فاروق شوشة.. نازك الملائكة وأعمالها
الكاملة..
في إجماع
الشعراء والدارسين، نازك الملائكة هي اكبر شاعرة عربية
في القرن العشرين. وهو حكم لم يجيء من فراغ. تتمثل حيثياته في هذه الطاقة الشعرية
الجبارة التي تمتلكها نازك، وهذا الواقع الريادي
المتميز في حركة الشعر الجديد أو الشعر الحر أو شعر التفعيلة، بحسب التسمية التي
يرتضيها الناس. وهذا الإنتاج الشعري الغزير الذي يضم تسعة دواوين شعرية هي: أغنية
الإنسان، عاشقة الليل، شظايا ورماد، قرارة الموجة، شجرة القمر، للصلاة والثورة،
يغير ألوانه البحر، الوردة الحمراء، بالإضافة الى وعيها
النقدي، وقدرتها على التنظير للشعر، وكتاباتها الأدبية التي تتمثل في كتبها
الأربعة: قضايا الشعر المعاصر، سيكولوجية الشعر، الصومعة والشرفة الحمراء، (وهو
كتابها الجميل عن شاعرنا المصري علي محمود طه وكانت
طبعته الأولى التي صدرت في القاهرة عام 1965 جامعة لمحاضراتها عنه في معهد
الدراسات العربية قد حملت عنوان: شعر علي محمود طه) والتجزيئية
في المجتمع العربي، والشمس التي وراء القمة.
صحيح هناك
عدداً من الشاعرات المصريات والعربيات التمعت أسماؤهن..
إلا ان المسافة بين شعرهن وشعر نازك
تظل محفوظة، بعد ان وجد الشعر العربي، على مدار تاريخه
الطويل، شاعرة كبيرة مبدعة يمكن ان تضاف بقوة وحسم الى الاختراق الذي أحدثته الشاعرة المخضرمة، اي التي أدركت الجاهلية والإسلام، الخنساء، والتي ظلت، على
تتابع القرون، تتصدر وحدها المشهد الشعري العربي، نموذجاً فريداً للمرأة الشاعرة، فجاءت
نازك – بكل حجمها ووزنها الشعري- مؤكدة الحضور اللافت
للمرأة الشاعرة في القرن العشرين، مضيفة ومتجاوزة.
ونازك مصرية الهوى والذوق الشعري. فقد استهواها، وهي بعد في مرحلة الدراسة
الثانوية، شاعران مصريان من أهم شعراء جماعة أبولو –
التي حملت مشعل التجديد العربي الرومانسي في السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن
العشرين وظل تأثيرها الكاسح حتى بزوغ النماذج الأولى لحركة الشعر الجديد – في مصر
والعالم العربي – مع نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات.. هذان الشاعران
المصريان هما: محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه. أما أمها فقد كان اهتمامها الأكبر
بالشاعر إبراهيم ناجي، ومن غير العراقيين، بالإضافة إلى شاعرها
العراقي الأثير: الزهاوي.
وحب نازك لعلي محمود طه هو الذي جعلها تختاره موضوعاً لمحاضراتها
عندما دعيت إلى معهد الدراسات العربية في القاهرة أستاذة محاضرة . وهو الشاعر الذي
تقول عنه: "أعجبت به في أوائل حياتي الشعرية، وكنت قد عشت مع شعره سنوات
كثيرة من صباي، فأنا أعرفه معرفة موسعة، ولي حوله آراء مفصلة، فمن الغبن أن أحرم
نفسي فرصة تأليف كتاب عنه أريق فيه على الورق كل ما يحتشد به ذهني من آراء وأفكار
وانطباعات، وهكذا عكفت خمسة أشهر، خريف سنة 1964، وألفت هذا الكتاب. "
ونازك مصرية الهوى والمزاج الفني والوجدان المولع بالموسيقى والغناء وهي تقول
في سيرة حياتها المركزة بعنوان "لمحات من سيرة حياتي وثقافتي" والتي
جعلتها طبعة المجلس الأعلى للثقافة، وحسناً فعلت، مدخلاً يقضي إلى أبهاء عالمها الشعري.
"في عام 1947، صدرت لي أول مجموعة شعرية، وقد سميتها عاشقة الليل لأن الليل
كان يرمز عندي إلى الشعر والخيال والأحلام والمبهجة، وجمال النجوم وروعة القمر، والتماع دجلة تحت الأضواء، وكنت في الليل اعزف على عودي في
الحديقة الخلفية للبيت بين الشجر الكثيف، حيث كنت أغني ساعات كل مساء. وقد كان
الغناء سعادتي الكبرى منذ طفولتي.. وكنت أحبس أنفاسي إذا ما سمعت صوت عبد الوهاب
وأم كلثوم يحمله إلى جهاز الحاكي "الجرامافون"
الذي يدور في بيت الجيران وكنت سريعة الحفظ لأية أغنية أسمعها، وكانت أمي لا تفتأ
تندهش دهشة كبيرة عندما تسمعني أغني، وما زلت أذكر صوتها في صغري وهي تتلفت وتقول:
"يا إلهي! من أين حفظت ابنتي كل هذه الأغاني! ومتى سمعتها؟ وكيف؟ ولم تدر أنني
كنت حين أسمع حاكياً يدور بأغنية أقف مسمرة في مكاني حتى لو كنت في الشارع.
وفي تلك
الأيام البعيدة لم يكن المذياع قد دخل الحياة في العراق طبعاً. فكان الاستماع إلى
الأغاني لا يتم إلا عن طريق الاسطوانات ولم تبدأ إذاعة بغداد البث إلا في سنة
1935. كما أتذكر، يوم ان بلغت الثانية عشر من العمر."
ونازك مصرية الهوى عندما تقص علينا تفاصيل كتابتها لأول قصيدة من الشعر الحر،
وكيف كان انفعالها بكارثة وباء الكوليرا في مصر، وهي تذكر بالتحديد اليوم: الجمعة
27 أكتوبر عام 1947 عندما أفاقت من النوم وتكاسلت في الفراش تستمع إلى المذياع وهو
يذكر ان عدد الموتى بلغ ألفاً، "فاستولى علي حزن
بالغ وانفعال شديد، فقفزت من الفراش، وحملت دفتراً وقلماً، وغادرت منزلنا الذي
يموج بالحركة والضجيج يوم الجمعة، وكان إلى جوارنا بيت شاهق يبنى، وقد وصل البناءون
إلى سطح طابقه الثاني، وكان خالياً لأنه يوم عطلة العمل، فجلست على سياج واطئ،
وبدأت أنظم قصيدتي المعروفة الآن، "الكوليرا" وكنت قد سمعت في الإذاعة ان جثث الموتى كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات
فجرها الخيل، فرحت أكتب وأنا أتحسس صوت أقدام الليل:
سكن الليل
أصغ الى وقع صدى الأنات
في عمق
الظلمة، تحت الصمت، على الأموات.
ولاحظت في
سعادة بالغة أنني أعبر عن إحساسي أروع تعبير بهذه الأشطر
غير المتساوية الطول، بعد ان ثبت لي عجز الشطرين عن
التعبير عن مأساة الكوليرا، ووجدتني أروي ظمأ النطق في كياني، وأنا أهتف:
الموت الموت الموت
تشكو البشرية
تشكو ما يرتكب الموت
وعندما
وجدت الشاعرة نفوراً شديداً من أمها وأبيها بالنسبة لهذا الوزن الغريب والأشطر غير المتساوية والموسيقى الضعيفة، ممتزجاً بصيحات
الاستنكار صاحت بأبيها في انفعال: "قل ما تشاء، إني واثقة أن قصيدتي هذه
ستغير خريطة الشعر العربي.." "كنت
مندفعة أشد الانفعال في عبارتي هذه وفي أمثال لها كثيرة قلتها رداً على التحدي
بالتحدي، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يسبغ علي رحمته في تلك اللحظات الحرجة من
حياتي الشعرية فكتب لقصيدتي ان يكون لها شأن كما تمنيت
وحلمت في ذلك الصباح العجيب في بيتنا، ومنذ ذلك التاريخ انطلقت في نظم الشعر، وان
كنت لم أتطرف إلى درجة نبذ الشطرين نبذاً تاماً كما فعل كثير من الزملاء
المندفعين، الذين احبوا الشعر الحر، واستعملوه بعد جيلنا."
...وليست نازك وحيدة في هواها المصري..
ليس هذا
الكلام من قبيل التعصب أو الشوفونية البغيضة وأنما هو تقرير لواقع، وتسجيل لسياق، يؤكده ما أفضت به نازك الملائكة في حواري معها، عام 1960 ، لبرنامج مع النقاد
من إذاعة البرنامج الثاني، الثقافي الآن، وكانت في إحدى زياراتها لمصر، وقد نشر
الحوار كاملاً مع غيره من الحوارات المماثلة في مجلة الآداب البيروتية
ما أفضت به عن الدور المصري الثقافي والشعري في تكوينها هي وشعراء الطليعة في
العراق، الذين اصبحوا يشاركونها ريادة حركة الشعر الجديد ويزاحمونها فيها. كانت نازك الموسوسة تجيب على أسئلة الحوار في إيجاز شديد وكلمات
قليلة مرتجفة ثم تعود فتطلب مسح الإجابة من الشريط لتدلي بإجابة اكثر أحكاماً،
وبلغ بها الانفعال أقصاه، لأنها كما تقول غير مدربة على الحوار أمام الميكروفون،
طالبة التأجيل لموعد آخر بعد أن شارف البرنامج على الانتهاء، وأفطن لحيلتها
ورغبتها في التخلص او التملص من الموقف كله مصراً على
استبقائها في الاستديو حتى تهدأ وتتماسك لتكمل ما بدأناه. وهي في جسمها النحيل
وحجمها القليل حركة لا تهدأ واشتعال لا يسكن، كشفا لي عن حقيقتها الشعرية، وكيف أنها
تعيش شعرها في واقعها اليومي ولا تنفصل عنه، ليست هناك
حدود أو مسافات بين الإنسانة والشاعرة، إنها قصيدة قلقة
متحركة وعاصفة متمردة جامحة، وعقل فوار بالشكوك والهواجس والتساؤلات، وقوام ينوء
تحت عبء وجدان مثقل مشتعل.
تقول نازك في قصيدتها ويبقى لنا البحر:
عن اللون
والبحر تسألني يا حبيبي
وأنت شراعي
وألوان
بحري
وغيبوبة
الحلم في مقلتي
وأنت ضباب
دروبي
وأنت قلوعي
وأنت ذرى
موجتي
ووردة
حزني، وعطر شحوبي
عن اللون
والبحر تسألني يا حبيبي
وأنت بحاري
ومرجانتي ومحاري
ووجهك داري
فخذ زورقي
فوق موجة شوق مغلفة خافية
إلى شاطئ
مبهم مستحيل
فلا فيه
سهل ولا رابية
إلى غسق
قمري المدار
وليس له في
الظهيرة لون.
وليس له في
الكثافة غصن
ولا فيه
هول، ولا فيه أمن.
2- خنساء العصر
أتيح لي أن
أتعرف على الشاعرتين نازك الملائكة وفدوى
طوقان في وقت واحد، كنت في السادسة عشرة من العمر في
مستهل مرحلة الدراسة الجامعية. وكان لزملائنا في العمر في مستهل مرحلة الدراسة
الجامعية، وكان لزملائنا في الجامعة من الأشقاء العرب الفضل في إتاحة الفرصة
لقراءة الديوان الأول لفدوى طوقان
"وحدي مع الأيام" الذي صدر لها في القاهرة في أواخر الأربعينيات برعاية
خاصة من صديقها الأثير الناقد الكبير "انور المعداوي" والديوان الأول لنازك
الملائكة، "عاشقة الليل" الذي صدر لها في وقت مقارب لديوان فدوى عام
1947. وسرعان ما بدأت مجلة "الآداب" البيروتية
في الظهور عام 1953، وأصبح لقاؤنا بشعر نازك وفدوى على صفحاتها، ثم من خلال منشورات دار الآداب، دائماً
وموصولاً.
في ذلك
الوقت، منذ النصف قرن، كان شعر "فدوى" بصفائه ونقائه وبساطته، وما يمثله
من انطلاق وشفافية، أقرب إلى نفسي ونفوس من حولي، بينما كنا نجد في شعر نازك درجة أعمق من التكثيف والمعاناة والامتلاء بالصور
الشعرية التي فجرتها الكآبة والعتمة، كانت الشاعرتان تتفقان في محاولة كسر الحاجز،
واقتحام منطقة البوح والإفضاء، والاقتراب من منطقة المشاعر الذاتية، وتختلفان في
نوعية البوح ودرجة المكاشفة ومواجهة الأثقال والأستار الكثيفة التي تعوق تدفق
الإبداع وانهمار الشعر، كان معجم فدوى يشرق بأقباس من
لوحات الطبيعة الفلسطينية التي نجحت الشاعرة في تجسيدها وإكسابها حياة ناطقة، بل
والحلول فيها حلولاً شبه صوفي، حتى صرت مديناً لتلك القراءة المبكرة لشعر فدوى
بمعرفتي المتخيلة لنابلس وعيبال
وجرزيم ورفيديا، وغيرها من
المعالم الفلسطينية الساكنة في أعماقي. وكان حزن فدوى حزناً غير مغلق، تتفتح فيه
كوى كثيرة يتسلل إليها قليل من ضوء الحياة والنفس والوجود، ليجعل منه حزناً
ظافراً، جميلاً، نبيلاً، يمنح المواساة ويستدر خيوط المشاركة. أما حزن نازك، ومعجمها الشعري وسمتها الإبداعي، فكان حزنا، ضاغطاً،
ثقيلاً، كما يقول صلاح عبد الصبور، الحزن الذي يجثم على الصدور والأنفاس فلا
يتركنا إلا شيه مختنقين. كنا نحس أن لغة فدوى أكثر خفة ورشاقة، أما لغة نازك فأكثر استقراراً وإحكاماً، وأمعن في النفاذ إلى أغوار
سحيقة من النفس والعقل.
وانهمرت
الأيام والأحداث والتجارب، وتناثرت الكوكبة الطلابية التي كانت تظن أنها قادرة على
تغير العالم بعد التخرج من الجامعة. تناثرت شرقاً وغرباً وشمالا وجنوباً، وإن بقيت
في أصداء هذا الاكتشاف القديم، منذ نصف قرن، لشعر نازك وفدوى، فإذا بنا نعيد النظر في كل مسلماتنا وأحكامنا السابقة،
ونستطيع في ضوء كثير من التمرس والنضج والخبرة والمتابعة والتحليل، رؤية الأفق العالي
الذي يحلق فيه شعر نازك، والنجوم الشاسعة التي تضم
أبهاء هذا العالم الشعري الثري، وهذه الطاقة الشعرية الجبارة، وهذه القدرة الفذة
على الغوص وراء المعاني والأفكار والصور، حفراً في العمق، وتحليقاً في الآفاق،
ورفرفة في الأعالي. لقد اتسعت المسافة بين الشاعرتين عطاء ونفاذاً وتأثيرا، وبخاصة
حين برز وجه المفكرة والناقدة والباحثة عند نازك،
وأصبح، بالإضافة الى وجهها الشعري الأصيل، حقيقتها
الواحدة المكتملة، رائدة أولى في حركة الشعر الحديث، ومنظرة لقصيدة التفعيلة،
ودارسة متفتحة للعروض والموسيقى الشعرية، ومواجهة للمسار الشعري في العراق وخارجه،
بعد أن تتابعت موجات الشعر الجديد أو الشعر الحر، ولم تتردد في رفع صوتها بالتحذير
والتنبيه حين رأت مسيرة الشعر الحر قد أصبحت مشوبة بالكثير من الشوائب، مشيرة في
تقديمها "للصلاة والثورة" الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1978 إلى الظروف
التي تعرقل هذه المسيرة، نتيجة لاستهانة بعض شعرائه بالعروض واحتقارهم له، مع
ازدرائهم للعربية وقواعدها، وتحقيرهم العامد للتراث، ومحاولة الأغراب وإثارة
الدهشة على حساب العقل الإنساني. تقول نازك: "ومن
أبرز هذه الظروف المعرقلة ما أسميه بالتعميه، ولا أقول
الغموض، لأن الغموض ستار جميل فني يشف ولا يحجب، في حين ان
التعميه مأخذ فني وعيب ينتقص القيمة الجمالية للقصيدة،
وكل هذه المعايب لا تنبع من شكل الشعر الحر وليست ملازمة
له.
ذلك أنها
كلها يمكن ان ترتكب في شعر الشطرين أيضاً، ولذلك فإن
حملات المتزمتين على كثير من الشعر الحر تلقي الوزر على شكل هذا الشعر، في حين أن
الضعف كامن لدى بعض شعرائه لا في الشكل نفسه. إن الشعر الحر شكل جميل مكتمل وهو
غير مسئول عن ضعف طائفة من شعرائه وجهلهم وإغرابهم.
تماماً كما ان شكل الشطرين جميل في ذاته وهو غير مسئول
عن تقليدية الذين ينظمونه. ولذلك أؤمل ان يكون رأيي هذا
دعوة فعلية إلى الفصل بين الشكل المجرد وعيوب الشعر الذي ينظم في إطار هذا
الشكل."
ثم تقول نازك: "إن الشكل – بصفته المطلقة – صيغة جمالية مبرأة من
العيوب، سواء أكان حراُ او خليلياً
وإنما تأتي العيوب منا نحن الشعراء. هذا مع الاتفاق على أن لكل عصر لفتة مزاجية قد
تجعله يؤثر شكلاً من الأشكال على سواه. وهذه اللفتة ترتبط بسمة العصر الحضارية
وليست مجرد نزوة طارئة في نفوس الشعراء كما قد يظن ذوو النظرة العجلى
السطحية من النقاد."
قبل هذا
التحذير والتنبيه الذي سجلته نازك عام 1978، كان هناك
رأي لها حول الشعر جدير بالتنويه، في تقديمها لديوانها "شجرة القمر" في
عام 1967، وهي تقول: "يلاحظ أن في هذا الديوان سبع قصائد من الشعر الحر، وقد
يعجب بعض القراء من قلة هذا العدد بالنسبة لقصائد الديوان، لأنهم ألفوا أن يروا
طائفة من الشعراء وقد تركوا الأوزان الشطرية العربية
تركاً قاطعاً، كأنهم أعداء لها، وراحوا يقتصرون على نظم الشعر الحر وحده في تعصب
وعناد، وأحب أن أذكر القارئ في هذه التقدمة أنني لم أدع
يوماً إلى الاقتصار على الشعر الحر، وأبرز دليل على هذا ديواناي السابقان. أما
"شظايا ورماد" الصادر سنة 1949 ، وهو الذي دعوت في مقدمته إلى الشعر
الحر دعوة متحمسة فلم تكن فيه إلا عشر قصائد حرة، بينما كانت القصائد الأخرى
جميعاً تنتمي إلى الأوزان الشطرية، وأما "قرارة
الموجة" ديواني الصادر سنة 1957 فقد اقتصر على تسع قصائد من الشعر الحر، ولا
أذكر قط أنني اقتصرت على الشعر الحر في أية فترة من حياتي، وسبب هذا أنني أولاً
أحب الشعر العربي ولا أطيق أن يبتعد عصرنا عن أوزانه العذبة الجميلة، ثم ان الشعر العربي كما بينت في كتابي "قضايا الشعر
المعاصر" يملك عيوباً واضحة أبرزها الرتابة والتدفق والمدى المحدود، وقد ظهرت
هذه العيوب في أغلب شعراء هذا اللون، وهذا حاصل أيضاً في الشطرين، فإن له مزاياه
وله أيضاً عيوبه.
وإني لعلى
يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها، وليس
معنى هذا أن الشعر الحر سيموت، وأنما سيبقى قائماً
يستعمله الشاعر لبعض أغراضه ومقاصده دون ان يتعصب له
ويترك الأوزان الشعرية الجميلة.
..ومما أحب
أعلن أسفي له أنني في شعري الحر لم أعن عناية أكبر بالقافية، فكنت أغير القافية
سريعاً وأتناول غيرها. وهذا يضعف من الشعر الحر، لأنه يقوم على أبيات تتفاوت أطوال
أشطرها وبذلك ينقص رنينها وموسيقاها. فلو زاد الشاعر القافية غنى ولم يغيرها
سريعاً لأضفى على الوزن موسيقى تمسكه وتمنعه من الانفلات، ولهذا بت أدعوا إلى ان يرتكز الشعر الحر على
نوع من القافية الموحدة، ولو توحيداً جزئياً، فذلك يزيده موسيقى وجمالا، ويحميه من
ضعف الرنين وانفلات الشكل.
هذه
المراجعة للنفس، وهذه القدرة على التوجيه والتنبيه والتحذير، فتحت على نازك بوابات الجحيم، وأنصاف الموهوبين من النقاد والدارسين
والشعراء ويتهمونها بالتراجع عن موقفها المؤيد للشعر الحر، باعتبارها في طليعة
رواده، وبأنها تنكرت لثوريتها الشعرية، وعدلت عن أفكارها التجديدية،
وهو أسلوب يلجأ إليه دائماً الخطافون – أي الذين يخطفون الكلام دون تأمل أو روية،
كما وصفهم طه حسين، ويسقطون عليه ما في نفوسهم من غرض ومرض. والواضح أن هذه التقديمات التي كتبتها نازك
لدواوينها بالإضافة إلى كتابها الرائد والطليعي في مجاله "قضايا الشعر
المعاصر" وثيقة لها قيمتها النقدية والتاريخية، ولا يزال الكثير من أفكارها
حياً، مثيراً للجدل والحوار والتأمل، لم يفارقه ماء الجدة ولا عمق التناول
والاستقصاء، والمتابع لكثير من قصائد الشعر الحر عند عدد من مبدعيه الكبار اليوم
سوف يتأكد من صحة نبوءة نازك، وتوجهها الموسيقي، وهي
تشير إلى نوع من القافية الموحدة والمترددة في سياق النصوص الشعرية، تزيدها
إحكاماً وجمالاً وموسيقية، وتحميها – كما قالت نازك بحق
– من الضعف والانفلات.
عودة.
|