هل فيروسات الإنترنت جزء من حرب استخبارية؟

 

أبدأ بقصة شخصية: فمنذ عام تقريباً، عرفت ان الكمبيوتر الخاص بي أصيب بفيروس. وقررت الا أقوم بالعلاج الناجع، وامسح كل ما على الكمبيوتر من ملفات، حتى أنجز الكتاب الذي كنت أسعى لاتمامه حينذاك.  ثم اكتشفت الحقيقة المرة.. فمن تسلل الى الكمبيوتر الخاص بي استغل بريدي الإلكتروني لإرسال رسائل مع فيروسات لشخصيات ومواقع عراقية.. عرفت ذلك من البريد المرتجع، الذي كانت شركة هوتميل تعيده أحيانا حين تكتشف الفيروسات. وكان يحوي أسماء أساتذة ودكاترة وشخصيات عراقية مرموقة ومواقع جديدة يفتحها أبناء الرافدين في الشبكة. أذهلتني رسالة مرتجعة من موقع عراقي لم يكن قد تم افتتاحه بعد.. فاذاً، هذا الشخص يعرف حتى عناوين المواقع قبل ان يتم افتتاحها؟؟  وراسلت أحد الأساتذة العراقيين، وكان ينتمي للحزب الأخضر، بعد ان وصلتني منه اكثر من رسالة مفخخة بالفيروس، أكد انه لم يكن على علم بانها قد أرسلت من بريده.. وقال: it must be a virus.

ومن ثم بدأ التساؤل المقلق: من هو بالضبط هذا الجاسوس الذي يتسلل على البريد الشخصي لي، ولا يقوم بإرسال البريد مع الفيروسات الا لمواقع وشخصيات عراقية احترمها؟

 تذكرت دروس سنوات القمع الصدامي، وفهمت:  فاليوم لا تزال أجهزة المخابرات تتنصت علينا.. ولكن عن طريق الفيروسات في الانترنت...

ومن نافل القول ان اكثر أنواع الفيروسات شيوعاً حالياً، يسموها "التجسسية" spyware. ومجرد كون اسم هذه الفيروسات يشمل كلمة جاسوس، spy، يدل على ان هذه الفيروسات صُنعت للتجسس.. واشتدت قوتها مع غزو العراق.. وكان من أهم واكثر ضحاياها أبناء بلاد الرافدين الذين دخلوا عالم الشبكة ، وتأقلموا معه بسرعة تفوق الكثير من الشعوب الأخرى. 

  قررت فوراً ان أتحمل الضرر وامسح كل الملفات للخلاص من شر الفايروس الذي ينتقل لغيري عن طريق رسائل يقوم آخر بإرسالها من صندوق البريد الخاص بي.. فلا أوافق على إلحاق الضرر بعراقي.. كفانا ما ألحقه صدام بنا.. تحملت المسئولية، وفقدت ملفات لا أزال أتمنى العثور على بعضها اليوم..

 

هناك حرب دموية تدور رحاها في بلاد الرافدين، وحرب تجسسية موازية تحدث في الانترنت، وهو مصدر أساسي للمعلومات يصعب على اي دولة او مؤسسة التحكم به.

 

أتذكر خلال الغزو الأمريكي للعراق وقوع اكثر من معركة بين المخابرات العراقية والأمريكية في مجال الفيروسات، والحرب الإلكترونية.

 في وقت ما، نجحت المخابرات الأمريكية في اختراق نظام الدفاع العراقي، ووصلت الى عناوين البريد الإلكتروني لقيادات الدولة المقبورة، فأرسلت لهم رسائل مطالبة إياهم بالتخلي عن صدام حسين، والاستعداد للانقلاب عليه والتخلص منه.. ومن ثم اضطرت الدولة العراقية لمنع جميع أنواع البريد الإلكتروني من دخول البلاد للخلاص من هذه الرسائل حينذاك.. وهذا كان من الأخبار التي قدمتها الجزيرة (قبل بداية الحرب ببضعة أسابيع).

 

ومن المعروف ان موقع الجزيرة ذاته في الإنترنت توقف لبضعة أيام خلال الحرب، بسبب هجوم فيروس، حدث بعد ان نشرت المحطة صور الأسرى من الجنود الأمريكان في الحرب على العراق.

 

قبل بداية الحرب، تفاخر أحدهم بأنه استطاع التسلل للبريد الشخصي للرئيس العراقي المخلوع. والواقع ان موقع الدولة العراقية المقبورة شمل إمكانية إرسال رسالة إلكترونية للرئيس.. وكل المطلوب كان إرسال رسالة معها فيروس، وان يفتح أحدهم النص المضاف، attachment، فيبدأ الفايروس بإرسال المعلومات من الكمبيوتر المصاب تحوي الكلمات السرية للأيميل.

 وأجرت محطة فوكس حينذاك لقائاً متلفزاً مع الجاسوس الذي وصل لصندوق البريد الخاص بصدام، وقال: البعض لا يكتبون سوى السب للرئيس الذي يكرهوه، ولكن هناك شركات تعرض خدماتها لمواجهة أمريكا، والبعض يريدون المجيء طلباً للشهادة في مواجهة أمريكا..

وكل هذه الرسائل وصلت الى المخابرات الأمريكية حين دخلت الى البريد الإلكتروني للرئيس العراقي المخلوع .. ومن ثم نشرتها في محطة فوكس.. ربما لاذلاله، وإظهار ضعف حيلته في مواجهة التقنية الأمريكية أمام الرأي العام العراقي..

 

ومن الطريف في هذا الشأن ان صاحب شركة أمريكية رفع قضية على السي آي اية، لانه صنع برنامج تجسس، واستولت عليه المخابرات الأمريكية، ولم تعطي للرجل ثمنه.. وقال الرجل، في لقاء مع محطة فوكس ذاتها، ان المخابرات الأمريكية باعت البرنامج.. وان من اشتراه ب 15 مليون دولار (من السوق الروسية) كان اسامة بن لادن.. الذي استخدمه في اختراق الأجهزة الأمريكية والتخطيط لأحداث ال 11 من سبتمبر..

 

وهذه بعض القصص التي توضح ان عمليات التجسس الإلكتروني لا يقوم بها مجموعة مراهقين يسمونهم "هاكرز" – اللص الإلكتروني.. بل مؤسسات ودول تنفق ملايين الدولارات لدراسة برامج الكمبيوتر ومعرفة نقاط ضعف كل منها واستغلالها..  لم يعد الجاسوس في عصرنا كما كان في زمن جيمس بوند، يسافر بجواز سفر مزور الى الاتحاد السوفيتي، ويستعد لمواجهة المخاطر وهو يسعى للتسلل الى  مكتبة الكرملين.. بل تراه اليوم يجلس في المكتب، ويرسل الفيروسات الى مواقع المعلومات.. حتى يصل لما يريده من أسرار.

 

اما أهم دليل على الدور التجسسي للفيروسات، فهو الفيروس المسمى "تروجان" او حصان طروادة.. وكما هو معلوم، فحصان طروادة استخدمه أعداء هذه المدينة الإغريقية .. لاحتلالها. ما فعلوه هو إخفاء الجنود داخل الحصان الضخم.. الذي نقله أبناء المدينة المحاصرة الى داخلها، معتبريه رمزاً للنصر. ولكن، وبعد ان ناموا في المساء، خرجت القوات العدوة من داخل الحصان، وفتحت الأبواب. وتم احتلال المدينة.

وفايروس طروادة يفعل ذات الشيء.. فهو يتسلل الى الكمبيوتر الشخصي للمستخدم (غالباً عن طريق رسائل مرفقة مع البريد الإلكتروني، وأحيانا من صفحات مصابة في الشبكة، وطوراً عن طريق سوفتوير ملوث).. ويفتح باباً خلفياً خفياً يسمح لطرف آخر بمراقبته.. كما يرسل له كلمات العبور الخاصة بالبريد الإلكتروني للضحية.. وأرقام بطاقات الائتمان، وغيرها.

 

شخصياً، لا أتعجب من تعرض أي موقع عربي او إسلامي او عراقي لعملية تجسس حالياً، بل استغرب لو لم يحدث هذا.. وليس لدي ادنى شك في ان جميع المواقع العراقية مراقبة بشكل دائم. وكل من يخاطر ويكتب بريده الإلكتروني اسفل المقالة، قد يكون ضحية هجوم في اي لحظة.

وقد وافق الكونجرس الأمريكي العام الماضي على قانون يمنع اي شخص من التجسس على كمبيوتر شخص آخر.. وان كنا نقول هنا ان: حاميها هو حراميها... وان ما يمنعه الدستور الأمريكي في بلادهم يقومون به في بلادنا..

 وان كان البعض يعتقدون ان هذه العمليات تقوم بها عصابات لتسرق من الناس أرقام بطاقات الائتمان، فذلك ممكن.. ولكن المتوقع هو ان من يقوم بهذه العمليات أجهزة استخبارية عالمية.. فكيف تقدر عصابات بسيطة على الوصول لهذه التقنيات المتقدمة؟ اللهم الا اذا سربتها أجهزة المخابرات لهم..

وهي في نهاية المطاف قضية معقدة وصعبة.. ولا نفعل سوى ملامسة سطحها ونترك الأعماق لمن درس موضوع الكمبيوتر وتخصص فيه..

 

عودة