الفصل الثامن: من قصص الصراع الحضاري.
الشعب العراقي شرقي حتى النخاع..
وحين جاء الغزو الامريكي، جلب معه طرق واساليب حياة جديدة.. رفضها الناس.. ندرس في هذا القسم بعض
قصص الصراع الحضاري بين الغرب والشرق.
1) قصة لنازك
عن هموم المغترب العائد..
من نافل القول ان المغترب عاد سنة 2003 على ظهر دبابة أمريكية.. ولكن لم
نسمع عمن وضع هذه المقولة في إطار تاريخي..فطوال سنوات القرن الماضي، واجه من عاد
للعراق من الغرب الكثير من المعوقات، ومصاعب الانتماء للمجتع
العراقي التقليدي المحافظ.. الى درجة انه يمكن القول ان العودة هذه المرة على ظهر دبابة محاولة لاجبار أهل الداخل على ان يتقبلوا
قيم العالم الخارجي الذي يعود المغترب منه..النظرية الأساسية التي أقدمها في هذه
المقالة هي ان: استخدام القوة والسلاح الأمريكي عبارة
عن محاولة أخرى للانتماء يقوم بها المغترب.. وهي محاولة مصيرها الفشل الذريع.. كما
توضح قصة ياسمين للشاعرة العراقية الكبيرة نازك
الملائكة.. حفظها الله..
وقد كتبت نازك هذه القصة سنة 1958، وموضوعها شعور
البطلة وداد بالاغتراب في المجتمع العراقي بعد ان عادت
من رحلة دراسية الى الولايات المتحدة كانت مدتها أربع أعوام..
تغيرت شخصيتها خلالها ففقدت عفوية التفاعل مع الناس في بلادنا. تقول البطلة:
ماذا يصنع البعد بنا؟ في أمريكا حسبت انه يقوم بعملية محو بطيء لما حملنا معنا من
عالمنا القديم، ولم يتح لي إذ ذاك أن أدرك الجانب الأهم من صنيعه بنا، أن البعد لا
ينسينا فحسب وإنما يضيف إلينا أيضا..أنهم يحسبون أننا نكتسب كثيراً من حياتنا في
الخارج، دون أن يتخيلوا الثمن الذي ندفعه، إن حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها
مباهج، وتكاليفها الشعورية في الغالب باهضة.. إننا نعود
الى الوطن وقد تغيرنا وتكونت في أنفسنا طبقات جديدة
أجنبية الطبيعة، تترسب في خلاياها وجوه غير مألوفة، وأصداء عبارات من مجالس
مجهولة، ورؤى أماكن بعيدة ودروب تتلوى في مزارع تختلف عن مزارعنا، وغرف في بنايات
لا تشبه بناياتنا..
لقد عشنا ماضياً له شوارع أخرى غير شارع الرشيد، وعلينا الآن ان
ننزع هذا الماضي من حياتنا نزعاً قاطعاً ، فليس من أحد هنا يشاركنا إياه، كل ماض
آخر لنا يستطيع أن يحيا في حاضرنا ما عدا ماضينا الأمريكي هذا فنحن ملزمون بأن
نخلعه ونرميه في لحظة واحدة. إن أهلنا وأحبائنا ينظرون اليه
في ريبة وحذر.. (الأعمال الكاملة – المجلد الرابع - 639 – 640 )
موضوع هذه الفقرة هو شخصية المهاجر الذي يعود الى
العراق.. فبطلة القصة تعود من الولايات المتحدة، ليس على ظهر دبابة أمريكية، بل
بطائرة مدنية (قد تكون أمريكية الصنع على كل حال).. وتحاول ان
تتأقلم مع المجتمع العراقي.. ولكنها تلاحظ انها قد نست
الكثير من طباع هذا المجتمع خلال فترة السفر.. وان أقاربها لا يتفهمون البتة انها صارت تنظر للحياة بطريقة مخالفة لتلك التي يتطلعون
للأمور بها.. والشاعرة العراقية هنا تؤكد انها – حتى
يتقبلها المجتمع العراقي – لابد ان تنزع الماضي من
حياتها. "كل ماضي آخر لنا يستطيع ان يحيا في
حاضرنا ما عدى ماضينا الأمريكي هذا فنحن ملزمون بأن نخلعه ونرميه في لحظة
واحدة". لان الأقارب والأحباب ينظرون اليه في ريبة
وحذر..
حسناً، هل تغير اي شيء في عصرنا؟ حالياً، الحكومة
العراقية بأكملها تقريباً جاءت من الخارج.. وتناست ان
كل فرد يحيا في الخارج لسنوات ينسى بعض الماضي العراقي، وتترسب في شخصيته طبقات
جديدة ورؤى مغايرة لتلك التي يحيا بها الناس في بلادنا.. وهكذا يحدث التصادم بين
وجهات النظر.. والشاعرة تقرر حفاظاً على صلاتها بأسرتها ومجتمعها ان تحاول تناسي الماضي الأمريكي وان تعيش مثل غيرها من بنات
العراق في ذلك العصر..فهي في نهاية المطاف تعتز بكونها عراقية، وتود ان ترتبط بشعب العراق وتعيش معه..اما
المجموعة السياسية التي جاءت من الخارج في عصرنا.. فهم مع الأسف يحاولون فرض
رؤيتهم على الداخل.. يريدون ان تصير أسرهم واقاربهم مثل أولئك الذي يشاهدونهم في شوارع وجامعات لندن ونيو يورك. ولذلك فقد كان من
الطبيعي تماماً ان تنتهي الأمور بصراعات ودوامات دماء..
تدل على رفض أبناء الداخل العراقي للنظام الجديد الذي يحاول من يأتي من الخارج
فرضه عليهم..
وبطلة قصة "ياسمين" الحقيقية هي طفلة عراقية صغيرة تبقى ترفض قريبتها
التي أتت من الخارج.. وتكاد محاولات هذه القريبة للتقرب من الطفلة ان تميتهما معاً.. نقول هنا: ان
هذه الطفلة هي العراق، وان من يأتون من الخارج ويحاولون فرض رؤيتهم ونظم تفكيرهم،
مهما كانت النية صافية ب"تحضير" ذلك الداخل "المتخلف" ، قد
تقتله – او تقتلهم في نهاية المطاف.. ما حدث في الفلوجة ويحدث في النجف ليس سوى دلائل على رفض الداخل لرؤية
من يأتي من الخارج..
أتذكر هنا أغنية عراقية تقول: "ون يا قلب.. لا ترحم الل
عافوك.. وتظل شماتة".. ونرجوا ان
يرحم من جاء من نيويورك الذين عافوه من الشعب العراقي.. حتى لو شمت به الناس.. فهو
في نهاية المطاف العائد من بلد أخرى، ولابد ان يسعى لفهم الشعب العراقي قبل ان
يرسل الطائرات الأمريكية لتقصفه.. كما قال أحد من عادوا من الخارج، د. أحمد الجلبي: "ليست النجف ستالين
جراد لتقصف"..
وعسى ان تقرأ حكومتنا الجديدة قصة "ياسمين" ،
وغيرها من أعمال كبار أدباء العراق، لتدرك انه لا يمكن لها
ان تفرض على
شعب العراق الحبيب أفكار تعلمتها من
نيويورك ولندن وسدني، مهما كانت تلك الأفكار صائبة .. فالصواب والخطأ يتغيران مع
نسبية الزمان والمكان. وما يعتبر صواباً في نيويورك قد يكون خطئاً ذريعاً في ..تكريت.. لنتذكر ان نازك الملائكة والسياب والبياتي أتوا من هذا الشعب، وانتموا أليه، ومن صلاتهم
وتوتراتهم في الحياة اليومية أنتجوا أعمالا رائعة مثل ياسمين وغيرها.. ولابد لابناء الخارج من المعاناة قليلاً حتى يستطيعوا التأقلم مع
طباع أهل الداخل.. يستحسن بادئ ذي بدء ان نستمع لنصيحة
شاعرة العراق الكبيرة، فننسى ما تعلمناه في الغرب، ونستمع الى
أقوال أقاربنا في بغداد والفلوجة والنجف وحتى العوجة.. وربما بهذه الطريقة يمكن ان
ننجح، وتأقلمنا مع العراق – الذي لن يكون كاملاً أبدا مهما حاولنا – سيبقى في
نهاية المطاف – كما توضح القصة – النصر الكبير.. والسعادة الحقيقية.. وسر النجاح الأدبي
والإبداع..
2) لما اناخوا قبيل الدير عيسهم.. الهجرة المسيحية من
العراق..
القيادات الدينية للاقلية المسيحية لا تتحدث عن هجرة اعداد
كبيرة منها.. والاقلية، التي تتكون من الاشوريين والخلدان والارمن ، والتي تبلغ
نسبتها 3 % من السكان، وتتجمع حالياً في المدن، تواجه ازمنة عسيرة. فان كان فقدان
الامن مشكلة يواجهها الجميع، بغض النظر عن الدين، الا ان المقاومة قد تتعمد الهجوم
على الاقلية المسيحية لان هناك من يعتبر الغزو الامريكي حملة صليبية مسيحية، ويشعر
بان هذه الاقلية تشجع الامريكان. وقد تعرضت الدكاكين التي تبيع الخمور للتخريب
وضرب اصحابها واحياناً قتلوا، وغالبيتهم من المسيحيين. والشرطة العراقية غالباً ما
تحمل جيش المهدي مسئولية هذه الهجمات على دكاكين الخمور.. "لم يعد رجال السيد
مقتدى يحاربون الامريكان، بل يحاربون لفرض الفضيلة على المجتمع."
السيد موفق الربيعي يعتبر الزرقاوي المسئول عن هجمات الكنائس– التي تسببت في قتل
11 ، وجرح 47 شخصاً - : "الزرقاوي يريد خلق فتنه بين المسلم والمسيحي، ويود
ان يترك المسيحي البلاد." وبين 102 مسيحياً قتلوا منذ ابريل 2003 ، نلاحظ ان
البعض قتلوا لبيع الخمور، وغيرهم بسبب عملهم في الترجمة مع قوات الاحتلال، وبعضهم
قتل بسبب طلب فدية لم تدفع.. فالشعب العراقي لديه فكرة ان المسيحي غني.. واخيراً
فقوات التحالف قتلت بعض افراد الاقلية.. بعدالة صدامية لا تفرق بين المسيحي
والمسلم في رصاصها..
والجالية المسيحية عانت اقل من الشيعة والاكراد في عصر صدام
البائد.. فالبعث لم يعتقد ان هذه الاقلية خطرة عليه، واعطاها حرية ممارسة الدين.
اما اليوم ، فالقيادات المسيحية تشتكي من سوء تمثيلها في الدولة الجديدة، وتخشى
بشكل حقيقي من تكون دولة اسلامية متطرفة. بعض القيادات المسيحية تود المطالبة بحكم
ذاتي يضمن لهم حرية ممارسة الدين .
وباستثناء احباط عدم قدرة قوات التحالف على توفير الحماية
لهم، تشتكي الجالية المسيحية من تعاطف امريكا مع فكرة تكوين دولة اسلامية في
العراق، الذي عاشت ديانة عيسى فيه قبل مجيء الاسلام بخمسمائة عام. قال احد زعماء
الجالية الاشورية مشتكياً من محطة العراقية:
يمول الامريكان العراقية، وهي تبث برامج دينية اسلامية اربع
مرات في اليوم، وساعتين يوم الجمعة، ولكن المحطة لا تذكر اي دين آخر.. يوم
الاحتفال بالدولة الجديدة، جاء قاريء قرآن وملة.. ولكن لم يأت ممثل لأي دين
آخر..لماذا؟ المفروض ان تدعوا قوات التحالف للديمقراطية والمساواة والحرية، لا
لدكتاتورية اسلامية..
وقد هاجر المسيحي العراقي الى سوريا، والبعض حصل على حق
اللجوء في استراليا وامريكا واوربا.. الجالية في استراليا كبيرة، يقارب عددها 25
الفاً.. هناك ايضاً جالية في ارمينيا.
لا احد يعرف بالضبط عدد الاقلية المسيحية في العراق، ولكن
التوقعات ان عددهم تضائل من مليون و400 الف عام 1987 الى 800 الف اليوم. بعضهم
يقول: نحن الهنود الحمر في العراق.. كنا يوماً ما الاغلبية، اما حالياً فاعدادنا
في تناقص مستمر..
اعتقد ان دولة اسلامية معتدلة
ستعطي الاقليات الدينية من الحقوق اكثر مما قدم لها البعث.. والله اعلم.. ومع ذلك،
فالحقيقة المرة هي كالتالي: بعد الهجوم
الاجرامي على الكنائس، واشتداد التعصب الديني، ستشعر الاقلية الباقية من المسيحيين
العراقيين بان الوقت قد حان لاناخة العيس... والهجرة.. وستكون مصيبة اكبر من بلاء
هجرة يهود العراق الى اسرائيل، حين تحول جيراننا لاكثر من الف عام الى الد الأعداء.
3) شجرة عيد الميلاد، في سياق صراع
الحضارات.
لن تحتفل الاقلية المسيحية في
العراق هذا العام بيوم عيد الميلاد المجيد. لن يستمع الكبار، بقلوب خافقة، للاطفال
يشدون بالاغاني الدينية بلغة المسيح الآرامية، التي غنوها حين كانوا صغاراً، ومثلت
استمرارية لتأريخ عريق، يربط الاجيال ببعضها البعض. غالبية الكنائس لن تضع بجوار الباب الشجرة
الجميلة، على اغصانها الانوار الخافتة والوهاجة، وبجوارها الهدايا المغلفة بالورق
الملون..
القيادات المسيحية في البلاد اعلنت
الغاء الاحتفالات للاحتجاج على التعديات على حرمات الكنائس والجوامع، وتعاطفاً مع
اسر وضحايا العمليات الارهابية. الطقوس
الدينية سيتم تقصيرها.. احتفالات منتصف الليل ستتحول الى ساعات الظهيرة.
الفرقة الامريكية- the punishers-
قررت، احتفالا باعياد الميلاد، وضع مجموعة من القنابل والمسدسات اسفل
الشجرة في بوابة المعسكر في بعقوبة.. فصارت الشجرة خير رمز يدل على ما الحقوه
ببلادنا من تدمير.. فبدلاً من الهدايا،
لم يصل لاطفال العراق من هذا الجيش سوى القنابل. صار العراق موقعاً لصراع حضاري تسميه
الولايات المتحدة "حرباً ضد الارهاب" تعاني الاقلية المسيحية الحبيبة في
وطننا مغبته اكثر من اي مجموعة عرقية او دينية اخرى.. فبسبب كون دين المحتل هو ذات
دين هذه الاقلية، اتهمها التطرف الاسلامي بالعمالة.. ومحاولة تنصير الاطفال،
وغيرها من اقوال ما اتى الله بها من سلطان.
ولهذا الوضع سابقة تاريخية: فحين
غزا المغول العراق، تعمدوا عدم التعدي على المنازل المسيحية، وتوظيف المسيحي في
اعمال الدولة.. وكان السبب حينذاك الرغبة في التقرب من الدول الغربية، وتشجيعها
على القيام بحملة صليبية جديدة. وبالطبع دفعت الاقلية المسيحية حينذاك ثمنا باهظا
وواجهت الكثير من العنف الذي لم تواجهه في العراق في اي وقت سابق او لاحق حتى جاء
الزمن الامريكي..
الاخت بنينيا هرمس شوكوانا مديرة
مدرسة "ابتكار" بجوار شارع
فلسطين تشتكي ان التطرف الاسلامي يحارب مدرستها.. وزعوا منشورات تحث الاسر على
اخراج التلاميذ منها، ولكن الراغبين في الدراسة تتزايد اعدادهم برغم التهديدات.
والاخت بنينيا من مواليد 1940 في
قرية شمال الموصل. وانضمت لدير الاخوات المسيحيات وسنها 11 عاماً. ولكن الكتب
والدراسة شدتها. فقررت العمل في مجال التعليم. ادارت مدرسة في دهوك يوماً، واخرى
في البصرة لاحقاً. هاجرت الى الخليج وعادت في مطلع السبعينيات وبدأت بادارة مدرسة
"ابتكار". حاول البعث ضمها الى صفوفه فرفضت، وبقت في وظيفتها بعد اصرار
اسر الطلبة على ان تدير المدرسة. بعد الغزو الامريكي، واجهت اللصوص بلا سلاح،
وكانوا يخجلون ويذهبون. ولكن حرب الحضارات الحالية هي اسوء ما شاهدته..
كان هناك
تهديدات في الموصل رمضان الماضي هدفها اجبار المسيحيات على التحجب. ثم
تعرضت محلات بيع الخمور لتفجيرات، وقُتل
بعض التجار وضُرب غيرهم.. ثم تمت عمليات قصف الكنائس في اغسطس. وقتل 10 افراد،
وجرح 50 . بعضهم من المسلمين، سكان المنازل المجاورة. يقول القسيس بطرس حداد، في
كنيسة العذراء مريم الخلدونية في بغداد، "حين تمت تفجيرات اغسطس، تجمع
جيراننا من المسلمين، وهدأوا روعنا، ووعدونا بالوقوف معنا." هكذا كان الشعب
العراقي دائما يساعد افراده بعضهم بعضا في الاوقات العصيبة.
العام الماضي، احتفلت الاقلية
بذهاب نظام صدام الى مزبلة التاريخ، بزيارات بابا نويل ، والمواعظ المتفائلة
الحالمة بمستقبل افضل للعراق.. وباشجار مضيئة جميلة. ومع ذلك، اكد الكثير من
اعضائها انهم عراقيون اولا واخيراً، وانهم لا يقلون رغبة في خروج الاحتلال من
ابناء الفلوجة. والاقلية المسيحية تدرك تماما ان المنتمين لكل طائفة ودين في
العراق يشتكون حالياً من تعديات قاسية، تهدف لصناعة الحرب الاهلية. ولذلك تجدهم
يؤكدون على انتمائهم للوطن في هذه الايام الصعبة.
في ظل هذه المعطيات، قررت الاقلية
المسيحية في العراق، وتعدادها حوالي 800 الفاً، اي ما يعادل 3 % من السكان، عدم
الاحتفال بعيد الميلاد عام 2004، لئلا يتهمهم الناس بقيم مشتركة مع المحتل. ونظراً
لان الشجرة تدل على روح احتفالية، ويلاحظها الناس، فقد قرروا عدم شرائها. وهكذا
يشتكي تجار بيع الاشجار بان المبيعات قلت الى اقل من نصف ما كانت عليه العام
الماضي. وحتى قبعات بابا نويل المصنوعة من الفرو الزاهي الالوان، والاضواء الصغيرة
التي تُعلق على الشجرة، لا احد يقتنيها. ثياب الاحتفالات الجميلة بقت معلقة على
نوافذ الدكاكين.
القلة التي ستحتفل تفعل ذلك تحدياً
للارهاب، حتى لا ينجح الارهابي في تحقيق اغراضه الشريرة. فالعراق لكل اهله، لا
للمتطرف فحسب. البعض سيذهبون الى الكنائس لتحدي الارهابيين، والبعض الاخر سيقيمون
الاحتفالات في منازل تجتمع فيها الاسر وتبات.
فلا يمكن العودة للمنزل بعد غياب الشمس بسبب تدهور الاوضاع الامنية...
وبالرغم من التهديدات والخوف، تذهب
الاخت بنينيا لمدرستها.. بلا حارس. 16 من تلاميذها غادروا البلاد، ويقال ان عدد من
هاجروا من الاقلية المسيحية قارب ال 10 % من تعدادها الكلي. كل يوم تزورها اسر تفكر في الرحيل، فتحاول
اقناعهم بالبقاء: " العراق منزلنا، في الخارج سنكون اغراباً. لابد ان ندافع
عن منزلنا ونحافظ عليه."
من مصادر المقالة:
Christians face a season of ill-will
Times Online
In Iraq, many churches cancel Christmas celebrations
![]()
Knight Ridder Newspapers
from the
For
US troops, a holiday lift from home
| Correspondent of The Christian Science Monitor
4)حول إجبار فتيات
الجامعات على ارتداء الزي الشرقي.
في اوائل اكتوبر 2004، اختُطفت التلميذة
العراقية، رنا فؤاد، من بوابة جامعة المستنصرية. ثم عادت الى الكلية بعد اقل من
ساعة.. ولكنها لم تقدر على مواصلة الدراسة منذ ذلك اليوم الحزين.. ما حدث خلال هذه
الساعة يمكن اعتباره انتهاكا لانسانية رنا. تقول شذا لوصف ما حدث لصديقتها: "ثلاثة رجال خطفوا رنا. قالوا انهم
سيحرقون وجهها بالسوائل الحارقة لو ارتدت الثياب الغربية (بنطال الجينز) ثانية. ثم
طالبوها بالتحجب مؤكدين ان هذه فرصتها الاخيرة.. وهي اليوم في حالة نفسية سيئة للغاية
ولا تريد الرجوع للجامعة."[i]
وقصص فرض التيار السلفي للثوب الشرقي والحجاب على الطالبات
معروفة ومتواترة. والناس غالباً ما تستنكرها، وتقول ان هذه ظاهرة جديدة ليس لها
سوابق في المجتمع العراقي، وانها مما جلبته عصابات الارهاب الزرقاوية معها من دول
الجوار. ولكن الواقع هو ان شريحة عريضة من مجتمعنا محافظة، وتؤمن بان الغرب هو
الذي يجلب معه الفساد الاخلاقي والانحلال..
اتذكر مثلاً ان اول احتجاج صدر ضد الاحتلال من عامة الناس في مايو العام
الماضي، كان شكوى من ان الامريكيات يرتدين
"الشورت"، وهو اتهام شعرت حينذاك ان عملاء النظام المقبور يستخدموه لخلق
التوتر في البلاد. ولكن اتضح اليوم ان هناك تياراً قوياً في الداخل يفكر بهذه
الطريقة. وهذا التيار المحافظ يعتبر بنطال الجنز، واللبس الغربي بشكل عام، رموزاً
تدل على تمكن ثياب (واسلوب حياة) الاحتلال من اختراق عادات وطباع مجتمع يتفاخر
بكونه شرقياً محافظاً.
وهكذا، وفي عصر احتلال الغرب للعراق واستباحته، تتحول
الثياب الى ساحة من ساحات الحرب بين قيم الشرق والغرب.
ومن المفهوم أن للثياب رمزية. مثلما يرمز مكدونالدز للوجبة
السريعة، رمز أسلوب الحياة الأمريكية. وهكذا يمكن فهم أسباب غضب بعض أبناء الشعب
العراقي من ابنة الرافدين التي ترتدي الجينز، الذي يرمز للكاوبوي.
وان كنت لا اوافق
هذا التيار المتطرف في ما يفعله البتة، الا اني ادرك ان له تاريخ. واقدم هنا بعض
الامثلة من عصور سابقة لتوضيح ان هذه ليست اول مرة ادعى فيها ابناء الرافدين ان
الاحتلال يجلب معه الانحطاط الخلقي، بل وربطوا هذه القضية بثياب المرأة الشرقية.
فحين واجه العراق الاحتلال البريطاني في الربع الاول من القرن العشرين، اكتظت
المجلات الادبية والثقافية بمقالات تنتقد تحرر ازياء النساء لدرجة تفكك الاسرة.
الفكرة الاساسية كانت ان الاحتلال هوسبب الفساد الذي أدى لهذا الوضع المزري.. مثلاً يكتب السيد جميل المدرس بصراحة في جريدة
المفيد عدد 239 ، عام 1924، أنه يعتبر الانحطاط الأخلاقي الذي يراه في عصره من
نتاج الاستعمار. "انظر قليلاً إلى الأخلاق والعفة التي كانت موجودة عند البنت
العراقية قبل الاحتلال وبعده." وهو هنا يشتكي أن النقاب صار "أرق من
هواء النسيم"، وأن النساء صرن يرتدين عباءة واحدة فحسب في الشارع!! المرأة
فقدت أخلاقها الطيبة بعد الاستعمار ، وبسببه.
توضح مقالة السيد جميل المدرس هذه أن الثوب الشرقي يعتبر، لغالبية الرجال
في مجتمع محافظ، رمزاً لتراث عاشوه لأجيال، ويخشون ان ياخذه منهم الاحتلال. وقد
نظم الحاج عبد الحسين الأزري – عام 1922 - قصيدة أوضحت ارتباط ثياب الفتيات بالهوية الشرقية يقول
فيها:
أكريمة الزوراء لا يذهب بك النهج المخالف بيئة
الزوراء
حصروا علاجك بالسفور وما دروا أن الذي حصروه
عين الداء
أسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح
الماء
وحديقة الثمر الجني ترصدي عبث اللصوص بليلة
ليلاء [ii]
وهذه
القصيدة توضح ان الثياب جزء من حروب الثقافات. فالسيد الأزري يشبه البنت بالوطن
("سفينة الوطن العزيز").. مما يدل على ارتباط المؤنث والخوف عليه
بالشعور بان الوطن مستهدف ويمكن ان يتعرض للغزو والتدمير. المرأة في هذه الصور رمز
طاهر مثل تراب الوطن لا يصح ان يصل له مفسد او محتل. والأزري يقول كذلك إن السفور
هو عين الداء، لا الدواء. هو هنا باختصار يتحدث عن الاستعمار، ويعتبر الزي الشرقي
المحافظ نوعاً من المقاومة، ورمزية قوله واضحة.
وهكذا
يمكن القول ان قضية فرض الحجاب في الجامعة العراقية انما هي رؤية رجولية (محافظة
متطرفة) لما ينبغي ان يكون حال المرأة في ظل الاحتلال. فالرجل المحافظ يعتقد ان
ارتداء الفتاة العراقية للجينز والسفور انما يدل على استسلامها للنمط الغربي من
الحياة.
وهذه
بعض معاني اجبار الفتيات على التحجب في بلادنا.
ولكن،
من الضروري ان نلاحظ وجود وجهة نظر نسوية مخالفة لافكار الرجال في هذا الشأن. ففرض
الحجاب على الفتيات بحجة انه تمسك بالقيم الشرقية في مواجهة الاحتلال غير مقبول
لهن قطعيا. اول رد فعل على اجبار الفتيات في الجامعة على التحجب هو تقديم ثلاثة
الاف فتاة جامعية لطلبات بتاجيل الدراسة هذا العام، بحجة تدهور الاوضاع الامنية.
ووافقت ادارة شئون الطلبة على الف منها، بينما تبقى الفي حالة قيد الدرس.
ومن المحزن ان عصابات التطرف لا تفرق بين
المسلمة والمسيحية في فرض التحجب. الفتاة المسيحية فيفيان كيوكوس، التي تدرس
الهندسة الالكترونية في جامعة بغداد، ترتدي الحجاب اليوم في الشارع. تقول فيفيان:
لا يوجد فتاة في الكلية لا ترتدي الحجاب حالياً. عصابات الارهاب ترصد اي فتاة غير
محجبة." اما فدوى، فتقول: "التطرف يزداد قوة كل يوم. ويستطيع بيسر تنفيذ
تهديداته. اخشاه لاني اعرف ما هو السائل الكيماوي."
ومن الطريف ان اكثر من يعارضن فكرة اجبار
الفتيات على التحجب هن المحجبات.. فحين
حاورت جريدة واشنطن تايمز فتاة عراقية، رشا يعقوب، التي تدرس الهندسة،
واختارت التحجب منذ سبع سنوات، اكدت الفتاة ان الحجاب كان اختيارها، ولكنها لا
توافق على فرضه على بقية الطالبات. تقول رشا:
"الحجاب يحب ان يكون اختيارياً، لا اجبارياً. ان اجبار الفتيات على التحجب يتعارض مع حقوق
المرأة العراقية وكرامتها ودورها في المجتمع." وما تعنيه رشا هنا هو ان
الانسان يختار الاخلاق، ولا يمكن فرضها عليه. والقاعدة الشرعية "لا اكراه في
الدين" واضحة ومنطقية. يمكن محاسبة المرء علىما يفعل فقط حين يختار ذلك
الفعل.
حاولت في هذه المقالة تاكيد ان التطرف الديني
ليس، كما يعتقد البعض، ظاهرة دخلت للعراق من دول الجوار. وقدمت بعض الامثلة لتوضيح
ان المجتمع العراقي يميل للمحافظة الاخلاقية بشكل عام، وان معركة الثياب التي تدور
رحاها حالياً في وطننا الحبيب ناتجة عن الاحتلال، وتهدف الى ابعاد الفتيات عن
الثياب الغربية. وكما لاحظنا كذلك،
فالفتاة العراقية تعتبر محقة ان هذا تدخل عدواني في شئونها الشخصية. اما القاعدة
التي يمكن الوصول لها، ان امكن الوصول لقاعدة بشأن بلد متنوع الاعراق مثل العراق،
القاعدة العامة هي انه: كلما زادت حدة الهجمة الغربية على البلاد، كلما ازدادت في
ذات الوقت، وكرد فعل، نزعة المحافظة لدى الكثير من الناس.. وتكون اول ضحايا هذه
المحافظة حريات الافراد الشخصية.. وفي نهاية المطاف، يقال انه من المعروف عن الشعب
العراقي العناد.. وكلما حاول الغرب تغريب هذا الشعب، تجده يتجه اكثر نحو القيم
التقليدية الشرقية. اما ان تركته يسير اموره، فاتوقع ان يميل للاعتدال بلا تطرف
نحو هذا الصوب او ذاك.
5)
أبو نؤاس وتفجيرات دكاكين الخمور في العراق..
(اهدي
هذا النص المتواضع مع خالص المحبة الى روح شاعر العراق
المبدع، رحمه الله وادخله رحاب جناته.)
كل من عاش في بغداد الستينيات والسبعينيات والثمانينيات
يعرف الإجابة على السؤال: ما الذي يجمع شاعر وشارع وكأس؟ أبو نؤاس.. بالطبع.
قال هذا الشاعر عن الخمر يوماً (في قصيدة معروفة عده
المأمون اشعر شعراء عصره بسببها):
فتمشت في مفاصلهم
كتمشى البرء في السقم
فعلت في البيت اذ مزجت مثل فعل الصبح في الظلم.
فاهتدى ساري الظلام بها كاهتداء
السفر بالعلم[iii][1]
وهي من عيون شعره.. اذ يصف فيها
التحولات في نفسية الشارب للخمر.. فالهموم تختفي، مثل ما تعود الصحة للجسد المريض.
ويرى الدنيا نوراً، بعد ان كانت ظلاماً. [iv][2] وهو هنا يقول ان الخمر مثل دواء يشفي
المريض.. ويشبهها بنور المصباح يضيء دجى الليل القاتم..
وقد قال ابو نؤاس يوماً في قصيدة
معروفة متحدياً الغلو الديني في عصره:
الا اسقني
الخمر وقل هي الخمر ولا تسقني سراً ان أمكن الجهر.
وبعد مرور اكثر من ألف عام، يتذكر أبناء الرافدين هذا
البيت، معبرين عن ضيقهم بالقوى المتطرفة التي تحاول منع من يريد الخمر من الوصول اليها.. هم لا يدافعون عن السكر والعربدة.. ولكن يعتبرون شراء أحدهم للخمرة شأناً شخصياً، لا
يجدر بالمجتمع التدخل فيه..
وقد وصف ابو نواس في العديد من القصائد بائع الخمر. بل ان وصفه من التقاليد التي أسسها والتزم بها. وهو يقول في قصيدة طريفة واصفاً شخصية خمار بتفصيل ممتع ما يلي:
وفتيان
صدق قد صرفت مطيهم الى بيت خمار نزلنا به ظهرا
فلما
حكى الزنار ان ليس مثلما ظننا به خيراً فظن بنا شرا
فقلنا
على دين المسيح ابن مريم فأعرض مزورا
وقال لنا هجرا
لكن
يهودياً يحبك ظاهراً ويضمر في
المكنون منه لك الغدرا
فقلت
له ما الاسم قال سموءل ولكني
أكنى بعمرو ولا عمرا
ما
شرفتني كنية عربية ولا أكسبتني
لا ثناء ولا فخرا
ولكنها
خفت وقل حروفها وليست كأخرى إنما
جعلت وقرا
فقلت
له عجباً بظرف لسانه أجدت ابا عمرو فجود لنا الخمرا[v][3]
وابو نواس هنا يرسم صورة وصفية
ظريفة لشخصية بائع الخمر. فقد ظنوه مسيحياً، وظهر انه
يهودي "يضمر في المكنون منه لك الغدرا".
واسمه سموءل، وان سُمي عمرا. وهو لا يتسمى بهذا الاسم
إنكارا لاصله وعقيدته، بل تسهيلاً. وهذا تعليق على مدى الحرية التي أتاحتها الحضارة
الإسلامية للأقلية اليهودية حينذاك..فالخمار يقدح العرب كما يريد، ويتسمى باسم
عربي تسهيلاً، لا إخفاء لدينه.
من الممكن المقارنة بين ذلك العصر المزدهر والزمن الأمريكي المقيت، حيث لا يوجد سوى خمار واحد
يجرأ على بيع الكحول علناً في بغداد. وهو زهير حكيم، اكثر تجار البلاد نشاطا
وجرأة. فهو يواجه القنابل والتهديد بالقتل كل يوم من قبل الجماعات الأصولية..
ويبيع الخمر للمسلم والمسيحي على حد سواء. يقول: "أنا الوحيد الذي أبيعها
علانية ولا فخر"[vi][4] بينما يعد قناني وسكي لعميل، ويطلب من مساعده، سيف ، جلب بيرة هانكن لزبون آخر.
تسائل زهير: "وهل يتوهمون انهم سيذهبون للجنة لو
قتلوني؟ هذه عصابات منافقة جبانة. المجتمع العراقي يشمل المسلم والمسيحي والآشوري
واليهودي."
الشهر الماضي، تمت عمليات تفجير متناسقة لأربعة دكاكين لبيع
الخمرة، الساعة الحادية عشر مساء..صباح اليوم اللاحق، لم تجد في بغداد كأساً
واحداً من الروحانيات للبيع. كل من يبيع الخمرة خشى
مغبة الخروج من الدار.. الا السيد زهير حكيم، الذي لا
يتخلى عن مريديه ساعة احتياجهم له. وهكذا عاد لعمله ولسان حاله يقول: "ولمن
يذهب صاحب المزاج الذي يريد ان ينسى هموم هذه الحرب
الملعونة؟ دع الناس على الأقل تحتسي الخمر وتنسى بلواها."
تقول له: الا تخاف من ان يقتلوك يا زهير؟ فيجيبك بلا مبالاة: "بلغت الرابعة
والخمسين. شاهدت حروباً كثيرة. وربما أعيش وأشاهد نهاية هذه الحرب
أيضا." ويستطرد متنهداً، "ولي
زوجة وأطفال لابد من ان أعيلهم."
وعمليات تفجير المقاصف لا تتعلق بطائفة بدون أخرى. ففي
مناطق الشيعة والسنة على حد سواء تمت التفجيرات: من البصرة مروراً بالنجف حتى
بغداد وبعقوبة والفلوجة.
والجماعات الإسلامية تتصرف طبقاً لفتوى صدرت بعد ان استفحلت الجريمة في البلاد.. والفتوى كان هدفها التهديد
اكثر من التنفيذ، حتى يخاف الناس من ارتكاب الجرائم. وهي تنص على استباحة دم : من
يسرق البيوت، ويخطف الناس، ويقوم بعمليات السطو المسلح، ويتجسس، ومن يمارس القوادة، ويبيع الخمر والاسطوانات البذيئة، والمخدرات.. وان
كانت معاقبة من يرتكبون بعض هذه الجرائم البشعة التي دمرت البلاد (وخصوصاً قتل
الناس، وبيع المخدرات لأطفال المدارس علناً في الشارع) مفهومة لردع المجرم في
الظروف السيئة الحالية، الا ان
بيع الخمر، كما هو واضح، تختلف تماماً عن باقي
الجرائم. فمن يبيعها لا يتعدى قانونياً على أحد.
وكان بيعها مقنناً في العصور المختلفة، منذ عهود بني عباس (الذين
"استغنوا بحلال النبيذ عن حرام الخمرة"[vii][5]) الى عصر صدام – الذي قيل انه كان
يوماً من عشاق الشمبانيا..
أحد الذين تم تفجير حوانيتهم السيد خليل.. يقول بحزن وهو
يتطلع بعين ساخطة للدمار: "خسرت حوالي 7 ملايين دينار حين فجروا المخزن.. كان
هناك بعض القناني المعتقة. وأنا أخاف العودة للعمل ثانية. سيقتلونني المرة
القادمة. " وهو يتذكر ان بعض الملتحين جاءوا
وناقشوه وحذروه من مغبة بيع الخمور للأطفال، وهموم اتجاه الشباب للإدمان في ظروف
البلاد العصيبة.. أكد انه لا يبيع الخمر لمن يقل سنه عن ال
21. ولكنهم أرادوا أقفال الحانوت..فأكد لهم ان له
أطفالا لابد من أعالتهم..ثم تم التفجير.[viii][6].
يقول ياسر عبد الله، أحد زبائن السيد زهير، ضاحكاً، وهو
يشتري قنينة فودكا: "لا علاقة لهؤلاء الأوغاد
بالإسلام .. صدقني هم يسرقون القناني ثم يفجرون المكان للتغطية على الجريمة"..
كثيراً ما يتحدث ابو نواس عن الرفاق الذين يلتقي معهم للشرب. فهم – في قصيدة
معروفة - محاربين، في معركة اللذة والنشوة، يتنافسون فيمن يقص اكثر الحكايات
إمتاعا، واجمل الأشعار. ولكل منهم حقوق
وعليه واجبات في التعامل مع بعضهم بعضاً.
يصفها الشاعر في القصيدة التالية:
حقوق الناس
والندمان خمس فأولها التزين
والوقار
وثانيها
مساعدة الندامى وكم حمت
السماحة من ذمار
وثالثها وان
كنت ابن خير البرية محتداً
ترك الفخار
ورابعها
وللندمان حق سوى حق
القرابة والجوار
إذا حدثته فاكسو الحديث الذي حدثته ثوب اختصار
وخامسها يدل
به أخوه على كرم الطبيعة
والنجار
كلام الليل
ينساه النهار فان الذنب فيه للعقار
فان حكمت كأسك
فيه فاحكم له بإقالة عند العثار..[ix][7]
يقول الشاعر هنا ان للندامى خمس
حقوق: فاولها الوقار في التصرف، اي
عدم الابتذال، والتبجح على الآخرين، والسخرية منهم. وثانيها: مساعدة الندامى، وهذا
يحدث اذا سكر أحدهم
واحتاج للمساعدة. اما الحق الثالث: فهو تجنب
التفاخر، الذي يعني ان المتحدث يعتبر نفسه افضل ممن
يشربون معه. رابعها تجنب اللغو، والاختصار
في الحديث. ولابو نواس قصيدة معروفة يشتكي بها من بعض
صحبه لانشغالهم بالنوم عن الشرب. "هبو خذوها فقد
شكانا الى الإبريق من طول نومنا القدح" وهي صورة
لطيفة يشتكي فيها القدح الى الابريق
من أنشغال المجموعة عنهما بتبادل أطراف الحديث.
وخامسها: هو ان وعود السكير يلغيها الصباح. لان الفرد
لا يكون في حال وعي. وهذه القصيدة الممتعة توضح أساسيات سلوك من يشربون. اي ان لهم أخلاقيات بعينها. وابو نواس في قصيدة أخرى يؤكد على ضرورة ابتعاد من يشرب عن
النميمة. "اكفف لسانك عن عيوب الناس". وينصح الشارب بان يجعل حديثه
"كله في الكاس."[x][8]
وأخلاقيات الشرب الجماعي التي يذكرها أبو نواس تعطلت لزمن
طويل.. فشباب هذا العصر يواجهون صعوبات حقيقية في العثور على حانة يتبادلون فيها
أطراف الحديث والشراب. أتاح صدام يبع الخمور، ولكنه اقفل الخمارات. وفي عصر الغلو
والتطرف الديني، لم يعد العثور على خمارة بالأمر الهين. ولكن توجد واحدة.. في
البصرة، أمام معسكر بريطاني، تجتمع فيها كل ليلة مجموعة من أصحاب الكيف الفارين من
هموم الحياة، وصعوبة العيش. ومن الممكن اعتبار بعضهم من صفوة المجتمع.. فبينهم
الطبيب والمحامي والقاضي. ولكنك تجد بينهم كذلك التلميذ والشقي[xi][9].
وهذه المجموعة تسكر بجوار المعسكر، وتسب الجيش البريطاني
بأقذع الأوصاف بعد الكأس الثالث. فمنذ بضعة أيام مرت عربة مسرعة أطُلقت منها النار
على الموقع القريب من شط العرب.. فأردت ثلاثة سكارى قتلى.. وبقي الجيش البريطاني
يتفرج رافضاً التدخل.. "وهل السكر جريمة حتى لا يحموننا؟" قال أحد
السكارى مندداً بهذا البرود الإنجليزي العجيب!!..
يقول وليد البيري، الجندي
السابق، بائع المثلجات حالياً: "كثيراً ما أطلقوا النار علينا.. ولكن لن اكف
عن الشرب.. صدقني، اشرب البيرة لاني احب الحرية. أتحدى
الدنيا ، ولا أخاف إظهار القنينة.. العمر واحد يا سيدي. ولن تموت قبل اليوم الذي
كُتب لك ان تترك الدنيا الفانية فيه."
يعلق المحامي السيد المهداوي على
الموضوع، "صدقني، هؤلاء البريطانية مجانين.. كان الشعب العراقي سيدعمهم لو
حموه. ولكنهم لا يحموننا حتى ونحن نحتسي الخمور الأوربية." ثم يستطرد جاداً:
"لابد من تطوير مواقع يستجم فيها المواطن. يجدر بالقوات البريطانية رفع الروح
المعنوية للناس عن طريق صناعة أماكن نسترخي فيها.. ابغض صدام، فهو حرمنا حتى من خمارة نشرب فيها
كأساً هنيئة.".
ولكن كراهية السكارى لصدام لا تعني اي
تواطأ مع الاحتلال.. بالعكس هم يعتبرون بريطانيا وأمريكا اطقع
من صدام. فالأحزاب الدينية المتطرفة اليوم تسرح وتمرح في البلاد بلا رادع.. وتتحكم
في الحياة الثقافية للإنسان. وكل سكير يعيش خائفاً.. وكأن صدام لا يزال قابعاً في
حفرة يراقب كلا منهم بعين لا تنام..
يقول ياسر الشاب الذي يدرس القانون: "الناس تخاف،
وتسكت لان الجماعات الإسلامية تحارب الاحتلال الجاثم على بلادنا.. ولكن هذا لا
يبرر تدخلها في شئوننا الشخصية. لابد لنا من مواجهة هذه الجماعات المتطرفة حتى
نستطيع الحياة.. لا يمكن ان نقضي أعمارنا خانعين."
يقول أحد الظرفاء: "ليعودوا الى
سوريا، او إيران، او
السعودية، او اي مكان آخر
جاءوا منه، ويتركونا نحتسي كئوسنا بهدوء. ما أدراك، ربما في اللحظة المقبلة تأتى
عربة مسرعة، وتطلق النار او تفجر القنبلة.. وتتم صناعة
مقبرة جماعية جديدة خاصة بالسكارى. دعنا نحتسي الكأس بهدوء. فربما لا يكون هناك
كأساً أخرى بعدها."
تتعاطف الدولة العراقية الجديدة نوعاً ما مع احتياج الناس
لاماكن عامة للاستجمام. فغالبية الشخصيات التي تتخذ القرارات اليوم ممن عاشوا في
الغرب، ويتشوقون لاستعادة أيام شارع "ابو
نواس". والكثير منهم لعبوا مع باقي الأطفال في حديقته الغناء حين كانوا
صغاراً. وقد زار محافظ بغداد الجديد، السيد علاء محمود التميمي،
الشارع، وأحزنه كثيراً ما أصابه من خراب[xii][10]. اليوم تتراكم القمامة على الأرصفة، ومياه المجاري تزكم رائحتها
الأنوف.. نصف الطريق مقفل بسبب حواجز تفتيش ضرورية لحماية الأجانب المقيمين في
فندق مجاور. قلة من المطاعم تفتح أبوابها، فالزبائن لا تستطيع الوصول للشارع بسبب
الظروف الأمنية، ولكن أصحاب المطاعم كذلك يخافون فيقفلون أبوابهم باكراً.. من يصدق
ان هذا الشارع كان يوماً ما قلب العاصمة النابض، يتماوج
مع دجلة، وعلى الضفة المطاعم والمقاهي الزاهية. في الصيف خلال الأعوام الذهبية
الجميلة، في عصر عبد السلام وعبد الرحمن عارف (وهما بالمناسبة من مواليد الفلوجة).. في ذلك الزمن الجميل حين شعرنا بالأمان، وامتلكنا
مساحة للحلم، كانت أسرنا تاخذنا لتناول السمك المسقوف،
وحين عثرنا على الحب الأول، وتوهمانه الأخير والوحيد، التقينا خلسة بالحبيب في
حديقة حشيشها سجادة ورد، تم تطويرها لاحقاً لتصير جنة
من الجنان. ثم جلب نظام صدام الحروب والدمار. وجاءت سنوات الحصار العجاف. ومنع
الناس من دخول الحديقة لدواعي أمنية. ولم يفهم صدام ان
روح الدين الإسلامي السماحة، واحترام حقوق الناس، واستبدل بهذه الأسس الإنسانية
منع حانات الشارع من بيع المشروبات الروحية..
يقول السيد التميمي: "خزن
جرح بغداد، ولمداواته، لابد ان يتعافى شارع أبو نواس أولا." وهكذا قررت الدولة صرف مليون دولار لبناء سوق
مركزية، وإعادة الحديقة لمجدها القديم.. وتطوير المطاعم الباقية في الموقع..
العمال هنا يقبضون 5 دولارات يومياً لرفع القمامة وتحديث نظام الري والصرف الصحي..
ومع ذلك، فصاحب أحد المطاعم القديمة في هذا الشارع العريق يقول: هذه إشاعات.. هم
سيهدمون القليل المتبقي في الشارع ويتركوه.. كان العراق يوماً جنة، فأضعناها..
والشارع اليوم جحيم لا تطاق الحياة فيه..
قيل ان الشاعر ابو نؤاس، حين وافته المنية، ساعة الاحتضار الحزينة، نظم
الأبيات التالية وتمنى ان تكتب على قبره،
يارب ان عظُمت ذُنوبي كثرةً فلقد
علمتُ بأن عفوك أعظمُ
إن كان لا
يرجُوك إلا محسنٌ فبمن يلوذُ
ويستجيرُ المجرمُ
أدعوك رب كما
أمرت تضرُعاً فإذا رددت يدي فمن ذا
يرحمُ
مالي إليك
وسيلةٌ إلا الرجا وجميلُ
عفوِك ثم أني مسلم..[xiii][11]
وقيل انه حضر لأحد أصحابه في حلم، فسأله الصديق عما حل به،
أجاب: غفر عز وجل ذنوبي بسبب هذه الأبيات.. التي يدعي البعض أنها اجمل ما قيل في
التضرع وطلب المغفرة في الشعر العربي. وهكذا أبناء الرافدين، يجدون ويبدعون سواء
في طلب لذات الحياة او الغفران ان
تجاوزوا. والعراق على مدى تاريخه العريق، انجب الكثير من كبار علماء الدين، ولكن
عاش فيه كذلك السكير وصاحب المزاج. وتعايشا سوياً.. وعسى روح التسامح والمغفرة
تضمهما ثانية في يوم قريب.
[i]
Women Fleeing College Under Islamist Threats. مقالة نشرت
في واشنطن تايمز بتاريخ 17 – 10 – 2004 . كل
المعلومات التي تتناول قضايا الطالبات في الجامعات العراقية حالياً مستقاة من هذا
المصدر.
[ii] خيري العمري، حكايات سياسية من تاريخ العراق
الحديث. دار الهلال: القاهرة، 1969. ص. 99 – 101.
[iii][1] [iii][1] ديوان أبي نواس: حياته، تاريخه، نوادره، شعره. المكتبة الاهلية، بيروت. اعتمد المصدر ذاته للنصوص الشعرية اللاحقة.
[iv][2] نفس المصدر، ص. 11
[v][3] المصدر ذاته، ص. 141
[vi][4] Toby Hardon.
The Man who ignores Bombs to Sell Alcohol.
News. Telegraph.
[vii][5] محمد رضا الشبيني مؤرخ العراق ابن الفوطي.... مطبعة التفيض، بغداد،
1950. ص. 195
[viii][6] Rory McCarthy
The Observer.
[ix][7] ديوان ابي نواس: حياته... ص. 157 .
[x][8] المصدر ذاته، ص. 170
[xi][9] Toby Hardon "in the Last Dance Saloon
With
[xii][10] Jackie Spinner. Bringing Back a Dying
[xiii][11] نفس المصدر، ص. 220 .
|