لماذا قللت الدولة من عدد ضحايا الجريمة المنظمة في إحصائها؟ حكاية د. محمد علي القيسي

 

قدمت الدولة العراقية هذا الأسبوع أول إحصاء رسمي لعدد ضحايا الإرهاب والجريمة المنظمة خلال العامين الماضيين. والرقم الذي يذكره الإحصاء حوالي ستة آلاف قتيل، و16 ألف جريح. قال السيد بختيار أمين وزير حقوق الإنسان لرويترز "هؤلاء المسلحون ينخرطون في النهب والإرهاب والقتل والاغتصاب والاتجار في المخدرات وقطع الرؤوس."   وأضاف "هناك نحو ستة آلاف عراقي قتلهم هؤلاء و16 ألفا أصيبوا" مستندا الى إحصائيات تم الحصول عليها من خلال سجلات وزارة الصحة ووزارة حقوق الإنسان ووزارة الداخلية ووزارات أخرى.

وهذا الإحصاء للضحايا يتعمد الخلط  بين القتل الجنائي وضحايا التمرد. ولو توقف التمرد اليوم، ستبقى الجريمة المنظمة مشكلة كبيرة تواجه الحكومة الجديدة.

كما أن الرقم الكلي للضحايا – 6000 –  أقل من الواقع. وكلنا نتذكر رقم 100 ألف الذي قدم سابقاً ، وذلك الرقم يشمل ضحايا العمليات العسكرية للقوات الأمريكية في النجف والفلوجة ومدن أخرى. وربما الحقيقة تكمن في مكان ما بين الرقمين.

وحسب مجلة لوس أنجلس تايمز،  فعدد ضحايا القتل الجنائي في العراق بلغ: 8035  ضحية عام 2004. 60 % منها تمت بإطلاق الرصاص. وغالبية هذه الجرائم تحدث بسبب خلافات عرقية وطائفية ودينية. هناك كذلك عمليات قتل انتقامي يقوم بها ضحايا النظام البائد ضد من ألحقوا الضرر بهم، وردود الطرف الآخر، وقتل عشائري، وجرائم سرقة تؤدي لقتل. وغيرها. وكل هذه السفك للدماء ينتج عن جرائم لا علاقة لمن يقاوم الاحتلال بها. كما أن هذا الرقم (حوالي 8000 ) لا يشمل سوى عام واحد. مما يعني ان الرقم الحقيقي خلال عامين أعلى من الذي أعلنه السيد بختيار أمين.

وهكذا نلاحظ ان المعلومات المتاحة بشأن نسب الجريمة يمكن التشكك فيها: فالدولة قللت عدد الضحايا، وصورت الأمر وكأن نهاية التمرد يكفي ليعود الأمن للبلاد. وما سنحاول إثباته هنا هو أن قوات الولايات المتحدة في العراق تغض الطرف عن الجريمة المنظمة.

وقد أكد الصحفي باترك كوكبرن أن السياسة الأمريكية المتبعة بشكل دائم حالياً هي: تكريس كل الجهود لمحاربة ما يسموه "الإرهاب" وترك عصابات الجريمة المنظمة حرة طليقة في البلاد.

مصدر رفيع في الحكومة العراقية أكد أن عتاة المجرمين "يتم إطلاق سراحهم مقابل التجسس على التمرد"، مما يشكل خطراً على المجتمع العراقي، وخصوصاً الطبقة الوسيطة، من وأطباء وأساتذة جامعات ورجال أعمال، التي تتعرض بشكل دائم لعمليات الاختطاف.

القصة الأكثر شهرة في هذا السياق هي حكاية د. ثامر محمد علي القيسي، الذي اختطفته عصابة من 11 فرداً وهو يعود للمنزل من العيادة الساعة 6 ونصف مساءاً في 23 ديسمبر. قيدوه وذهبوا به في عربتهم. ولكن الحظ حالفه. اذ واجهت العصابة حاجزاً للشرطة العراقية. وبدأ تبادل إطلاق النار بين المجرمين ورجال الشرطة. فقفز الرجل من العربة، وكُسرت ساقه، وصاح : "أنا طبيب وهم خطفوني."

وتم القبض علي اثنين، أحدهما يدعى محمد نجم عبد الله، والآخر عدنان عاشور، وقدما صوراً مخيفة لنسب جرائم الاختطاف في البلاد. فقد قامت العصابة بأكثر من عملية اختطاف أسبوعيا، والمبالغ التي طالبت بها كانت في حدود 60 ألف دولار مقابل إطلاق سراح الرهينة. أكد عدنان ان قائد العصابة اسمه "أهاب" ويلقب: "ابو فهد." وهو صاحب محل يبيع التلفون "الجوال". وكان محكوماً عليه ب 40 عاماً في العصر البائد، وتم الإفراج عنه بسبب العفو الشامل.

ومما كشفته التحقيقات ان حارساً استأجرته المنطقة لحمايتها هو الذي نصح العصابة باختطاف الطبيب.

وقد نُشرت القصة على نطاق واسع في وسائل الأعلام العراقية. ولكن، لم يذكر الأعلام ما حدث في 30 سبتمبر، حين جاء الأمريكان الى محطة شرطة الخنساء، وطلبوا حيازة الرجلين. فاضطرت الشرطة العراقية لترك باقي العصابة ، حيث ذهبت الأدلة ضدهم مع ذهاب مرتكب الجريمة.

وفي ذات الوقت واجه الطبيب ضغوط شديدة للتخلي عن القضية التي رفعها ضد خاطفيه. زاره والد محمد نجم وعرض عليه مالاً مقابل سحب الاتهام.  وفي اللقاء الثاني عرف الطبيب ان خاطفيه أطلق سراحهما. ومع ذلك رفض سحب الاتهامات. هددوه بالقتل، فغادر البلاد.

والقصة مع الأسف تدل على ان القوات الأمريكية تلحق الضرر بالوضع الأمني.  كما يلاحظ ضابط في الشرطة العراقية: "الأمريكان يدمرون المجتمع العراقي في سبيل محاربة التمرد. نتعامل مع وباء الاختطاف وجرائم العنف، والأمريكان يراقبون التلفونات التي غالباً ما يتم استخدامها لأجراء المفاوضات بين الخاطفين، وأسر الضحايا، ولكنهم لا يقدمون اي معلومات. هم يريدون معلومات عن التمرد فقط."

وهكذا يتضح ان الشعار الذي رفعته الولايات المتحدة، وهو "محاربة الإرهاب،" يتم بطريقة تدعم عصابات الأجرام.  ثمن "الحرب على الإرهاب" يدفعه الشعب العراقي من استفحال عصابات القتل واختطاف الناس مقابل فدية.

والشرطة العراقية تؤكد ان ما لا يقل عن خمسة آلاف عملية اختطاف وقعت خلال عامين. ولا يوجد رجل أعمال اليوم في بغداد ليس له حراسه الشخصيين. وتكاليف الحراسة باهضة.

والكثير من العراقيين يعتقدون ان الجريمة المنظمة، وخصوصاً عمليات اختطاف الأطفال وأرباب الأسر، لا تقل سوءاً أو خطورة عن العمليات الإرهابية.

ونذكر هنا الحكومة العراقية الجديدة أن مصطلح : "الوضع الأمني" يشمل الإرهاب والسيارات المفخخة، ولكنه كذلك يشمل الجريمة المنظمة. ولابد: للحكومة من مطالبة الولايات المتحدة بالكف عن استخدام الجريمة المنظمة وسيلة لمحاربة من يقاوموها.  وربما عن طريق الضغط والتحدث، وكشف الحقائق، تبدأ محاولة إصلاح الخلل.

أما تقليل عدد الضحايا، واتهام التمرد بالمسئولية عن كل جريمة تحدث في البلاد، فهو ليس الأسلوب الناجع للتعامل مع الجريمة المنظمة. فلو تم القبض على الزرقاوي ومجموعته اليوم، ستسمر الجريمة. ولابد للدولة من الاعتماد على الشعب العراقي في هذه المعركة. فالولايات المتحدة تقوي مجموعة لمحاربة الأخرى.

وهو وضع يمكن وصفه بالمأساوي: "حاميها حراميها" قد يكون المثل الأقرب لواقع الحال.

 

من المصادر:

 

وزير: مسلحون عراقيون قتلوا ستة آلاف عراقي

الاربعاء 6 - ابريل - 2005

صوت العراق.

 

 

Iraq embroiled in grisly epidemic beyond insurgency

Monte Morin
Los Angeles Times
Published
March 27, 2005

 

The Independent

US frees Iraqi kidnappers so they can spy on insurgents

By Patrick Cockburn

20 March 2005

 

Gangs in Iraq thriving on threats and profits

The New York Times

Tuesday, March 29, 2005

James Glanz

 

عودة.