الفصل العاشر : حول
شخصية الرئيس العراقي المخلوع، ووضعه في العهد الجديد..
يحوي هذا القسم من
الكتاب دراسة طويلة عن شخصية الرئيس العراقي السابق، تليها بعض المقالات عن وضعه
القانوني.
بعض المقالات، مثل
تلك التي تتناول السيد الجلبي تتعلق بالموضوع نظراً لان
الاخير كان المدير المسئول عن المحاكمة قبل توجيه
الاتهامات له وتنحيته من الوظيفة. كما ان المقالة
المتعلقة بالسيد طارق عزيز توضح ان الدولة الجديدة يمكن
اتهامها ببعض التهم الموجهة الى صدام..
1)
ملاحظات حول
التحليل النفسي للرئيس العراقي المخلوع:
صدام حسين، وأمراض النرجسية.
رمزية صورة الرئيس
منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى أبريل عام 2003 ،
شاهد الشعب العراقي صور رئيسه المخلوع في كل مكان. تطلع لها التلاميذ كل صباح، وهي
تتصدر الصفحة الأولى من كتبهم المدرسية. ورآها التجار على ورق النقد. وشاهدها
الشعب في التلفاز يومياً، وسمعوا المغنيين يتغنون بمجدها صباح مساء. رأى الناس
تماثيله ولوحات ضخمة له في غالبية ساحات العاصمة، ومداخل المدن.
وقد استطاع المواطن العراقي اختيار الصورة التي يحبذ
للرئيس. فهناك صوره وهو يرتدي ثياب الفلاحين، وهو يعمل في المصنع، وهو يصلي، او يطلق الرصاص الى السماء،
مرتدياً القبعة. حتى ان البعض سخر من هذا الجنون الجديد
في بلاد الرافدين. ومن النكت المعروفة ان سئل أحد
المخبرين تاجراً، "لماذا لا تعلق صورة الرئيس على حائط المتجر؟" فاجابه: "لا داعي لتعليق الصورة، فالرئيس صورته معلقة في
قلوبنا".. وهذا القول يعني ان صورة الرئيس بالفعل
قد وُشمت في أذهان الناس.
ولي هنا شهادة شخصية: ففي أواسط عام 2002، بقينا لبضعة
شهور ننتظر جوازات سفر جديدة بعد ان ألغت الدولة وثائق
السفر القديمة. وقد اضطر الكثير من العراقيين المغتربين لتأجيل أسفار ضرورية للعمل
والعلاج حتى وصول الجواز الجديد، وفوجئنا بان الفرق الأساسي بين الجوازين هو ان الأحدث يحمل صورة مائية تظهر وتختفي حسب انعكاس النور
عليها للرئيس المخلوع. اعتقدت ان الرجل يظن ان المغتربين، وجلهم
ممن فر من البلاد، يودون رؤية صوره على جوازات سفرهم، لدرجة تحمل أزمة حقيقية
تجبرهم على تأخير أسفارهم وأعمالهم حتى تصل وثيقة السفر الجديدة محتوية على
الصورة!
وقد آمن الرئيس صدام بالفعل بان صورته رمز وطني مجسد.
فكما يحترم المواطن العلم الذي يرمز للوطن، يجدر به احترام صورة الرئيس كذلك. وجود
الصورة معلقة على حائط المنزل يعني أن أصحابه يحبون من يجدر بهم ان يحبوه، وانهم مخلصون للوطن. العالم العراقي قدير حمزة
يتذكر غضب صدام عليه حين زاره في المختبر، وشاهد صور العلماء التي علقها على
الحائط، من كوبرنيكوس إلى آينشتاين.
سئل الرئيس العالم: "ومن أين أتيت بهذه الصور؟" أجابه: "من
المجلات." فزجره غاضباً: "وكيف تضع صور هؤلاء العظماء بدون أطر؟ ان ما تفعله إهانة لهم." غضب الرئيس بالفعل حين شاهد صور العلماء غير مؤطرة.[i]
وكأن طريقة الفرد في التعامل مع الصورة ترمز لطباعه السلبية والإيجابية. ومن
المؤكد – حسب
هذا المنطق – ان الرئيس صدام أعتبر من لا يضع صورته على حائط المنزل
مخالفاً للنظام بشكل ما. الهدف من وضع
الصورة على جواز السفر كان تذكير المغتربين بانتمائهم الوطني ـ خاصة حين كانت
البلاد تتوقع الغزو الخارجي في أي ساعة.
ومن الطريف انه، بعد سقوط بغداد، ورضوخ العراق
للاحتلال، اصدر الرئيس المخلوع شريطه
الأول، يحادث فيه الشعب العراقي، ليشتكي ان الأمريكان
يقومون بإجبار الناس على التخلص من صوره المعلقة في جدران بيوتهم. وهكذا، حين
احتُل الوطن، ورضخت العاصمة تقريباً بلا مقاومة لنير الاحتلال، بقي الرئيس صدام
مهموماً بما سيحل بصوره، التي تحول مصيرها الآن إلى هم يؤرق صاحبه.
تعلق الرئيس العراقي بصوره يذكرنا بأسطورة نرجس الاغريقية، التي ذكرها اوفد (43
قبل الميلاد- 16 ميلادية) في كتابه الشعري
المعروف : التحول (Metamorphoses) وعلق عليها الكثير من اشهر النقاد الغربيين، مثل سغموند فرويد وجاك لاكان وجوليا كرستفيا:
فنرجس كان فتى إغريقي أحبته النسوة بسبب جماله، ولكنه لم يقنع بأي منهن. تحدث فقط
مع جنية اسمها صدى، لا تستطيع سوى ان تكرر الكلمات التي
يقولها لها. وذات يوم شاهد نرجس صورته المعكوسة في الماء، فتعلق بها. وبقي يتطلع
لها مسحوراً، "إذ توهم وجود مادة في ما هو في الحقيقة سراب". يستطرد اوفد في وصف نرجس: "هو يريد ما لا يوجد.. رؤاه خيال
وانعكاس. لا يدرك انه، لو استطاع الفرار، فستذهب معه الصورة التي يحبها."
يحاول نرجس تقبيل الصورة، فتلمس شفته الماء. ويفهم شيئاً فشيء انه مسحور بمظهر لا
وجود مادي له. ولكنه يبقى في مكانه، جامداً، غير قادر على الابتعاد، ويذوي شيئاً
فشيء حتى يموت.[ii]
والأسطورة تحذر المرء من التعلق بالصور اكثر من اللازم، وتوضح ان
الغرور المفرط يعوق المرء عن التعامل السليم مع الآخرين الضروري للنجاح في الحياة
الدنيا. يسمي اوفد النرجسية "الجنون الجديد."
وقد شرح العالم النفسي الفرنسي المعروف، جاك لاكان، في صفحات قيمة رؤية
النرجسي للذات وكيفية تعامله مع الآخرين. وهو يتحدث عن مرحلة يرى فيها الطفل صورته
في المرآة ويدرك ان هذا الذي يراه ليس سوى ذاته، الانا، فيتوهم انه قادر على الاعتماد على النفس بدون أي
احتياج للآخرين. يقول لاكان عن هذه اللحظة أنها: تحول
الشخص من "أدراك الشعور بالنقص إلى التوقع صانعة لصاحبها، وهو ساقط في وهم
التوحد بالصورة،" رؤية للذات يمكن اعتبارها "درعاً حديدياً لحماية هوية
جامدة."[iii] ولاكان يلاحظ هنا الكثير من الصفات التي تميز هذه الشخصية
لاحقاً: مثل الرغبة في ان يكون الفرد الافضل، والمثالية المفرطة، والعدوانية الخفية في أي علاقة،
لدرجة ان الارتباط مع الآخرين يكون من خلال تقديم العون
لهم في حالة الاحتياج، حتى يتم تأكيد سمو الذات على من حولها.
وقد قدم البعض دراسات نفسية
عن شخصية صدام حسين، ولكنها كتبت بعين السخط والكراهية. يلاحظ د. عادل صادق، أستاذ
الطب النفسي في جامعة عين شمس المصرية: "ان صدام
حسين يؤمن بمعتقدات راسخة تتعلق بدوره التاريخي ويصل الأمر إلى حد الاعتقاد الخاطئ
بأنه جاء برسالة للبشرية." وهو يعتبر
هذه الأفكار من أعراض مرض الشك الوسواسي - البارانويا. يذكر السيد وجيه ابو
ذكرى ان طبيب الرئيس الخاص د. اسماعيل
تتار، اعلن للرئيس انه مصاب
بازدواج الشخصية، "ولم يتردد سفاح بغداد لحظة واحدة في إطلاق الرصاص عليه،
فصرعه، وهو اقرب أصدقائه."[iv]
ونحن هنا نلاحظ التلفيق الواضح في هذه القصص وهذا النوع من التحليل الذي يستغل علم
النفس للتهجم على الشخصيات التي تعادي فكر الدولة التي ينتمي الكاتب لها. فأعراض
الرئيس المخلوع الرئيسية التي لاحظناها، ويعرفها الجميع، مثل التعلق المريض
بالصورة، والكبرياء، والعنف، ليست من طبيعة المرضى بازدواج الشخصية. مزدوج الشخصية
يستمع عادة لأصوات، ويرى خيالات، ومثل هذه الأعراض لا تبدو البتة على الرئيس
العراقي.
وقد قدم السيد سعد البزاز نظرية أخرى شاعت تؤكد ان
بين العراقيين طبقة فلاحين ينتمون إلى العشائر يعيشون في القرى نقلوا "علاقات
السطو المباحة في المتخلف من قراهم"، "وغياب المثل العليا"
و"استسهال اللجوء إلى العنف" وغيرها من ظواهر عرفها عراق الثمانينات
والتسعينات إلى عاصمة الدولة ومؤسساتها.[v]
والنظرية هي تحوير لفكرة عرفها أطفال العراق وكرروها، وهي ان
"الشراقوة" الذين أتوا من الأرياف وسكنوا
العاصمة، اقل تحضراً من سكانها. وذات النظرية نراها في سخرية المجتمع القاهري من
سذاجة الريفي الذي يأتي إلى المدينة، وان كانت السخرية المصرية اقرب للواقع:
فالريفي هو الذي يتعرض للسرقة في المدينة، بدلاً من ان
ينهبها كما يدعي السيد البزاز. والواقع ان المجتمع العراقي كان طوال القرون الماضية مجتمعاً زراعياً،
وان اتهام الفلاحين بالتخلف يمكن الرد عليه بالتذكير ان
رؤساء دولة تقدمت نسبياً مثل مصر أتوا جميعاً كذلك من مناطق فلاحية.
ولا اعتقد ان الفلاح العراقي يتعامل حسب نظام
"السطو المباح في القرى"، أو ان الفلاحين
يفتقدون للمثل العليا. قيم الفلاح مثل العمل الدؤوب في الحقل ومتابعة الزرع حتى
وقت الحصاد، والاقتصاد في استخدام المال منذ وقت الحصاد حتى الحصاد اللاحق،
ومحاولة التهرب من دفع الضرائب المبالغ فيها لموظفي الدولة او
الإقطاعي سابقا، من صفات الشعب العراقي الأساسية.
النظرية التي أقدمها هنا واعتبرها الأكثر واقعية هي ان شخصية الرئيس صدام كانت مصابة بالنرجسية المفرطة التي يدل
عليها اهتمام الرئيس العراقي بصوره وكرمه في العطاء لمن مدحوه، وهو ما لم يفعله
زعيم أي دولة أخرى في النصف الأخير من القرن العشرين. تبقى الصورة على جواز السفر
حتى الساعة للتأكيد على ان الرئيس صدام تفوق على الجميع
في هذا المجال. المثال الوحيد الذي يمكن مقارنته بما حدث في العراق هو الحضارة
الفرعونية البائدة التي تبقى بعض تماثيل
وصور حكامها – وجثثهم
المحنطة – حتى الساعة في المتاحف.
وليس هناك من سيشك في ان
وضع الفرد على قمة السلطة في دولة يتميز حكمها بالاستبدادية قد يؤدي به للنكوص
لمرحلة النرجسية. في فقرة مهمة في كتاب د. حنا بطاطو
المرجعي العراق، يتحدث عن الرئيس
قاسم، وسقوطه في فك الغرور. يقول حنا ان الرئيس عبد
الكريم قاسم لفترة طويلة تمتع بصورة "الإنسان المتواضع والمخلص والمجد الدؤوب
على العمل." يستطرد المؤلف قائلاً:
ومما
يعكس شخصية قاسم في هذه المرحلة ملاحظته التي أدلى بها في أحد أيام شهر تشرين
الثاني (نوفمبر) 1958 إلى محمد حديد، وزيره للمالية. فعند خروجه من مؤتمر للمحامين
عقد في فندق بغداد، حيث كيل له المديح بكل اللهجات الممكنة، التفت إلى حديد
قائلاً: "أبو هيثم، أخشى فعلاً ان يصيبني
الغرور."[vi]
من المؤكد ان النفاق والمجاملات الزائدة عن
الحد قد تدفع بأي رجل لشيء من الغرور. وقد لاحظ السيد هاشم جواد، وزير خارجية قاسم
من 1959 – 1963،
صورة مشابهة:
في البداية، كان يسهل الوصول إلى قاسم، وكان
مفتوح الذهن شديد التوق إلى التعلم.. ولكن الأحداث وضعت
المزيد والمزيد من السلطات في يديه. وما زلت أذكر كيف انه، في الأشهر التي تلت
انقلاب موصل الفاشل عندما عمت الفوضى الجهاز الاداري،
لم يعد الوزراء يتخذون أية مبادرة من دون الرجوع اليه… وهكذا فان قاسم الذي لم يكن له رأي ولا مبادرة الذي
عرفته في العام 1958 بدأ يتذوق لذة كونه الرجل الوحيد في البلد. وبكلمات أخرى: لقد
صنعنا دكتاتوراً.. ان شعبنا في الحقيقة صانع
للدكتاتوريين." (147)
ليس في هذه الأقوال ما هو غريب البتة. فحين يكال المدح لأي شخص لسبب او آخر، يتم تأكيد هويته الخاصة، رؤيته للذات شاملة كيفية
تعامله مع الآخرين. تبجيل الشعب العراقي – خاصة الشعراء - للحاكم، والمجاملات المبالغ فيها من
قبل الناس العاديين من سكان المدن والأرياف على حد سواء، ستخلق في نفس متلقيها
نوعاً من الكبرياء غير الواقعية. ومع ذلك، فقصة الرئيس صدام مع النرجسية والغرور،
التي نتناولها في الصفحات اللاحقة بشيء من التفصيل، توضح ان
اللوم لا يقع على مجاملات العراقيين البريئة فحسب، بل على الجمود العقائدي للرئيس: إذ قتل أحيانا من انتقده، او خالفه الرأي. وكأنه اعتبر شخصه رمزاً للوطن واحترام رأيه
جزءاً من هيبة الدولة.
ومن المعروف ان الحكومة
العراقية أصدرت قانون "840و" سنة 1982الذي يجيز إعدام كل من "يتهجم على" (أي
ينتقد) رئيس الجمهورية.[vii]
والواقع ان الرئيس العراقي
كان دوماً من المغرمين بالإطراء وكلمات المديح. ومن منا لا يحب هذا السم؟ ومن
المعروف ان الكثير جداً من قصائد المدح التي وجهت له كوفئت
بالسيارات والمال، والمنازل. السيد جليل
العطية، في كتابه القيم، فندق السعادة، يتحدث في صفحة 84 عن شخص يرمز له ب:
ج، وهو نحات معروف نُقل إلى السفارة العراقية في باريس، وأنفقت عليه الدولة الكثير
لخمسة أعوام، في سبيل ان يصنع تمثالاً للرئيس.
وقد ذكر الشاعر العراقي المعروف بلند
الحيدري ان أخوه صفاء – رحمه الله – عانى من أمراض السكر وضغط الدم، وساعدته الدولة في
الحصول على العلاج، ولكن مقابل ديوان قصائد بطل القادسية.[viii]
وقد حدث ذات يوم في عام 1988 ان
استُدعي السيد سعد البزاز، الذي عمل في إدارة محطة
بغداد التلفزيونية، لمقابلة الرئيس..
وفوجئ به يسأله: "لماذا لا تسمح للناس بمدحي؟" والواقع ان البزاز كان قد اتخذ القرار
بالسماح بإذاعة القصائد الجيدة، ورفض الشعر الركيك الذي يعاني من الكثير من أخطاء
اللغة، في مدح الرئيس. ولكنه عاتبه على ذلك، متسائلاً: "ومن جعلك حكماً على
مستوى الشعر؟". وبالطبع، عاد تلفزيون بغداد لإذاعة قصائد المدح، بغض النظر عن
مستواها اللغوي.[ix]
وقد ظهر الكثير من الأدب الرديء الذي مجد صدام، وجعله
رمزاً للشجاعة، والقوة، والعراق، والإلهية.. يقول السيد عبد الرزاق عبد الواحد:
من بين أسمائه
يا عراق
وننادي صدامُ
باسمك
الله![x]
وهذا أدب عاد بالشعر العربي إلى عصر مدح الحاكم، ذلك العصر الذي حاول
شعراء العراق خلال الخمسينات والستينات، مثل نازك
الملائكة وبدر السياب، الخروج منه. تقول نازك في هذا الشأن: "كانت القصيدة تنظم لتعبر عن غرض المدح
او الهجاء فجاء الشاعر المعاصر وخرج عن هذه الأغراض
الميتة المستهلكة، واتخذ الحياة كلها غرضاً."[xi]
وعلى كل حال، فقد كسب شعراء المديح الكثير حين احيوا "الأغراض الميتة
المستهلكة" هذه المرة، تماماً كما حدث سابقا في عصور الأمويين والعباسيين،
وغيرها. وان أمكن التمييز هنا بين الحضارات الإسلامية القديمة التي اعتمدت على
الشاعر للدفاع عن سياساتها، وتجنبت الرسم. ولهذا السبب يندر ان
نجد صوراً لخلفاء بين أمية وبني العباس. الرئيس العراقي –
مثل ملوك الفراعنة – اهتم
بالصور والتماثيل بقدر اهتمامه بالقصائد التي تمجده.
وبعد ان تكرر التحدث عن
شجاعة الرئيس صدام، وقدراته الخارقة، وقصص بطولاته، وغيرها، في قصيدة تلو اخرى، تحول الرجل فعلاً حتى في خيال ألد أعدائه إلى بطل شجاع.
والتساؤل هنا هو: الا يمكن ان
يكون الرجل ذاته قد سقط صريع هذه الصورة المثالية التي صنعها؟ هل يمكن الا يكون بعد ان استمع لكل هذه
الأقوال قد توهم بالفعل انه الأفضل، الأقرب إلى السماء؟
وهكذا ترمز قصيدة المدح،
وصورة الرئيس، لنظام كامل يتميز بضرورة رسم القائد كرمز عظيم يفوق الإنسانية،
ويعلو فوق المواطن العادي. وربما كانت نرجسية الرئيس العراقي – التي تجسدها الصور وقصائد المدح– ضرورية حتى يشعر العراقيين بأنهم شعب واحد يجتمع
حول هذا الرمز السامي الذي تصير معارضته – حسب ذات المنطق – خيانة للوطن. ومن الواضح ان
حكم دولة كالعراق لن يكون سهلاً، نظراً لتعدد الأعراق والطوائف فيه. وقد كتب الملك
فيصل قبيل وفاته مذكرة سرية قال فيها:
ليس
هناك شعب عراقي حتى الآن، وإنني أقول هذا والأسف يقطع نياط قلبي، ولكن يوجد به
جماهير غفيرة من الناس، وكلهم قد خلت قلوبهم من أي شعور وطني ولكن صدورهم ملأى بالتقاليد الدينية والخرافات، ولا تربطهم أية رابطة
بعضهم ببعض، وهم يصغون إلى الشر، ويندفعون إلى الفوضى، ويتذمرون ضد كل حكومة مهما
كانت. ونحن نريد ان نصوغ من هذه الجماهير شعباً نقوم
بتدريبه وتعليمه وصقله، وإنه والحالة هذه فإن الجهود المطلوبة لتحقيق الهدف لا
يمكن تخيلها.[xii]
الأيمان بشجاعة
الرئيس صدام وحكمته لن يكون اكثر سوءاً من "الخرافات" التي صدقها الناس.
بل وربما اعتقد الرئيس ان صورته ستكون عاملاً مشتركاً
يوحد هذه "الجماهير الغفيرة من الناس،" ويقلص من "تذمرها."
ولذلك ود مشاهدتها في كل بيت. صورة القائد تصبح جزءاً من "الجهود المطلوبة
لتحقيق الهدف" وهو صناعة شعب متحد متجانس في اتفاقه على تبجيل رمز بعينه.
النرجسية دوماً تجد تبريراً لوجودها.
ولأن هذه الصور كانت رمزاً لنظام، لا ظاهرة فردية
فحسب، اهتم الأمريكي كثيراً بتدميرها أمام شاشات التلفاز. وكان مشهد النهاية هو
لحظة سقوط التمثال الضخم للرئيس المخلوع في قلب بغداد. وتم إحراق وكسر الكثير جداً
من الصور والتماثيل للرجل. وشاهدنا الناس يضربونها بأحذيتهم.. لأن الصور فُرضت على
الناس، صارت لاحقاً الهدف الذي يُضرب بعد ان كانت رمزاً
للانتماء وعزة الوطن في يوم مضى.
وفي هذه القصة عبرة. فمن الأفضل ان
يكون الرئيس بعيداً عن الصور في الميادين العامة، لان ذلك أولا يعكس شيئاً من
التواضع الضروري لنجاح الحكم. فالغرور، وحب الاستعراض، من عيوب الحاكم، وعلماء
النفس يعتبرون النرجسية مرضاً. ولكن، كذلك، من الضروري ان
يتذكر الحاكم ان دوام الحال من المحال، وانه قد يتعرض
للإهانة عن طريق سوء معاملة صوره ان تغيرت الأوضاع
السياسية. فالناس يملون من رؤية صور الفرد ذاته كل يوم، وهم يشاهدون في التلفاز
صور حكام الدول المتقدمة، مثل بيل كلنتون
او يلتسن او رونالد ريغن،
تأتى لاعوام محدودة، تنجز دورها وتذهب. أما صور الرئيس
صدام، التي بقت تتكاثر في العراق لما يقرب من الخمس وعشرين عاماً حتى تفاخر أحد
المسئولين بأنهم طبعوا منها اكثر من مليون نسخة، فمن الطبيعي ان
يملها الكثير من الناس.
وقد لاحظ أحد الصحفيين الغربيين ان
شدة هوس الرئيس العراقي بصوره قد يدل على شعور خفي بكراهية الذات، وانعدام الثقة
بالنفس. وكأنه يحتاج لأن يؤكد لنفسه، مع صناعة كل صورة جديدة، ان
الناس يحبونه، وانهم لن يستطيعوا الحياة من دونه. [xiii]
فقط حين قُبض عليه ظهرت صورة مخالفة، بائسة. اذ بدا طويل اللحية
(مثل محاربي طالبان)، غجري الشعر، في ثوب مهلهل، والطبيب الأمريكي يفحص أسنانه،
ورأسه. وبدا مستسلما ولسان حاله يقول: كلنا نرضخ في خاتمة المطاف للطب الأمريكي.
بعد ذلك، حين قابل أعضاء المجلس الانتقالي، سألوه: ولماذا لم تقاوم، وكأنهم قد
صدقوا الصور الإعلامية عن شجاعته الباهرة، ومقولته: انه سيترك الرصاصة الأخيرة
لنفسه. نسوا هنا ان قصائد المدح قامت بتحويل الرجل إلى
أسطورة.
ولكنهم كذلك كانوا حزانى، فقد توقعوا منه على الأقل ان يتصرف كرمز للعراق الوطن.. وكان في صورة الاستسلام، في
الواقع، إهانة للعراق، وشعبه. فالرجل كان أيضا رمزاً وطنياً بسبب وظيفته لما يقرب
من الربع قرن. وهكذا تفجرت المظاهرات في الفلوجة وتكريت، ورفع بعض سكان هذه المناطق صور الرئيس القديمة، التي
ظلت ترمز لنظام وترتيب لم يعودا موجودين. وأنا ممن يقولون ان
هذه الفورة الشعبية كانت رد فعل على إهانة القبض على
الرئيس، لا تعاطفاً مع الرجل فحسب، وان كان هناك شيئاً من هذا أيضا.. ففي إلقاء
القبض عليه بهذه الطريقة المهينة ما يغضب النفس الأبية.
ومن الممكن الادعاء ان
صداماً انتهى بهذه الطريقة بسبب الصورة التي صنعها لنفسه. فقد جزم كل من درسه من
الغربيين على امتلاكه للسلاح الفتاك الذي خشاه الغرب.
حتى مؤلف النص الأكثر شهرة عن الرئيس صدام، السيد سعيد ابو
ريش، صاحب Saddam
Hussein: The Politics of Revenge ، والسيد مارك باودن،
الذي كتب دراسة مميزة عنه مؤخراً، كلاهما تصورا انه يخفي هذه الأسلحة بالفعل.[xiv]
لم يصدق أحد ان صداماً، رجل العراق القوي، لن يملك
سلاحاً خفياً يواجه به أعدائه حين يهاجموه. وهكذا ساهمت صورة الشخصية القوية التي
صنعها الرئيس في تدميره.
غالباً ما تغيب عن الناس الحقائق المخفية خلف الصور..
فكل صورة تظهر بقدر ما تخفي. ومن المعروف كذلك ان
الصورة تجمد جزئاً من الحقيقة، وتترك أجزاء. سنتطلع في الصفحات المقبلة لبعض هذه
الأجزاء الأخرى التي لم تلتقطها عدسات الكامرا. ما
سأكده في خاتمة المطاف ان الرئيس صدام ود تجميد صورته،
كحاكم مثالي للعراق، بحيث تبقى لزمن بعيد قادم رمزاً للوحدة الوطنية والحلم
القومي. نرجس لم يصل لهذا التوحد مع صورته أبدا. وربما يمكن القول ان صداماً قد اقترب من هذه اللحظة حين قُبض عليه. فهو الآن قد
قدم التضحية الكبيرة، وصار أسيراً. الصورة الأخيرة التي دفعت الناس للخروج
والتعبير عن التعاطف مع نرجس الغارق يمكن ان تجعل منه
البطل في خيال البعض، وهو ما لا يمكن أن يحدث لحاكم عُرف بالقسوة والتسلط واتخاذ
القرارات المتسرعة الغير صائبة.
النرجسي، قصة حياة..
سمعنا ان الرئيس العراقي
السابق سينشر مذكراته في يوم قريب. ولم لا؟ فلديه الآن شيء من الفراغ، وقد يواجه
محاكمة، والمذكرات ستسمح له بالدفاع عن نفسه أمام التاريخ. ولكن تلك المذكرات
ستفتقد ما افتقدته الكثير من نصوص الأدب العراقي خلال فترتي الثمانينيات
والتسعينيات، أي القدرة على مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ. يقول السيد سلام عبود في صفحة 220 من دراسته المعروفة ثقافة العنف في
العراق، ان غالبية أدباء تلك المرحلة:
لم يجدوا فرصة
لتأمل ما يجري حولهم. وإذا ما حاولوا ذلك
فان هذه الفرصة تُخمد قبل ولادتها. ولهذا لم تظهر أسئلة عميقة في نصوصهم، ولم تظهر
صور تتجاوز لحظات الانفعال الشعورية والحسية.. وهنا، في هذا الموضع توقف نصهم،
وكانت سلطة الحرب الثقافية تجد رضاها في ذلك. فقد كان التأمل ووعي اللحظة هو الخط
الأحمر.
كانت المؤسسة الثقافية في العراق لا تسمح بتجاوز الوصف، والتساؤل عن
الأسباب لما يجري. وظهرت في التسعينات أفلام وكتب تتناول الوضع المأساوي لأطفال
العراق، بدون ان يسأل أي منها عن أسباب هذا الوضع الذي
لم يحدث في أي دولة أخرى في العالم.
وهذا التأمل في السلوكيات والبحث عن الأسباب يمتنع على
النرجسي، الذي يتطلع دوماً لما يفعل برضى عميق، ولا يشعر البتة بأحاسيس الآخرين،
بل يبقى محصوراً في الذات. وان وجدت معايير أخلاقية لدى الشخصية النرجسية،
فالمتوقع جداً ان تميل للتطرف، من اجل ان تزيد من شعوره بالتفوق. فالنرجسي ليس من الساعين وراء
اللذات الحسية، بل غالباً ما يؤمن بقيم مثالية سامية يسعى لفرضها على الذات
والآخرين.
ومن الممكن اعتبار هذه القيم السامية التي يضحي
النرجسي بالغالي والنفيس في سبيلها نوعاً من عقدة الاخصاء
التي ذكرها فرويد. فللرئيس صدام أقوال غريبة قد يعتبرها المرء نوعاً من المبالغة.
ومن هذه الأقوال تلك المقولة المشهورة في
16 تموز عام 1979، بعد إعدام 56 شخصية بعثية معروفة.
حين قال صدام: "والله لو وقفت زوجتي وأبنائي في طريق ما أريد، لأذبتهم في حامض الكبريت."[xv] وهو يقول أيضا في وصف ذات الشخصيات التي أمر
بالتخلص منها: قد "رأيتم بأنفسكم كيف أجرموا، وأني حزين من أجلهم، ولكن لو
كان ولدي عدي لدفعته لكم، فالحزب والدولة فوق كل شيء.[xvi]
وقد ذهب الرئيس لتعزية أسرة إحدى تلك الشخصيات، عدنان
حمداني، وعبر عن الحزن لمقتله، وكأن صدام الفرد ينعى قسوة صدام القائد. ولكنه أكد
للأسرة المكلومة ان سلامة الدولة والحزب ستكون دائماً
فوق العلاقات الشخصية.[xvii]
ولصدام مقولة أخيرة مشهورة ذكرها للصحفيين حين انتقدت وسائل الأعلام العالمية
إعدام الأمام الشهيد الصدر: "قولوا لهم ان صدام
حسين سيقطع يده إذا خانته."[xviii]
وقد يتصور البعض ان هذه
الأقوال عبارة عن جعجعة إعلامية. ولكن حين قُتل صدام وحسين كامل، ورمل الرئيس
العراقي ابنتيه ويتم أحفاده، بات واضحاً ان النزعة
المثالية المصاحبة للنرجسية المفرطة، وصلت مرحلة تدمير الذات وتعذيب اقرب
المقربين. فالرئيس صدام ليس من أولئك الزعماء الذين أرادوا لأسرتهم او لأي احد، شاملاً الذات، الثراء
كما اتهمه أعدائه. النرجسية جعلته بالفعل يعتقد ان خير
العراق هو في الإخلاص له، وكل من يُشك في ولائه تم التخلص منه. الثراء كان نصيب
المخلصين. ومن الممكن جداً ان يقول قائل هنا: ان حسين كامل هرب من العراق وثار على الدولة وتواطأ مع
أعدائها، ولذلك حق عليه القصاص. ولكن السؤال يبقى كيف تم اختياره؟ ولماذا وصل إلى
هذا المنصب العالي الذي خانه في نهاية المطاف؟ مرة اخرى،
نعود إلى نرجسية الرئيس التي استسلمت بسهولة ويسر للمجاملات، والنفاق، وجعلتها
أعلى مرتبة من القدرة الحقيقية على الإنجاز، والخبرة في المجال الوظيفي.
وقد لاحظ مؤلف كتاب جمهورية الرعب المعروف، في
صفحة 45 ان تهمة الخيانة باتت في عصر الرئيس صدام
فضفاضة: "خطاب صدام يجعل الخيانة أمرا غير واضح المعالم يصعب تعريفه، وهي
ليست بالشيء المعروف الذي يسهل التعبير عنه، ولكنها شيء يمكن ان
يوجد في أفكار الناس وليس فقط في أعمالهم." الخيانة في الواقع غامضة لان
معناها يرتبط بما يعتبره الرئيس العراقي خيانة لصورته المثالية، وليس لها أي معنى
محدد آخر. ومن الجدير بالذكر هنا ان الرئيس العراقي
استبدل مصطلحات الخيانة خلال التسعينات بكلمات التكفير: وكلا اللغتين في الواقع
تشتركان في إلقاء التهم على الخصم، والسمو بالمتحدث. ولا تتطلبان أي مراجعة للذات.
لغة التكفير هذه أسوء من سابقتها نظراً لوجود أقلية مسيحية عريقة مخلصة للوطن في
العراق. ومن المؤكد ان هذه اللغة التكفيرية خلقت الشك
لدى الأمريكان بوجود صلة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة الذي ندر ان يستخدم غيرها.[xix]
وقد عشق الرجل تكرار سيرته والاستماع لها في وسائل الأعلام
حتى بات كل أطفال العراق يعرفونها. وهي في الواقع توضح مدى تغلغل المثالية
السياسية في حياة الرئيس، وتحولها باكراً إلى العنف. ولد صدام حسين يوم 28 ابريل
عام 1937 لعائلة فقيرة. والدته، رحمها
الله ، السيدة صبحة طلفاح،
عانت هموم الحياة وحيدة بعد ان اضطر زوجها إلى السفر من
تكريت إلى بغداد بحثاً عن الرزق، ويقال انه طلقها حين
استقر في العاصمة. وهكذا عاش الطفل مع الام ، ورعاهما
بعض الأعمام. وقد ترك صدام تكريت عام 1955 بعد ان رُفضت فكرة تعلمه لقلة المال والاحتياج لمن يزرع الأرض.
وهكذا فر تحت جنح الليل بلا مال ولا زاد في رحلة طويلة إلى بيت خاله خير الله طلفاح الذي ألحقه بالمدرسة. ويصف صدام خاله بالقول انه كان
مناضلاً ضد الإنجليز بدلالة اعتقاله عام 1941 . ومما يقال ان
صدام الصغير قام بقتل أحد أقاربه، سعدون التكريتي، ممثل الحزب الشيوعي في تكريت.
وبعد هذه التجربة، انضم إلى حزب البعث، واشترك في محاولة اغتيال الرئيس العراقي
الأول، عبد الكريم قاسم.
وقد حدثت المحاولة حوالي الساعة السادسة والنصف من
مساء 7 أكتوبر عام 1959. وكان الدافع الأساسي وراءها رفض قاسم التخلي عن الحزب
الشيوعي. وقد تم إطلاق الرصاص على سيارة قاسم في رأس القرية، وهي النقطة الأضيق في
شارع الرشيد التي تزدحم فيها حركة المرور والناس، وتكثر الأزقة مما يسهل هرب
المهاجمين. ومن المعروف ان صداماً بعد ذلك حكم عليه
غيابياً، وطاردته الشرطة.
وقد قال الرئيس صدام اكثر من مرة انه "يلعب في
الوقت الضائع،" نظراً لصدور حكم غيابي عليه بسبب دوره في محاولة الاغتيال
هذه. وهنا يمكن التعليق بان حياة الرجل كلها حدثت في هذا الوقت الضائع: فقد تزوج
وانجب وصار رئيساً للجمهورية، ثم فقد أولاده، وسقط في الأسر، خلاله.
وقد فر صدام
إلى دمشق، ثم القاهرة، وكاد ان يُقبض عليه فيها بسبب
خلاف مع أحد اليساريين.
وقد قال السيد طه ياسين
رمضان ان صداماً "عاش ظروفاً عائلية كانت تدفعه
للثورة على الذات." [xx]
والواقع ان ظروف الطفولة الصعبة قد دفعت بصدام للمزيد
من الدفاع عن الذات والتمسك بها، حيث أدرك باكراً ان لا
أحد يقدر على مساعدته غير سعيه الخاص. ويبدو لي ان
تأثير العم على الفتى الضعيف اليافع كان أساسيا. اذ دفع
به للانتماء السياسي للفكر القومي البعثي، الذي بقي
متمسكاً به بشكل جامد يفتقد للمرونة، منذ سن باكر.
وقد عاد إلى العراق حين
استلم البعث السلطة. ثم وقف في صف ميشيل عفلق في المؤتمر القومي السادس لحزب البعث عام 1964 وتمت
ترقيته.
تقارب ميشيل عفلق وصدام مثلما يتقارب السالب والموجب كهربائياً. فقد
اختلفت طباعهما كثيراً. وقد كان عفلق اقرب للشاعر،
ويبغض الدماء، وانهار بسرعة حين تم اعتقاله في سوريا. واصدر بياناً يتخلى فيه عن
النشاط السياسي. كان عفلق حالماً بأمة عربية واحدة ذات
رسالة خالدة ، رفض اعتبارها الإسلام. اما صدام، العنيف،
العملي، صاحب المواقف الصلبة، فقد كان نقيضاً لعفلق.
كان تقاربهما مثل تقارب الرئيس المصري السابق عبد الناصر والسيد عبد الحكيم عامر،
تقارب التناقضات، وكأن كلاً منهما وجد في الآخر ما يفتقد إليه من صفات. ومن الأدلة
على ذلك ان عفلق كتب أحيانا
عن أهمية العنف الحزبي، الذي كرهه في حياته الخاصة. اذ
يقول ان سلوك الحزب يجب ان
يخلق
الخوف القاسي حتى
الموت في نفوس أولئك الأشخاص الذين يمثلون الفكرة المضادة. ولا قيمة لأعضاء الحركة
للاقتناع بأفكار مثالية معاكسة بأن يقولوا: لماذا مضايقة الأشخاص؟ الفكرة العدائية
لا توجد من نفسها. أنها مجسدة في الأشخاص الذين يجب ان
يهلكوا او يفنوا، حتى تهلك وتفنى الفكرة معهم."[xxi]
ومن المؤكد ان صداماً وجد في هذه الأفكار – التي لا تتكرر كثيراً في كتابات عفلق- خير تبرير لممارسات تعذيب الشيوعيين حتى الموت في قصر
النهاية الذي عُثر فيه بعد انهيار حكم البعث الأول على أسلاك الحبال الغليظة المدماة والخوازيق.
وعمليات التعذيب في العراق التي وثقتها تقارير مجموعات
حقوق الإنسان جزء من الجهود المطلوبة لخلق "الخوف القاسي حتى الموت" في
نفوس المعارضين. انها الممارسة المادية الضرورية لتحقيق
قيم الوحدة والحرية والاشتراكية. التعذيب هو قرين هذه القيم الخالدة ، يحل معها
حيثما حلت. التعذيب الوحشي هو الحقيقة التي لابد ان
يعرفها ذلك الفرد الذي يجسد الفكرة المضادة التي أشار إليها عفلق.
وان كان من توفوا بسبب ممارسات التعذيب قلة، فالسؤال الذي يقلق الناس ليس العدد،
بل كيفية الموت. تعذيب بعض مئات من الأفراد كل عام سيدفع بالملايين لتجنب حتى
التفكير في شئون قد توصل المفكر إلى قصر النهاية. وحتى من ثبتت برائتهم غالباً ما تم تسميمهم حين يخرجون. فلا فائدة ترجى
منهم بعد ان شاهدوا الجانب القاتم من الصورة المشرقة
للقيم السامية.
وقد قدم الرئيس العراقي دفاعه عن القسوة في
التعامل مع المعارضين في رواية زبيبة والملك
التي تقول فيها زبيبة للملك: "يحتاج الشعب لحاكم
قاسي ليرفلوا في عهده بالطمأنينة." وحين حاول الملك – في نهاية الرواية – ان يقدم للناس المزيد من
الحريات، شاعت الفوضى، وتحاربوا فيما بينهم. وبعد ان
مات الملك حزيناً بسبب ما آل إليه شعبه من اقتتال، حزنوا على وفاته، وتذكروا ان قسوته كانت لمصلحتهم.
للرد على نظريات الرئيس
العراقي في هذه الرواية، نشر السيد احمد الحبوبي – وزير الثقافة العراقي السابق – كتاب ليلة الهرير في
قصر النهاية.[xxii]
ومع ان الرجل لم يتعرض للتعذيب في المعتقل، الا ان ما شاهد من ممارسات دفعه
فوراً لمغادرة العراق، والزواج والحياة في الخارج وعدم العودة الا
بعد سقوط النظام البعثي بشهور. وهذه السيرة الذاتية
لعراقي معروف بوطنيته تدل على ان البطش والقسوة جاوزا
حد القصاص الذي يؤمن سلامة المواطنين في المجتمع.. ووصل الأمر إلى دفعهم إلى
الفرار منه.
كان
من المفترض ان تستقر الأوضاع بسبب خوف الناس من
التعذيب، والصورة المثالية للرئيس صدام. الا ان العراق في الواقع بقي غالبية سنوات الثمانينيات
والتسعينيات يرضخ تحت ظروف الحرب والحصار.
فترة الهدوء القصيرة في حكم البعث الثاني كانت تلك التي ترأس فيها السيد
أحمد حسن البكر الدولة العراقية (وان كان حالياً يتهم بأنه المسئول عن وصول الرئيس
صدام إلى السلطة). يقص السيد جليل العطية
طرفة حين عاد إلى العراق سنة 1977 ، وتحدث إلى الرئيس البكر، فطالبه بالخروج من
العراق فوراً حرصاً على سلامته، وقال: " "الأمور فلتت، ولم اعد املك الا الاسم." قال هذا بأسى متطلعاً إلى صورة تضمه والسيد
النائب تتصدر الصالة." (208) السيد جليل العطية كذلك يتذكر طرفة أخرى، اذ تحدث مع المرحوم منيف الرزاز وتمنى الأخير وحدة العراق
وسورية للتخلص من رئاسة صدام للدولة. (208) وهذا الامنية
تدل على ان ما ادعاه الرئيس العراقي حين قام بتصفية عدد
كبير من الحزبيين القدامى حين استلم السلطة، من انهم يتآمرون في سبيل الوحدة مع
سوريا، صادق. وان هناك بالفعل من تمنى هذه الوحدة. ولكن هل تمني الوحدة مع سوريا
جريمة تستحق عقوبة الإعدام في فكر حزب كان أهم شعاراته وأولها الوحدة؟ وهل التمني
تآمراً؟ وليس غريباً ان يشتكي السيد عبد الخالق السامرائي بأن حزب البعث الحقيقي "دفن في قصر النهاية"
(208) – الذي سماه جليل العطية
ساخراً "فندق السعادة." فالعراق الذي خضع لصورة الرئيس المثالية تطلب
بعثاً جديداً مختلفاً عن ذلك الذي عرفه الناس في الأربعينيات والخمسينيات
والستينيات. حزباً لا يفعل سوى تبجيل قائده، ويطيع
أوامره.
وقد وصف السيد سليمان فرحات، الذي عمل في محطة عراقية
موجهة إلى مصر لانتقاد سياسات السادات في أواخر السبعينات، أوضاع الحزب حينذاك. اذ يقول: "أي بعثي يعرف انه لن يعتقل الا بتقرير من رفيقه ولن يعدم الا
بوشاية رفاقية وأن اغتياله قد يكون تكليفاً حزبياً لهذا
الرفيق.. عندما تصبح رفيقي تصبح قلقي وهمي الوحيد. تصبح عدوي."[xxiii]
وهو يتحدث في هذا السياق بحزن عن رفاق له تمت تصفيتهم
بسبب خلافات بسيطة في الرأي.
وقد لاحظ المفكر الفرنسي المعروف جاك
دردا ان لكل شخصية توقيعاً
خاصاً يدل على التناقضات الأساسية التي تتكون منها، وهو شغوف بتحليل معاني أسماء
الشخصيات التي يقوم بدراستها من اجل توضيح ارتباط غريب وغامض بين الاسم وصفات
الشخصية والموضوعات التي تعنى بها.[xxiv]
وان استخدمنا هذا الأسلوب التفكيكي لوهلة،
فمن الممكن الادعاء ان اسم الرئيس العراقي ذاته يجمع
الكثير جداً من المتناقضات التي عُرف بها، بحيث يصير الاسم كتاباً يُعرف موضوعه من
عنوانه. فصدام حسين الناصري التكريتي اسم غني بالرمزية.
أولا، ترمز كلمة التكريتي
لقضية لاحظها السيد د. حنا بطابو: فحزب البعث، حين دخل
السلطة عام 63 ، احتوى على العراقيين من جميع الألوان والأطياف. أما عام 69، فكانت
أغلبية أعضائه من مناطق تكريت، ولدرجة ان تسائل البعض هل استغل حزب البعث التكارتة
للوصول إلى السلطة، ام ان التكارتة هم من امتطوا الحزب للوصول لها؟ يقول السيد حنا بطاطو: "انطبعت السمات التكريتية
لحزب البعث على النظام الذي يديره الحزب.. النظام البعثي
يستند في النهاية إلى أساس اجتماعي ضيق." (405) وقد حدث ان
السيد صلاح عمر العلي اشتكى للرئيس اكثر من مرة من عمليات نهب في تكريت يقوم بها أقاربه. ووعده الأخير بمحادثتهم. ولكن لم يحدث
أي شئ بهذا الشأن. حتى أدرك السيد صلاح ان البعث لم
يكسب مجموعة أفراد تؤمن بمبادئه، بل ان هؤلاء الافراد خطفوا البعث واستخدموه لتحقيق مصالحهم. [xxv]
كلمة
"الناصري" في أسم الرئيس تدل على ولع بشخصية عبد الناصر القيادية، التي
أثرت على مجريات الحياة العامة في الشرق الأوسط خلال الخمسينات والنصف الأول من
الستينات. وهي كانت شخصية تعادي تماماً نزعة الإقليمية التي تميز بها حكم البعث
الثاني، وان كان صدام قد حاول بلا جدوى الوصول لمركزية الرئيس المصري السابق
وجاذبيته.
أما الاسم الثاني "حسين"، فهو يرمز للحسين،
الذي قد تكون حادثة استشهاده بالفعل أهم ما حدث في العراق على مدى تاريخه الذي
يعود لآلاف الأعوام، والذي ادعى الرئيس العراقي انتمائه لأسرته الشريفة.
أخيرا، فالاسم الأول "صدام"، يعكس بالفعل
شخصية صاحبه التي تميل لحل المشاكل عن طريق التصادم. وقد حدث ان
هاجم الرئيس العراقي أولئك الذي يدعون للمرونة في التعامل مع العالم الخارجي، وأكد
ان الشرط الأساسي للثورية "هو الهجوم والمواجهة
التي يمكن ان يحيد عنهما الثوري قليلاً من أجل المناورة
التكتيكية." [xxvi] وكأنه يحاول ان
يتطابق مع اسمه.
وهكذا، فالاسم ذاته يدل على الطموح والنزعة إلى التفوق
عن طريق التصادمية والعنف الذين عرف عصر الرئيس صدام بهما.
نلاحظ اذا ان صداماً وصل إلى السلطة عن طريق حزب البعث الاشتراكي، ولكنه
سرعان ما قام بتغيير الحزب لدرجة ان حزب البعث القديم
لم يعد موجوداً. تماماً كما يمكن التأكيد على ان
الثقافة العراقية التي وُجدت قبل وصول الرئيس صدام للسلطة كادت ان تختفي في المرحلة اللاحقة، لا بسبب التصفيات فحسب، بل هجرة
المثقفين إلى الخارج. ما بقي في العراق كان مرآة تعكس صورة صدام المكبرة عشرات
المرات.
سياسات عدوانية…
حين تحدث لاكان عن اللحظة
النرجسية، أكد على ان الشخصية البشرية في هذه اللحظة
"تسقط في فخ المساحة." أنها تكون حينذاك شخصية تعيش في المكان، او في وهم تطابق المكانين.
اما الزمان فيتوقف. ويمكن ان
يبقى نرجس متطلعاً لصورته المعكوسة في الماء لشهور او
أعوام، في انتظار لحظة تبدو ملائمة للانقضاض على هذه الصورة.
ومن الممكن القول ان الجانب
النرجسي من شخصية الرئيس صدام عبر عن ذاته عن طريق التحكم في المساحة. فهو يعشق
بناء القصور الفخمة واسفل كل منها ممرات وسراديب خفية، وكأنها بيوت عنكبوت،
والجوامع الباهضة التكاليف، واهم من ذلك، غزا دولاً
مجاورة لتوسيع رقعة الوطن الذي يتحكم فيه. شعار "أمة عربية واحدة" عنى
توحيد الشعوب العربية، حتى لو كان ذلك بالقوة. ومن المؤكد ان
عملية غزو الكويت تمت لتحقيق حلم نرجسي. يقول الرئيس العراقي انه شاهد رؤيا – مثل حلم – فهم منها ان هذه الحرب
مفروضة عليه. يقول: "ليس نحن من أراد ويكاد دورنا ان
يكون صفراً." (الجنرالات 119) . وهو هنا يقر بان القرار عبر عن لا شعور من
أتخذه. وليس الحلم بالغزو بغريب على الشخصية النرجسية، التي تتكون أحلامها عادة من
حصون تحيط بها الاحراش، والمستنقعات، بحيث تتقسم
المساحة إلى جزئين يحاول الحالم عبور أحدهما والوصول
إلى الآخر حيث يتجسد الحلم المثالي البعيد بالتوحد مع صورة مثالية للذات.[xxvii]
وقد ذكر السيد صلاح عمر العلي قصة شاهدها في كوبا، عام
1979، حين حاول الدبلوماسيين الإيرانيين التأكيد على عدم نيتهم القيام بأي عمل
عدواني ضد العراق. وكان تعامل السيد النائب صدام حسين معهم حينذاك مهذباً للغاية.
ولكنه، بعد نهاية اللقاء، سأل صلاح عمر العلي عن رأيه. فأجابه: انه سعيد بإمكانية
حل المشاكل مع إيران بشكل سلمي. وفوجئ بالرئيس المستقبلي يرد: انه صار دبلوماسياً
اكثر من اللازم. استطرد السيد النائب مؤكداً ان إيران
تريد السلام لأنها ضعيفة الآن، وأكد على ضرورة تحرير شط العرب ومناطق أخرى من عربستان. وهكذا تورط العراق في حرب ضروس لا ضرورة لها.
ومن الممكن هنا ان نلاحظ
بعض الأمثلة على عدم القدرة على التفكير في المستقبل. فمثلاً، في مرحلة حكم الرئيس
احمد حسن البكر، كان هناك خططاً خمسية للتنمية، نجحت بالفعل في تحسين أوضاع
السكان. فقد استقرت أسعار السلع الضرورية، وقلت نسب التضخم، وصار التعليم والخدمات
الصحية متاحاً بشكل مجاني للجميع. وارتفع دخل الفرد من 195 ديناراً عام 1970 إلى
7564 دينار كويتي عام 1979. أما في عصر الرئيس صدام، فقد تم التقدم عن طريق غزو
الدول المجاورة. بعد مرور سنة على بداية الحرب مع إيران، لم يعرف أي فرد في العراق
إلى أين تتجه هذه الحرب، وما هو الهدف المفترض تحقيقه منها؟ بدا وكأن الرئيس
العراقي توقع ان ينهار النظام الإيراني خلال أيام او أسابيع قليلة، وانه بعد ذلك سيسيطر عليها، او على الأقل يتفاوض معها حسب شروطه الخاصة. ولكن، وبعد ان صمد الإيرانيين في وجه الهجوم المباغت، وبدأت القوات
العراقية بالتراجع، لم يعد هناك أي هدف سوى محاولة الخروج من الورطة بكرامة.
اعتقد الرئيس
العراقي ان الوحدة العربية المرجوة ستتم عبر احتلال
الدول المجاورة. وقد اشتكى : "ان العرب قد
فسدوا"[xxviii]
حين رفض اهل الكويت هذه الوحدة. وهو يقول بهذا الشأن ما
يلي:
كان هؤلاء يتمتعون
بنصف ثروة العراق وهم كم واحد. سيظل صعباً عليهم ان
يأتي أهلهم وأخوتهم الآخرون من ال 18 مليون لمشاركتهم
الثروة. القسم الأكبر منهم سيرى ان الأمريكي اقرب اليهم من العراقي. لأن الأمريكي يأخذ 60 % ويعطيهم 40 %
يسيرون بها أمورهم. لكن العراقي يعطيه حسب استحقاقه"[xxix]
وهكذا تم فرض الوحدة بالقوة، وهو عكس ما حدث في دول
أوربا الشرقية التي قامت شعوبها بالتصويت قبل دخول الاتحاد الأوربي. كانت الدول
الأوربية المتقدمة، بسبب عوامل مثل تطورها التقني وقوتها الاقتصادية واحترامها
لحقوق الإنسان، قادرة بسهولة على جذب دول مجاورة نحوها. ثم جرت محاولات لتقريب
القوانين الضريبية، ونظام الهجرة، وتقليص مديونيات الدول المشتركة في الاتحاد، مما
تطلب خططاً طويلة المدى يتم تحقيقها على مراحل. ولكن العراق – الذي كان قبل وصول الرئيس صدام للسلطة، يمتلك
فائضاً يقدر ب 30 مليار دولار، وتحول بعد ثلاث أعوام من الحرب مع إيران، إلى دولة
تحتاج لتسديد دين يقدر ب 60 مليار [xxx]– أراد ان يتحد مع الكويت،
بحيث تخضع قوانين الدولة الأخيرة للأولى، بل وتقوم بتسديد ديونه. ولم يمكن إقناع
أي دولة بهذه الوحدة مع العراق الذي أثقلته الديون، وحكمه نظام متسلط يمارس
التعذيب، ويقوم بتصفية المخالفين. وما الذي يمكن ان
يدفع أي أقلية للتفكير في ان تنظم إلى العراق، وهو
يمتلك سجلاً مخزياً في مجال حقوق الإنسان، دافع عنه الرئيس في رواية زبيبة والملك؟
يلاحظ السيد سعيد ابو ريش ان رئيس العراق صدام حسين تأثر كثيراً بالمثل الستاليني، الذي حول الاتحاد السوفيتي من دولة مفككة إلى
إمبراطورية نووية، تحكمت بأقدار نصف العالم خلال أعوام قليلة. وربما حان الوقت
لحزب البعث لمراجعة واعتراف بالخطأ، كما فعل الحزب الشيوعي بعد وفاة ستالين. ما نراه حالياً من استماتة بعض البعثيين
في الدفاع عن عراق صدام في المحطات الفضائية العربية إنما هو إنكار للواقع
والتاريخ. شرائط صور التعذيب التي تباع على الأرصفة في بغداد، وأدبيات البعث التي
دافعت عن فرض الوحدة بالقوة على الدول العربية، والديون التي اضطر الأمريكان
لإرسال السيد جيمس بيكر إلى
الدول الأوربية علها تتسامح في بعضها، هذه الشهادات تروي قصة ما حدث للعراق في عصر
الرئيس المخلوع. وان قالوا ان الرئيس ساعد الشعب في
التعامل مع الحصار عن طريق البطاقة التموينية، فهذا يعني في نهاية المطاف ان الشعب بأكمله صار يعتمد على الرئيس النرجسي، الذي يعتبر
العلاقة المثالية هي تلك التي تتحقق حين يساعد المحتاجين، مما يؤكد سموه فوقهم.
تحدث الناس عن الدراما
الأمريكية المبرمجة لحظة رضوخ الرئيس العراقي للطبيب الأمريكي. ولكن لم يعلق أحد
على مشهد الدراما الأخرى، وهي ما حدث حين
لاحظ الرئيس العراقي وجود كامرا تلتقط صوره. اذ اختلس النظر لها مرة بشغف، وبدا على وجهه شعور عابر
بالنشوة، وكأنه تذكر دهراً كانت صوره تملأ شاشات التلفاز العراقي. ولكنه – بعد ان اختلس النظر للكامرا ثانية –
تطلع بعيداً بشموخ. شعرت أنني أمام الملك لير، وهو يندب سقوطه في فخاخ من نافقوه
وتخلوا عنه في العاصفة. ويبدو لي ان الرئيس العراقي في
هذه اللحظة أدرك استحالة تطابق الواقع مع الصورة والمثل العليا، ذلك الحلم الذي
أسقطه في الأسر، يتم أحفاده ورمل بناته، وقتل رفاقه وولديه، وأفقر شعبه. ويا ليته
كان قد شمخ فوق الكامرا والصور والكبرياء حين كان ذلك
متاحاً ميسراً، ولكنه عشق الصورة المعكوسة في الماء وانقض عليها، وأضاع معه أعمار
جيل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات في العراق في حروب ودوامات دماء وفقر
ومجاعات، وترك بعده ديوناً قد تتطلب ضياع أعمار جيل لاحق.
2) السيد باختيار: صدام بصحة جيدة، ويكتب الشعر
في السجن..
زار السيد باختيار امين، وزير حقوق الانسان في الحكومة
الانتقالية،
الرئيس العراقي المخلوع، وقدم بعض المعلومات:
في حبسه الانفرادي يقضي صدام يومه في كتابة
الشعر، ومن اجمل قصائده قصيدة ينتقد فيها الرئيس الاميركي بوش، والاعتناء بحديقة صغيرة،
وقراءة القرآن.
واكد السيد أمين ان التقارير التي تحدثت عن تردي صحة صدام
كاذبة. فهو في حال صحية لا بأس بها، وان بدا حزيناً محبطاً.. ويمنع من الاتصال بباقي
السجناء، الذين يتحادثون يومياً لثلاث ساعات خلال فترة التمرينات الصباحية.
وهو يتعالج من ارتفاع
ضغط الدم وعانى من التهاب -prostate infection تتم معالجته. ورفض الخضوع لاختبار للتاكد من
سلامته من السرطان..
وقد قام الرئيس العراقي
بريجيم ناجح.
وهو يبدأ يومه بافطار
جيد يحوي 1300 سعرة حرارية، ويتناول الطعام الساخن مرتين في اليوم، ويشمل الرز
والبطاطس واللحوم والاسماك.. ويحب ان يحلي بالفاكهة مثل التفاح او البرثقال.. ولكنه
تعلق بنوع من الحلويات الامريكية Cookies .
الاستحمام والحلاقة متاحان في اي وقت يريدهما.
وليس له الحق في متابعة
الاخبار، ولا يوجد راديو او جريدة، ولكن الصليب الاحمر قدم له 145 كتاباً يختار من بينها ما
يحب قراءته.
وصدام يمارس الرياضة يومياً وله حديقة صغيرة يقوم برعايتها. اكثر
ما يعنيه فيها شجرة نخل صغيرة وضع حولها دائرة من الصخور البيضاء.. يقول السيد
أمين: استغرب عنايته بالبيئة بعد ما فعله بالاهوار.
ومع ان الرئيس رسمياً
يخضع للسلطة العراقية الا ان الامريكان يقومون بحراسته في السجن..
وان كان قد رفض التعاون
مع الاحتلال، الا ان بعض معاونيه - مثل علي الكيماوي وبرزان والسكرتير عبد حامد محمد التكريتي -كانوا اكثر تعاونا. وحين شاهد برزان السيد باختيار امين،
ذهب له قائلاً: "لماذا انا هنا؟
ارجوك ابلغ تسائلي للسيد مسعود البرزاني وجلال طلباني واياد علاوي"..
وقال السيد باختيار : "حين حادثني برزان التكريتي، كدت ان اتقياً.
فامامي كان الرجال الذين دمروا البلاد، وحولوها الى ارض المقابر الجماعية".. ومع ذلك اكد على ان
المحاكمة ستكون عادلة..
3)
الصليب الاحمر: لابد من البدء بمحاكمة صدام قبل
30 يونيو، او الافراج عنه...
27 – 6- 2004
لابد من البدء بمحاكمة الرئيس العراقي المخلوع قبل 30
يونيو، او الافراج عنه..
ندا دوماني، المتحدثة
باسم الصليب الاحمر، قالت: بما ان الولايات المتحدة اعتبرت صدام حسين اسير حرب،
فحسب القانون الدولي، لابد من الافراج عن اسرى الحرب او توجيه الاتهامات لهم حين
ينتهي الاحتلال..
هناك في الواقع آلاف الاسرى حالياً ممن ينطبق عليهم هذا
الوضع القانوني.. تستطرد السيدة: لا يجوز ان يبقى السجين بدون ان يعرف التهمة
الموجهة اليه لشهور طويلة.. كما يحدث في العراق..
والمنظمة الدولية اعربت عن قلقها لعدم تقديم الولايات
المتحدة قوائم تحوي اسماء من تم الافراج عنهم، واولئك الذين تم نقلهم الى سجون
اخرى.."لو اعتبرنا ان الاحتلال سينتهي في ال 30 من يونيو، فهذا يعني نهاية
الصراع المسلح.. وهذا هو الوضع القانوني.. فاتفاقات جنيف تؤكد على ان اسرى الحرب يجب
الافراج عنهم بعد نهاية الحرب.".
هناك حوالي اربعين من الشخصيات التي قدمت امريكا صورها على
بطاقات .. وهم في عزل انفرادي.. التحقيقات معهم قليلة.. ولا توجد اتهامات ولا
زيارات ولا محامين.. فقط يسمح بزيارات الاقارب..
بعض من يقبعون في السجون من العلماء، مثل د. امير السعدي،
الذي مثل العراق في التعامل مع الامم المتحدة في الزمن البائد.
اسر الأسرى تقول: انهم يعاقبون بلا ذنب، او حتى اتهام..
ويسجنون بلا ادلة..
أكثر من محامي امريكي يساعدون
الحكومة العراقية في اعداد لائحة اتهامات.. ولكنهم يقولون ان اعداد اللوائح سيتطلب
سنة على الاقل.. وهم يحاولون محاكمة آخرين اولاً، عساهم يقدمون ادلة تورط الرئيس
المخلوع.. ولكن حتى الساعة الكل يخاف على اسرته واقاربه من القتل لو حاول تقديم
الدليل ضد صدام..
وحين سيتم توجيه الاتهام، سيحق للرئيس طلب محامي..
الولايات المتحدة تؤكد انها ستبقى بعض الاسرى بغض النظر عن
القانون لضرورات امنية.. وبلا قانون دولي ولا خرابيط...
4)
المحاكمة.. جلسة توجيه الاتهام...
تحدى الرئيس
العراقي المخلوع صدام حسين المحكمة، ورفض الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الانسانية،
وجرائم حرب قائلاً: كل هذا مسرح، المجرم الحقيقي هو بوش..
وجاء صدام مقيداً بالاغلال: وكرر: "اسمي صدام حسين،
وانا رئيس الجمهورية العراقية" مرتين،
ورفض التوقيع على عريضة الاتهام حتى يحضر محامي الدفاع.. وقد غضب الرئيس العراقي
حين اطلع على الاتهام بغزو الكويت: "وهل يحق اتهام شخص قام بعمل رسمي بدون
الضمانات الرسمية التي يقدمها القانون؟ وما هو القانون الذي تعتمده
المحكمة؟" وهو هنا يؤكد ان القانون
العراقي يتيح لرئيس الجمهورية اعلان الحرب..
وقد اكد الرئيس المخلوع على ان القوات المتحالفة قوات محتلة..
اما الاتهامات فهي: قتل شخصيات دينية سنة 1974، قتل اعداد
من اعضاء احزاب سياسية خلال ال30 عاماً الماضية، قضية الانفال ونقل الاكراد، قمع
الحركة الشعبية عام 1991 ، وغزو الكويت سنة 1990 .
المحاكمة لن تتم قبل 2005 .. يقول السيد سالم الشلبي مدير
المحكمة..
في واشنطن، رفض سكوت مكليلان، المتحدث باسم البيت الابيض،
الرد على اتهام صدام لبوش بارتكاب
جرائم حرب.. وقال : صدام سيقول الكثير.. ولكن المهم هو ان يواجه العدالة والشعب
العراقي..المهم ان تحل مشكلة مآسي العصر الماضي.
وقد جاء صدام بطائرة هليكوبتر من موقع خفي، ثم نُقل للمحكمة
بسيارة مصفحة بحراسة جنود عراقيين.. وقد بدا الرجل هادئاً، مرتدياً ثياباً مدنية
رصينة. ولكن كان هناك بقع سود اسفل عينيه..
سالوه : هل تقدر على دقع تكاليف محامي الدفاع؟ فرد قائلاً:
يدعي الامريكان انني اخفيت ملايين الدولارات في سويسرا.. وهل يمكن الا تكفي تلك
الاموال لدفع التكاليف؟
لم يسمح للصحافة العراقية بالبقاء في القاعة اثناء
المحاكمة..ولكن ذلك الحق كان مسموحاً للاعلام العالمي.
يقال انها ستكون محاكمة القرن (اي قرن الماضي ام الذي نعيش
بداياته؟)
هل ستحل المحكمة الصراع العراقي العراقي ام تزيده تازماً؟
5)
طارق عزيز: سيقتلوني..
كتب طارق عزيز رسالة الى ابنه في 1- 7 ، 2004، قال فيها: سيقتلوني.. بعد ان اتُهم بجرائم قتل
جماعية سنة 1979 و سنة 1991 . وقال الابن زياد طارق عزيز، المقيم في عمان بعد ان
وصلته الرسالة عن طريق الصليب الاحمر في 1 – 8 : الاتهامات لا اساس لها من الصحة..
اتهام سنة 1979 يرتبط بقتل 22 بعثياً يدعي النظام انهم
تآمروا عليه قبيل وصول صدام الى السلطة. اما عام 1991، فقد قمع نظام صدام انتفاضة
شيعية في الجنوب بقسوة شديدة.
قال السيد طارق عزيز: "عقوبة هذه الجرائم في القانون
العراقي هي الاعدام."
والسيد عزيز كان من المقربين من صدام لعقود طويلة، والناس
تتذكره وزيراً للخارجية يتحدث الانجليزية بطلاقة ما بين عامي 1983 - 1991.. ولكن
المفكر السياسي العربي – هيكل – قال ان السيد طارق، ونظام صدام عموماً، لم يستطع
التاقلم مع عالم ما بعد الحرب الباردة. وهذا كان سبب النهاية التي آل اليها..
وقد طلب السيد طارق من ابنه في الرسالة التي اوصلها الصليب
الاحمر الاسبوع الماضي ان يوكل محامياً للدفاع عنه. والواقع ان المحامي موجود،
ولكن يبدو ان كثرة اعمال المسئول في الدولة الجديدة لم تترك له الوقت الكافي لابلاغ المتهم بوجود
محامي يتابع قضيته..
وقد تمنى السيد طارق ان يقوم المحامي الامريكي المشهور –
رامسي كلارك – بالدفاع عنه.. واكد السيد كلارك استعداده للقيام بهذه الوظيفة.. فهو
من اعداء بوش والحرب على العراق، والتقى بالرئيس العراقي المخلوع عدة مرات خلال
العقد الماضي..
لم يبلغ أحدا السيد طارق بوجود محامي.. وبالطبع لم يتقابلا،
حسناً..
ولكنه متهم ... بماذا؟؟؟؟ بانه ساهم في قتل بعض الشخصيات
القيادية البعثية سنة 1979.. اليس هذا ما تقوم به الدولة الجديدة؟ اليس
"اجتثاث قيادات البعث" هدفاً اساسياً ضرورياً لنهضة العراق الجديد..
واذاً، هل يحاكم الرجل على انجاز ما تحاول الدولة وقوات التحالف القيام به؟
وهو متهم كذلك ... بماذا؟ قمع الانتفاضة سنة 91.. وما الذي فعلته الدولة في اغسطس 2004؟ الم تقمع
انتفاضة كذلك في ذات المكان؟ وبذات الطريقة؟ وربما يقوم بهذه الانتفاضة الجديدة
ذات الافراد، او أقاربهم؟
ألن يؤدي قمع الانتفاضة الجديدة بهذه القسوة للمزيد من المقابر
الجماعية في الجنوب؟ وهم يتهمون
نظام صدام بها؟
وكيف تحاكمون الرجل لانه انجز البارحة ما تريدون انجازه
اليوم؟ تحاكموه لقتل البعثية، ولقمع انتفاضة، وانتم تقتلون البعثية، وتقمعون
الانتفاضة؟
ولله در من قال:
لا تنه عن فعل وتاتي بمثله عار
عليك ان فعلت عظيم..
6)
هل
حاول صدام حقاً اغتيال بوش الأب؟
ذكر جورج بوش الابن في خطابه للأمم المتحدة في سبتمبر 2002
محاولة صدام لاغتيال والده، الرئيس السابق للولايات المتحدة منذ 1988 – 1992. ولكن
منذ القبض على صدام، لم يتم طرح القضية البتة. بل وفي التحقيقات مع صدام التي نُشرت
في تقرير دلفور، ليس هناك أي أسئلة بشأن محاولة اغتيال
رئيس أمريكي سابق؟
ربما يعتقد من قام بالتحقيق ان
القضية ليست بذلك القدر من الأهمية؟ او .. ان القصة ملفقة؟
والواقع ان صدام، حسب ما قاله في
التحقيقات، شعر بان الولايات المتحدة تعرف كل شيء عن العراق. ولذلك قام بتدمير
أسلحة الدمار الشامل في النصف الأول من التسعينيات. كما انه كان يريد التخلص من
الحظر القاسي الذي فُرض على البلاد. وسعى جاهداً لتحسين العلاقات مع واشنطن، وتعهد
بانه سيصير افضل حلفائها في هذه المنطقة من العالم..
وكان "متعجباً من رفض واشنطن لكل هذه العروض.".. وهنا يمكن التساؤل: لماذا يتعجب صدام لو كان قد
قام بالفعل بمحاولة اغتيال لرئيس أمريكي سابق.. ان
شعوره بالاستغراب – المذكور في تقرير دلفور – يدل على انه لم يقم بمحاولة الاغتيال هذه.. بل
ويعتقد ان الأمريكان يعرفون هذه الحقيقة.
ومن الصعب كذلك ان يقوم صدام
بمحاولة اغتيال بوش، وكل هدفه في هذه المرحلة : رفع الحظر.
ومن المعروف ان محاكمة من اتهموا
بمحاولة اغتيال بوش تمت في الكويت.. وفي تفاصيلها
الكثير مما هو مريب. مدير الخلية التي قامت بالمحاولة يدعى والي عبد الهادي
غزالي، وعمل ممرضاً. ومعه رعد عبد الأمير الاسدي من
النجف. وقد ادعى الاسدي
انه زعيم خلية في المخابرات العراقية. اما الغزالي، فقال ان المخابرات
العراقية قدمت له سيارة ومتفجرات وانه الوحيد الذي عرف بان هدف العملية هو اغتيال
بوش. باقي الأعضاء، وعملهم عادة كان تهريب الويسكي عبر الحدود، قالوا انهم هربوا
القنابل بدون معرفة الهدف المراد ضربه..
وقد سحب الاسدي والغزالي اعترافاتهما أمام المحكمة، وأكدا انهما تعرضا للضرب المبرح فوقعا على كل ما قُدم لهما.. مؤسسة حقوق الإنسان Human Rights Watch شككت في عدالة المحكمة بعد ان تأك