الأمريكي الجديد الذي يعذبهم كذلك؟  ومن ثم حلت ثالثة الأثافي حين سرت شائعات عن استخدام القوات الأمريكية أسلحة محرمة دولياً في تدمير الفلوجة، فتسائل الناس، وما هو الفارق بين تدمير صدام الأجرام لحلبجة، وتدمير جيوش بوش للفلوجة؟

وهكذا، حين خسرت الولايات المتحدة المعركة الأخلاقية ، واتضح ان النظام الذي تصنعه في العراق ليس سوى تكرار للنظام البعثي، شعر الناس ان الحرب عبثية. وذهب حديث بوش عن الديمقراطية المزعومة أدراج الرياح.

من الواضح كذلك ان المقاومة في العراق قامت بالكثير من الهجمات الناجحة التي لم يتحدث عنها أحد. الشخصية التي قد تكون مصطنعة، الزرقاوي، والذي لم يفعل سوى تشويه سمعة المقاومة العراقية، بقي في الواجهة. وفي الخفاء، حيث لا تجرأ كامرات "العبرية" و"التابعة" و"سي ان ان" على التواجد، كان الشباب العراقي يقوم بالكثير من العمليات البطولية التي ألحقت بالقوات الغازية الضربة الموجعة تلو الأخرى.

أمس قُتل جندي أمريكي في الانبار. وقتل جندي إيطالي كذلك. ولكن إيطاليا قالت انه أطلق النار على نفسه خطئاً في التمرين فأصاب رأسه بجرح مميت وتوفي. وهل يعقل ان يطلق إنسان النار على رأسه؟ اما ان يكون الإيطالي قد انتحر، أو، والمتوقع اكثر، انه توفي نتيجة عملية من عمليات المقاومة.

مثل هذه العمليات استمرت على مدار الساعة وفاق عددها المائة يومياً. مما يدل على التعتيم على أعداد قتلى القوات الأجنبية في العراق.

بعض عمليات الاختطاف (باستثناء ما تقوم به مجموعة الزرقاوي المشبوهة من قتل للرهائن) نتج عنها ان الشعوب شعرت بضرورة سحب قوات بلادها من العراق. فمواطن اي دولة يدخل البلاد قد يتعرض للاختطاف  ولا يتم الإفراج عنه الا حين تعلن الدولة المعنية سحب قواتها. ومن القصص الأكثر شهرة حكاية الأسير الفلبيني، السيد أنجلو دي لا كروس، وكان عمره 46 عاماً حين اختطفوه.

القصة بدأت في الرابع من يوليو 2004، حين هاجمت المقاومة عدة عربات نقل قادمة من السعودية، ووقع أنجلوا في الأسر. وانتقل به خمسة حراس مدججين بالسلاح من موقع لآخر خمس مرات خلال أسبوعين.

في لحظة رعب، صافحه أحد خاطفيه، وقال: "تشرفنا بمعرفتك يا سيدي، وأنت ضيفنا المكرم. ولكن لابد من قتلك."

وفي نهاية المطاف، وافقت الحكومة الفليبينية على سحب قواتها من العراق. وحينها "هوس" الخاطف، وأطلق الرصاص الى عنان السماء، وقال: "كتب الله لك عمراً جديداً يا أنجلو."

الكثير من دول العالم قررت مع الفليبين ان حياة مواطنيها اكثر أهمية من مجاملة بوش وبلير. وكانت إيطاليا آخر هذه الدول.

والطريف ان الحكومة الإيطالية رفضت الخضوع لشروط الخاطفين. بل وتم الإفراج عن الصحفية جوليانا سجرينا بدون اي تعهد بسحب الجنود. ومن ثم أطلقت القوات الأمريكية النار من حاجز على العربة التي أقلتها في طريقها الى المطار، وأردت السيد نيكولا كاليباري – الذي تفاوض في سبيل الإفراج عنها - قتيلاً - وجرحت الصحفية.

وبالطبع، لابد ان تتعلم القوات الأمريكية الدرس: فقتل مخبر إيطالي جريمة لا تغتفر، وسفك دماء آلاف العراقيين قضية فيها نظر!

وهل يتساوى الدم الإيطالي النبيل بدم العراقي مواطن العالم الثالث؟ وهكذا أعلنت إيطاليا توقيت البدء بسحب قواتها حتى يتعلم الأمريكي قيمة الحياة الإيطالية.

ونحن نحيي في نهاية المطاف المقاومة العراقية الشريفة التي أثبتت أن لشعوب الشرق قوة لا تدركها حكوماتها الضعيفة.  بل، وحين لم تقدر المقاومة على تحقيق أغراضها، تدخلت العناية الإلهية فأطلق الأمريكي النار على العربة، وأجبر برلسكوني على إعلان توقيت البدء بسحب قواته.  عساها تعود بخفي حنين.

وقد ظهرت الكثير من المقالات عن قوم لوط مؤخراً في مواقع تتناول الشأن العراقي في الشبكة. ونحن هنا نطالب بإخراج قوات الولايات المتحدة من شوارع مدننا لأن هذه الدولة قد طالبت في اكثر من محفل دولي بتسجيل حقوق اللوطي في دساتير دول العالم الثالث. والحق يقال: لا مكان في العراق لقوات أجبرت السجين العراقي على الوقوف مع باقي السجناء في أوضاع لوطية والتقطت صورهم لتذكر أيامها في بلاد الرافدين، لا مساحة لهؤلاء الغوغاء في شوارع مدن بلد العلم والحضارة والأخلاق، العراق الحبيب الذي سيتعافى من جراحه قريباً ان شاء الله، وهو على كل شيء قدير.

 

 

من المصادر:

 

Nations Leaving Iraq Amid Anti-War Gains

 

By WILLIAM J. KOLE, Associated Press Writer

Tue Mar 15,

 

 

 

عودة

 

albaraqmah@yahoo.com