"بعده
ورد نعمان.. ما ثقل الأغصان": الشيعة وصندوق الاقتراع
نتائج الانتخابات المتوقعة في العراق هي فوز التحالف المسمى بين عامة الناس
: بالشمعة (استبدل الميم بالياء، واللبيب بالإشارة يفهم) او التحالف الذي باركته
المرجعية بقيادة السيد السيستاني. وهي نتيجة مخيبة
لآمال الولايات المتحدة، التي كانت تريد صناعة دولة علمانية، ثرية، لها علاقات
متميزة مع إسرائيل. وهكذا أتت الرياح بما لا تشتهي السفن. في نهاية المطاف، فرض
الشعب العراقي رغبته على المحتل.
ومن المعروف ان الاستعمار البريطاني في زمن سابق
حرم الشيعة حقوقهم السياسية، عقوبة لهم على الثورة التي كلفت بريطانيا الكثير في
1920. وكتب مسؤول بريطاني في تلخيص الثورة ما يلي:"ان
للأجيال اللاحقة من ساسة العراق السنة ان يقدروا الجميل
الذي يدينون به للبريطانيين في إنقاذهم من النجف الشيعية." والواقع ان الشيعة رفضوا المشاركة في الانتخابات خلال العشرينيات من القرن الماضي، وصدرت فتاوى التحريم حينها.
بل وكان للفتوى المعروفة المنسوبة للشيرازي ("مطالبة الحقوق واجبة على
العراقيين، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول
مطالبهم") دور فعال في تأجيج ثورة العشرين. تماماً كما
تدعم الفتاوى السلفية معارضي الانتخابات اليوم. وما أشبه الليلة بالبارحة.
والولايات المتحدة قد اضطرت للقبول بفكرة الانتخابات. فقد ضغطت المرجعية
الشيعية ، وألحت عليها، والا
لدعمت التمرد. وتذوقت الولايات المتحدة الطعم المر للغضب الشيعي حين واجهت جيش
المهدي، الذي وصفه السيد مقتدى الصدر، باليد الضاربة للمرجعية. مما يدل على ان الشيعة لم يتفرقوا الى صفين، بل كانوا يضربون بيد، ويتفاوضون بالأخرى، للوصول لاستحقاقهم الانتخابي.
باختصار، سارت الولايات المتحدة مجبرة للانتخابات التي رفضها حلفائها قطعياً،
حيناً خوفاً من ان تشاهدها الشعوب، وتتساءل: لماذا
الشعب العراقي له انتخابات، ونحن نبقى بدون اي حقوق في
انتخاب حكامنا؟ وطوراً خوفاً من الاقليات الشيعية،
المضطهدة في غالبية هذه الدول التي لم تعطهم حقوقهم الكاملة بعد. وان كانت البحرين
العزيزة قد بدأت السير في الطريق الصحيح.
ومن الطرائف الشائعة بين الشيعة: ان الله عز وجل قدم النفط لهم في مناطقهم بسبب كثرة ما قتلت
الدول منهم، فتشربت الأرض دمائهم،
واستحالت نفطاً مباركاً. فالجنوب العراقي يعوم على بحيرة بترول، والمناطق النفطية في السعودية يسكن غالبيتها شيعة. وإيران دولة شيعية
نفطية.
وقد بدأ التشيع بمجزرة استشهاد الحسين عام 680، وبشكل أدق، حين صاحت السيدة
زينب، في موكب السبي، بأهل الكوفة: "أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون، أي والله
فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً. فقد ذهبتم بعارها وشنارها،
ولن ترحضوها بغسل أبداً. وكيف ترحضون
قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة؟ أتعجبون لو أمطرت دماً، ألا ساء ما سولت لكم
أنفسكم، أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون." وهكذا كان أساس الفكر
الشيعي الشعور بالندم العميق على تقصير مأساوي وخطأ بشع ارتُكب. وثار الجنوب على
الدولة الأموية الباغية مرة تلو الأخرى حتى انهارت.
وقد هاجمت القوى الوهابية النجف وكربلاء
عام 1802، ودمرتهما ونهبت ثرواتهما. وكتب المستشرق الفرنسي أ دريو
تقريراً مفصلاً لما حدث، نورده هنا كاملاً: "رأينا مؤخراً في المصير الرهيب
الذي كان من نصيب ضريح الأمام الحسين مثالاً مرعباً على قساوة
تعصب الوهابيين. فمن المعروف انه تجمعت في هذه المدينة ثروات لا تعد ولا تحصى
وربما لا يوجد لها مثيل في كنوز الشاه الفارسي. حيث كانت تتوارد على ضريح الحسين
طوال عدة قرون هدايا من الفضة والذهب والأحجار الكريمة وعدد كبير من التحف
النادرة. وحتى يتمورلنك صفح عن هذه الحضرة، وكان الجميع
يعرفون ان نادر شاه قد نقل الى
ضريح الإمام الحسين وضريح الإمام علي قسماً كبيراً من الغنائم الوافرة التي جلبها
من حملته على الهند وقدم معه ثروته الشخصية. وهاهي الثروات الهائلة التي تجمعت في
الضريح الأول تثير شخصية الوهابيين وجشعهم منذ أمد طويل. فقد كانوا دوماً يحلمون
بنهب هذه المدينة، وكانوا واثقين من نجاحهم لدرجة ان
دائنيهم حددوا موعد تسديد الديون في ذلك اليوم السعيد الذي تتحقق فيه أحلامهم.
وها قد حل هذا
اليوم في 20 نيسان (أبريل) 1802. فقد هجم 12 ألف وهابي فجأة على ضريح الإمام
الحسين. وبعد أن استولوا على الغنائم الهائلة التي لم تحمل لهم مثلها اكبر
الانتصارات تركوا كل ما تبقى للنار والسيف. وهلك العجزة والأطفال والنساء جميعاً
بسيوف هؤلاء البرابرة. وكانت قسوتهم لا تشبع ولا ترتوي فلم يتوقفوا عن القتل حتى
سالت الدماء انهاراً. ونتيجة هذه الكارثة الدموية هلك اكثر من أربعة آلاف شخص.
ونقل الوهابيون ما نهبوه على أكثر من أربعة آلاف جمل. "
وربما يكون أهم حدث لاحق لهذه المجزرة في تاريخ جنوب العراق المعاصر، هو إنشاء قناة الهندية، بتمويل قدره 500 ألف
روبية من حسن رضا خان، الشيعي الهندي، حوالي عام 1803. إنشاء هذه القناة دفع
بالعشائر العربية للبدء بالاستقرار في النجف، التي عانت كثيراً قبل ذلك من نقص
المياه، ومن الهجمات الوهابية الضارية. وبالطبع تشيعت غالبية العشائر التي استقرت
في المنطقة، وكونت درعاً حمى المدينة من التعديات القادمة من قلب الصحراء. أما
عشائر الرعاة التي أتت وذهبت في رحلتي الشتاء والصيف، فبقت على سنيتها، وبقي هذا الوضع واضحاً حتى أوائل القرن العشرين.
وحقيقة تشيع العشائر العربية يفسر كذلك مدى اعتزاز شيعة العراق بعروبتهم،
مما يفصل بينهم وبين الفرس، ويكذب ادعاءات البعض بان شيعة النجف امتداد لشيعة فارس.
والكثير من ممارسات الشيعة التي ينتقدها أعدائهم ويسخرون منها، مثل التسوط، والزنجيل، وغيرها، إنما هي
تعبير مسرحي عن الشعور بالذنب والتقصير، ولتذكير الناس بما حل في الماضي، لكي لا
ينسى أحد معاناة كر البلاء الحزين. باختصار، طقوس عاشوراء التي يسخر منها أعداء
الشيعة حتى الساعة هي رمز يعبر عن معنى التشيع. إذ تدل على المعاناة والحزن والندم
على كون أهل الكوفة قد جلسوا وسكتوا وبكوا ولم يحركوا ساكناً حين حدثت تلك
المجزرة الحزينة. مع ضرورة ملاحظة ان هذه الممارسات في
العراق اقل حدة بكثير مما يحدث في إيران مثلاً. كما ان
المرجعية تؤكد تحريمها لو أدت لعاهة دائمة او وفاة.
وقد قالت شخصيات شيعية مثل السيد محمد حسين كاشف الغطاء، في الحوار الذي تم
بشأن هذه الطقوس في النصف الأول من القرن العشرين، ان
ممارستها في العلن ضرورية لنشر الفكر الشيعي، خصوصاً بين العشائر التي كان تشيعها
ضروريا لمواجهة الهجمات الوهابية الضارية المتتالية. باختصار، التسوط
والزنجيل ليست جزءاً من الدين، ولكنها جزء من الهوية
الاجتماعية للطائفة.
ومن نافل القول: انه لا يحق لغير الشيعي ان يتدخل بهذه الشئون فيسخر من ممارسات الشيعة. وهذه في
الواقع صورة من صور الطائفية الشائعة للغاية في الشبكة والفضائيات. ومن
الممكن ان تحدد بيسر الصوت الوهابي التكفيري حين تسمعه
يهاجم هذه الممارسات بدون ان يفهم مغزاها.
وكان اكثر حلفاء الولايات المتحدة صراحة في التعبير عن
طائفيتهم وقلقهم من وصول الشيعة للسلطة: تصريح بشأن "هلال شيعي" يشمل عدة دول، منها إيران الشيعية، وسوريا العلوية، وجنوب لبنان والعراق، وهو تحالف تخاف
الدول الشقيقة من خطورته على إسرائيل، الحليفة الأقرب للولايات المتحدة
في العالم، والتي تذوقت طعم الحرب المر مع الشيعة في جنوب لبنان، حتى انسحبت منه
أخيرا، تجرجر أذيال الخيبة.
ولا تزال الدول الشقيقة تفعل ما في استطاعتها لإيقاف المد الشيعي في العراق، سواء عن طريق تقديم
المأوى للبعثيين، أو غض النظر عن تحركاتهم عبر الحدود
ودعم وتمويل بعض العناصر السلفية الوهابية في الداخل.
ومن نافلة القول ان قائد المتمردين ، صورياً على الأقل، كما يزعم الأعلام الأمريكي، الزرقاوي، يأتي من دولة شقيقة: وبقى الصوت الأعلى المعارض للانتخابات والى درجة انه يمكن اعتبار ما حدث
في 30 – 1 حرب بين الزرقاوي الرافض للانتخابات، والسيستاني، الداعي الأول لها.
وقد أعلن الزرقاوي في شريطه الأخير، وبصراحة
كراهيته للشيعة وتكفيره لهم اذ يقول: "لابد من
توخي الحذر بشان مؤامرة تسعى لتطبيق النظام الانتخابي الغربي في بلاد الرافدين.
فالهدف الحقيقي منه هو تقديم السلطة الى الرافضة. وبعد
القضاء على البعث والسنة، سينشر الرافضة عقائدهم الفاسدة في بغداد فتتحول المناطق
السنية الى شيعية. واليوم نلاحظ ان
ممارسات الإلحاد والكفر وعبادة اكثر من رب والعياذ بالله بدأت تستشري في
البلاد."
والزرقاوي في مثل هذه الأفكار
يدعم الوهابية، السعودية، والأخيرة من الدول الأساسية المجاورة التي تتدخل كثيراً
في الشأن العراقي بدون ان يتحدث عن تدخلها أحد. هي
تتدخل في الشأن العراقي أولا بالدعم المادي. فالبترو
دولار تدخل في الانتخابات. وكلنا شاهدنا الدعايات الانتخابية في فضائية
"العربية"، ومركزها في دبي، وان كان تمويلها سعودي. وكلنا سمعنا
بالفضيحة التي ظهرت مؤخراً عن تمويل سعودي لمجلة عراقية معروفة.
وقد اشتكى السيد مارك جيسون، وهو ينتمي لمجموعة
مراقبة دولية، من ان عمليات تمويل مجموعات بعينها تشارك
في الانتخابات من الخارج قد مرت مرور الكرام. فالمفترض هو ان
يكون هناك مساواة مالية بين المتنافسين. ورد السيد حارث محمد حسن، مساعد مدير
اللجنة الانتخابية المستقلة بالقول لمجلة جلوب،
"غالبية الأحزاب تؤكد ان اقتصادها يعتمد على
الأفراد. وليس لدينا القدرة حالياً ، بسبب تدهور الوضع الأمني، على متابعة قضية
التمويل."
والسعودية تتدخل في الشأن العراقي بطريقة أخرى كذلك. فقد صدرت اكثر من فتوى
تحث على الجهاد في العراق. تصدرها شخصيات كانت سابقاً مجاهدة، وان انتقلت اليوم
إلى صف الدولة. وهكذا صارت هذه الشخصيات ، ومنها سلمان العودة، تحث القوى الوهابية
في المملكة على نقل معركتها الى العراق لمحاربة الشيعة،
ومنع الاستحقاق الانتخابي فيه بدلاً من ان يبقون في
بلدهم ، فتواجههم الدولة. وربما لان النظام القائم في السعودية ذاته يواجه مشاكل
مع الإرهاب، فضل ان ينقل معارك الجهاد الى العراق، كما فعل في أفغانستان خلال الثمانينيات من القرن
الماضي. والولايات المتحدة في نهاية المطاف تترك الحدود مفتوحة على مصراعيها.
فتسمح للوهابي بالتسلل عبر الحدود السعودية الى العراق،
وكأنها تريد ان تتحارب معه على الأرض العراقية، لضمان
أمن نظام الدولة الشغيقة. وربما يكون الهدف الخفي
لمحاربة الإرهاب، هو ضمان أمن الدول النفطية المجاورة، فتحترق بلادنا بدلاً منها.
والمتوقع هو ان ينتصر الشيعة بقيادة مرجعيتهم في هذه المعركة مع الزرقاوي
ورفاقه والدول التي تدعمه. فليس للأخير حالياً سوى سلاح التخويف والإرهاب، بينما يملك السيد السيستاني الكثير من الأسلحة
في جعبته، ومنها: التعاون الدولي معه. فدول مثل فرنسا وألمانيا دعمت فكرة الانتخاب
لصناعة حكومة عراقية تمثل عامة الشعب. ولكن أهم أسلحة السيد السيستاني
هو ان مطالبته بالانتخابات فكرة تتفق غالبية الشعب
العراقي عليها.
تدخل المرجعية في الشأن السياسي هذه المرة يتقبله الشعب العراقي بسبب تدهور
الوضع الأمني والحياتي، وظروف الاحتلال، وان كنت اعتقد ان
غالبية هذا الشعب سترفضه في ظرف اعتيادي. ، فشيعة العراق وجميع طوائفه الأخرى لا
تؤمن بولاية الفقيه.
وعلى كل حال، النصر في هذه الانتخابات غير كامل. فالاحتلال لا يزال يجثم
على صدور الناس، وبسببه، وكذلك بسبب التخويف والإرهاب الوهابي، لم تشارك الكثير من
القوى الوطنية في الانتخابات. والدول المجاورة التي ذكرنا بعضها لا تزال كذلك
تتدخل في شئون بلادنا وتصدر أزماتها لوطننا. باختصار المعركة تستمر، وتحتدم.
ولابد للقيادات الفائزة ان تلتقط أنفاسها بسرعة وتبدأ
المعارك الجديدة.
أتمنى ان تحاول القيادات الشيعية – ان فازت – مد يد العون للمناطق التي تضررت من الغزو الأمريكي
للبلاد. مثلاً المخيمات التي يسكن فيها أطفال الفلوجة
بحاجة لمعونات من غذاء ودواء. ومثل هذه المعونات الإنسانية ستنهي التوتر الذي يريد
البعض اصطناعه بين أبناء العراق لاسباب لاحظناها أعلاه
. لنتذكر الشعار الذي رُفع منذ مجيء الاحتلال: سنة وشيعة، هذا الوطن لا نبيعه.
انتصار الشيعة في الانتخابات، ووصولهم للسلطة أول مرة في تاريخ العراق، يتم
في ظروف عصيبة. ليس اليوم الوقت للفرح، بل سيكون فرحنا ان
شاء الله يوم خروج القوات الأمريكية من مدننا، وعودة علاقات الود والاخوة بين
أبناء الجنوب، وأبناء وسط البلاد. كما تقول الأغنية العراقية الشعبية: بعده ورد
نعمان ما ثقل الأغصان. وسوف يثقلها يوم يتعافى وطننا الجريح ويخرج الاحتلال ان شاء الله .[i]
[i] ملحوظة: غالبية
المعلومات عن تاريخ الشيعة مصدرها كتاب : شيعة العراق.. للسيد اسحق نقاش.. وهو
كتاب ترجمه السيد عبد الإله النعميمي..
January 29 /
30, 2005
The Shia Will Inherit
ROBERT FISK
Counter Punch
Saudi Clerics
Point Militants Toward
SCHEHEREZADE
FARAMARZI
Monday 24th
Iranian and
Saudi cash weighs against local parties
By Andrew
Buncombe in Washington and Kim Sengupta in Shalamche, southeast Iraq
29 January 2005
Independent
|