الفصل السابع: صور
الحياة الاجتماعية في ظل الاحتلال..
1) استطلاعات الرأي : حول
استبيان للرأي في العراق..
استطلاعات الرأي ظاهرة جديدة في العراق، وفي الشرق الأوسط..
وكلنا نتذكر في العصر الصدامي نتائج 99 ونصف .. بل وحتى
100% ..
الحكومات المستبدة عموماً لا تريد ان
يعرف الناس كم هي قليلة شعبيتها.. تزوير الاستطلاع في الدول الغير ديمقراطية يشجع
الدولة على المضي قدماً في استبدادها، ويدل على معنى معروف: وهو شعور صانع القرار
بان غالبية الناس جاهلة لا فائدة من مسائلتها. ولذلك لا يحق ان
يكون لها صوت.. والمواطن الذي يعرف كيف ينجز وظيفته بشكل جيد، ولكن لا علاقة له
بالسياسة ولا يهتم بها، كان الهدف الذي أراده صدام، وكافة الدول الاستبدادية.
ومن الضروري تذكر ان الاستطلاعات
المزورة أحيانا تلحق بالبلاد الضرر. فهي تعطي شرعية لمن لا يستحقها..ومن المعروف ان الاستطلاعات تم التلاعب بها في روسيا اكثر من مرة في
التسعينيات لابقاء يلتسن في
الرئاسة، مع ان الكثير من عامة الناس شعرت انه ينهب
البلاد ويبيعها لشركات أجنبية وعصابات مافيا من استخبارات الاتحاد السوفيتي
السابق.
والتلاعب هنا لا يتم عن طريق تغيير الأرقام، بل بالطريقة
التي تصاغ بها الأسئلة التي قد تشجع من يتم استطلاع رأيه على الإجابة بطريقة
معينة. أحيانا لا تُطرح أسئلة عن شخصيات مهمة، ويتم استبدالها بأخرى عن شخصيات اقل
أهمية، مما يغير الواقع السياسي نوعاً ماً.
وغيرها من أساليب الاحتيال التي يعرفها من تخصص في شؤون الاستفتاءات واستطلاعات
الرأي.. وهي بالمناسبة علم بذاته يتخصص فيه الدارس.
واستطلاع الرأي بشكل عام ظاهرة تتميز بها الدول
الديمقراطية. وتصنعها الأحزاب لمعرفة آراء
عامة الناس تجاه أفكارها ورؤاها للواقع السياسي قبيل الانتخابات. ولكن الاستطلاع ليس أمرا نافذاً لابد للحزب ان يسير على أسسه.. في الولايات المتحدة وبريطانيا، غالباً ما
يقول صاحب القرار، متفاخراً، انه يفعل ما هو صائب، ولا يهمه ان
يكسب الشعبية بقدر ما يسعى لما فيه مصلحة للبلاد. الاستطلاع يقدم معلومات عامة عن
أفكار الناس، ولكنه لا يقدم سياسات خاصة لابد للسياسي من السير عليها..
في ظل هذه المعطيات، حين تقوم مؤسسة أمريكية (وهي المعهد
الجمهوري الدولي، المستقل عن الدولة، ويتم تمويله من دافعي الضرائب في الولايات
المتحدة) بأجراء استفتاء في العراق (بين 24 سبتمبر و4 أكتوبر وشمل ألفى عراقي)،
وفي فترة انتخابات أمريكية وعراقية قادمة، يجدر بنا مراجعة النتائج بتمعن، لمعرفة
كيفية طرح الأسئلة، و التفكير بأسئلة أخرى لم تُطرح أساسا.
وقد نشرت جريدة الرافدين العراقية معلومات مختصرة للغاية عن الاستفتاء..
تجاهلت أهم ما فيه: وهو الاكتشاف الذي احزن إدارة بوش بشدة. فنسبة من يلومون قوات
التحالف على ما يحدث في البلاد أعلى حتى من نسبة من يلومون الإرهاب الأجنبي.. 33 %
يلومون القوات الأمريكية على العنف الحاصل في البلاد، مقابل 32 % يلومون عصابات الزرقاوي..
كما ان أهم نتائج الاستفتاء هي ان غالبية من تم استفتائهم يقولون انهم يريدون التصويت
لشخصيات تمثل تنظيمات دينية.. وهو بالنسبة لبوش وأدارته بلاء كبير. وقد أوضح ما
يحدث على الأرض العراقية، مما درسناه في اكثر من مقالة، ان
صانع القرار الأمريكي يفضل عودة البعث على دولة إسلامية جديدة في العراق الحبيب.
من نتائج الاستبيان المهمة كذلك: ان
45 % يجزمون ان البلاد تسير في اتجاه خاطئ، بالمقارنة
مع 39 % اعتقدوا ذلك حين حولت الولايات المتحدة السلطة للحكومة العراقية في يونيو.. والأرقام بدأت بالهبوط منذ ان
هاجمت الدولة الجديدة مدينة النجف الحبيبة.. وهذا يدل على ان
عامة الناس لم ترغب في اقتحام النجف.. بعكس الجوقة المغتربة التي لا تزال حتى
الساعة تسب وتقدح السيد مقتدى الصدر وتلومه على كل ما تواجهه البلاد من مصاعب.
الواقع هو ان شعبية الدولة الجديدة كانت في أيامها
الأولى 62% واليوم هبطت الى 43%.. اي
اقل من النصف.. مما يجعل إمكانية عودتها للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع أمرا
مشكوكاً فيه.
من الأسئلة التي يمكن طرحها على اي
استبيان، هل ذكر اهم الأسئلة، ام
تركها جانباً. وهكذا، طرح الاستبيان أسئلة بشان اكثر الشخصيات شعبية في البلاد،
واتضح اليوم أنها شخصية عبد العزيز
الحكيم.. ولكن الاستفتاءات السابقة أكدت ان السيد
إبراهيم الجعفري – من حزب الدعوة - اكثر شعبية من الحكيم بكثير.. فما الذي حدث..
الواقع ان الاستفتاء لم يطرح اي
أسئلة عن الجعفري.. وهنا يمكن التساؤل عن تجنب الاستبيان لذكر شخصية كانت الأكثر
شعبية في استفتاء سابق. ربما لا يريد صانع القرار الأمريكي ذكر هذا الاسم لسبب او لآخر .
وكذلك لم يوجد اي سؤال بشأن
السيد الياور في الاستفتاء..
وعن السيد د. علاوي، كان السؤال
عن مدى معرفة الناس به. ومن الطريف ان السيد مقتدى
الصدر معروف في البلاد اكثر من السيد د. علاوي. وان كان
الفارق بسيطاً بينهما.
اما السيد الجلبي، فنظراً لخلافاتة المعروفة
مع واشنطن، كان السؤال صريحاً، هل تؤيده؟ وكانت الإجابة للغالبية العظمى هي انهم
لا يؤيدون سياساته.. مما يدل مرة أخرى على فشل مشروع استئصال البعث. (وهنا يمكن
التساؤل: هل فشل المشروع بسبب خطأ الفكرة، ام أخطاء
شنيعة في التطبيق، وسوء الإدارة؟ وهو موضوع في غاية الأهمية لم يعطه الاستفتاء
حقه.)
بالنسبة للمغترب الذي يقرأ الاستبيان، ربما يكون أهم ما فيه
لا يتعلق بالشخصيات، بل بالقضايا التي يهتم بها الناس في حياتهم اليومية.. وهي مما
يجدر بنا على الأقل ذكرها في كتاباتنا.
فمن المفيد ان نعرف كيف يفكر أحبائنا داخل البلاد..
بينما نحن نعيش في الخارج ونكتب عنهم، من الضروري جداً ان
نستهدي برؤاهم. ومن الضروري الا نكتب ما يتعارض مع ما يطالبون جميعاً به. فالمغترب في
نهاية المطاف لا يستطيع ان يعرف معاناتهم.. ووسائل
الأعلام تقدم فقط جزءاً من الصورة التي يعيشونها في حياتهم اليومية.
.. ومن الواضح ان القضية الأكثر
أهمية ل 100 % من السكان كانت الهم الأمني في البلاد.. 80 % اشتكوا من سوء الأوضاع
الاقتصادية خصوصاً بسبب البطالة. 58 %
اشتكوا من افتقاد الخدمات الأساسية، وأهمها الماء والكهرباء. ويمكن ان نتوقع ان شعبنا واعي حساس للشأن السياسي. وهكذا اشتكى 38 % من الوضع
السياسي للبلاد. 16 % تمنوا ان تكون الدولة الجديدة
اكثر قدرة على تفهم أوضاع الناس، اي انهم يريدون دولة
تمثلهم.. ويشعرون ان هذا لا يحدث حالياً.
نسبة لا بأس بها (64%) تريد دولة اكثر مركزية.. وهذا يعني ان الناس تخاف بشكل حقيقي من أخطار السير في طريق قد يؤدي الى تقسيم الوطن الحبيب..
52 % لا يزالون يستمعون لكل نصيحة يقدمها السيد السيستاني، وسيرشحون من يطلب منهم ترشيحه.
وهي نسبة اقل بكثير مما كانت منذ شهور قليلة (ربما قلت
الشعبية بسبب تغيب السيد السيستاني عن النجف خلال
أزمتها؟) . ولكن، من المعروف ان السيد السيستاني يطالب بفصل المرجعية عن الشأن السياسي.. ويريد دولة
يحترم دستورها الإسلام والقوانين الدينية الأساسية. ويطالب بالانتخابات. وهي أفكار
اعتقد ان عامة الشعب العراقي يؤيدها.
اكثر المدن العراقية حزناً وقلقاً حالياً هما الموصل وكركوك.. 75 % ممن تم استفتائهم من هاتين المدينتين الحبيبتين
يشعرون ان البلاد تسير في الطريق الخطأ.. بالمقارنة مع
42 % منذ ستة شهور..
اكثر أبناء الرافدين تفاؤلا الأكراد.. وأكثرهم تشاءما سكان
المثلث.. وهو شيء مفهوم حين تُقصف مدنهم بالطائرات وتقتحمها الدبابات كل يوم..
أما الأخبار الجيدة التي تفرح الناس في الداخل والخارج في
الاستفتاء، فأهمها هو ان 69 % من أبناء الرافدين يشعرون
ان القيادات الدينية لن تسمح بقيام حرب أهلية بين
الشيعة والسنة. بل ان 65% يعتقدون ان
أوضاعهم ستتحسن بعد حوالي عام (اي بعد حدوث الانتخابات
وقيام حكومة شرعية.)
وبالطبع، فالشعب العراقي الذي عانى الأمرين في سبيل الخلاص
من صدام يريد اليوم انتخابات.. نسبة من يؤيدون الفكرة الانتخابية لا تقل عن 85%..
ولكن اكثر من نصفهم لم يجدوا حتى الساعة الحزب الذي يعبر عنهم ويمكنهم تأييده بلا
تحفظ...
وربما يكون معهم الحق في ذلك..
ب) آراء الناس في
العراق.. أستفتاء مايو 2004
ازدياء شعبية السيد مقتدى الصدر، وتدهور احترام الناس لقوات
التحالف لدرجة ان 9 من كل 10 يعتبرونها قوات احتلال ، لا تحرير..
قام باجراء الاحصاء مركز العراق للبحوث والدراسات
الاستراتيجية الذي تثق به قوات التحالف لدرجة تقديم الاسئلة له لاجراء الاستفتاء..
وقد تم الاستفتاء قبل ان تظهر صور ابو غريب البشعة.. بين
مايو 14 – 23 ..
سعدون الدليمي مدير المركز اكد على ان الاحصاء شمل قطاعات
واسعة من سكان جنوب ووسط وشمال العراق.
فقد اشترك فيه 1093 عراقي في بغداد والبصرة والموصل والحلة والديوانية..
في احصاء سابق، تم في شهر اكتوبر الماضي، كان عدد الراغبين
في خروج قوات التحالف حوالي 20 %. اما اليوم، ف: 80 % يعتبرونها قوات محتلة.. 76 %
يؤكدون ان العنف ازداد في البلاد بسبب انعدام الثقة بقوات التحالف. 1 % فقط يشعر
بان قوات التحالف موجودة لحمايته، 18 % يقولون ان الشرطة العراقية تحاول اعادة
الامن للبلاد، بينما اكد 71 % على ان الحماية الحقيقية والشعور بالامان ياتي من
الاقارب والاصدقاء والجيران.
يقول السيد الدليمي: هناك فرق شاسع بين الواقع والوعود
الامريكية..
ولذلك تحترم غالبية الناس الان السيد مقتدى الصدر، فهو
الوحيد الذي وقف ضد الاحتلال. 81 % قال ان
رأيهم به اليوم افضل مما كان عليه قبل 3 شهور. ولا يفوق السيد مقتدى في الشعبية
سوى السيد آية الله السيستاني الذي يؤيده بقوة 51 % ، ويؤيده بشكل عام 19 % .
اما السيد اياد علاوي، فالاخبار سيئة. فمع ان الاحصاء تم
قبل تشكيل الحكومة الجديدة، الا ان 61 % قالوا انهم يعارضون السيد العلاوي. فقط 23
% عبروا عن التاييد.. ومع ذلك ، ف 63 % يعتبرون ان تكون حكومة جديدة سيؤدي لتحسن
الاوضاع.. بينما توقع 15 % ان تزداد سوءاً. الاستبيان يوضح كذلك ان غالبية الشعب
العراقي تثق بالجيش الشرطة العراقية..
الولايات المتحدة تواجه مصاعب في اقناع العراقيين بصدقها في
عملية تسليم السلطة في 30 يونيو.. والغالبية ممن سألوا تعتبر خروج الجيش اهم من
الوضع السياسي. 69 % يتمنون الا تتدخل
القوات الامريكية باي شكل من الاشكال في العملية الانتخابية..
.
2) سيرتفع سعر الدينار
العراقي لو تحسن الوضع الامني. فهل تشتريه؟
يراهن
بنك "بيلبربنك " على تحسن الأوضاع الأمنية في
العراق قريباً.. فمنذ أكتوبر الماضي، حين بدأت الدولة العراقية بطباعة العملة
الجديدة، للخلاص من العملة التي تحوي صورة صدام. اشترى بيلبربنك
ما قيمته 200 ألف دولار من الدنانير الجديدة، وهم يبيعون العملة في موقع في الانترنت.. يشاركهم فيه مجموعة من الضباط الأمريكان الذين
يعملون في العراق.. والتوقعات هي ان الدينار سيتحسن
وضعه.. فهو الان لا يساوي سوى عشر البني الواحد
البريطاني.. ولو وصلت قيمته الى بني واحد، فسيكون الربح
عشر أضعاف.. ولذلك فإمكانية الخسارة قليلة .. وما الضرر من شراء بعض الدنانير
وحفظها في المنزل؟
ولو وضعت كلمة اشتري دينار Buy Dinar في اي
آلة بحث، لوصلت لما لا يقل عن 12 موقعاً أمريكيا تتاجر بالعملة العراقية الجديدة..
والسعر يتراوح بين 1000 - 1300 دولار للمليون دينار.. وقد ازدادت المبيعات حين
استلم السيد الياور والسيد علاوي
رئاسة ورئاسة وزراء الدولة الجديدة.. فباع موقع invest
indinar دوت كام.. من الدينار العراقي ما يعادل حوالي 20 الف دولار يومياً.. اما انتفاضة
السيد مقتدى، فقد قللت المبيعات الى ربع هذا المبلغ...
اهم من يشتري العملة العراقية حالياً الجنود الأمريكان،
يليهم شركات تابعة لهلبرتن
صاحبة عقود إعادة الأعمار الكبيرة في العراق.. مما يدل على تيقن هؤلاء الأفراد
والشركات من تحسن الأوضاع في العراق قريباً..ومع ذلك، فغالبية البورصات
العالمية ترفض التعامل بالدينار العراقي الجديد.. ولا ضمان ان
من يشتريه سيقدر على بيعه قريباً..
والتاريخ حافل بقصص دول انهارت عملتها ثم استعادت عافيتها، فاستفاد من اشترى في ايام الرخص..مثل الكويت بعد 1991 ، وألمانيا بعد 1945. ولكن
توجد كذلك امثلة على دول لم تستعد عملتها عافيتها
البتة، مثل العملة الصدامية التي انهارت بعد 1991 وبقت
نائمة حتى تم إلغائها..
وغالبية من يشترون العملة العراقية ينفقون ما بين 1000 - 2000 دولار، بحيث لو
خسروا لا تكون الخسارة جسيمة، وان ربحوا يكون الربح جيداً..
من الأسئلة المطروحة كذلك: هل ستكرر الحكومة خطئاً آخر من أخطاء صدام، وتطبع
الكثير من ورق العملة الجديدة.؟. في هذه الحالة، بالطبع ستقل قيمة العملة..
وقصة الدينار العراقي تدل على ان الشعب العراقي نائم.. خوش نومة
مستريحة والنبي.. وهاهم الأمريكان يتاجرون بعملتنا ويربحون، بينما نبقى مهمومين
بالسيد مقتدى والسيد الشعلان والسيد الياور..
وضع الدينار العراقي يدل على تداخل السياسة بالاقتصاد. ومن يقول انه لا علاقة
بينهما لا يعيش في الواقع.. بصراحة، لو بقي وضع العراق الأمني في حالة الانهيار
الحالية، فكل ما تملكه البلاد من ثروات نفطية لن يرفع سعر الدينار ولا سنتاً
واحداً.. اما لو استقرت الأوضاع الأمنية، فيمكن ان تتحسن أحوال الدينار..
الحكومة الجديدة تحاول ان تظهر بمظهر القوة.. ولكنها
تطلق الكثير من التهديدات.. لو لم تطلق من التهديدات الا
ما تنفذه فقط، وتكف عن العواء، ففي هذه الحالة يمكن ان
تتحسن أحوال الدينار، وتستفيد الناس التي تستثمر..
وفي النهاية، كل شخص منا يعرف في أعماقه هل تتحسن أوضاع العراق ام لا.. وان كانت ستتحسن، فيجدر بكم الاتصال بشركة investindinar.com
وشراء شيئاً من العملة
الجديدة.
3)جامعة بدون كتب وبلا حاسوب.. ومن قتل الاستاذ؟؟
جامعة بدون كتب وبلا حاسوب.. ومن الذي قتل الاستاذ؟
لم تبق الأيام من مبنى إدارة جامعة المستنصرية سوى أطلال..
نواقذ مكسرة.. حيطان محترقة.. ارض مغطاة بالحجر
المتكسر.. مباني اتحاد الطلاب والمساكن الداخلية تعرضت للتخريب كذلك.. اما غرف المختبرات والكمبيوتر، فالمفروض ضمها الى قوائم الآثار التي تدل على حضارة ازدهرت في زمن باد..
حجرات الدراسة سُرقت منها الكراسي.. والمكتبة نُهب منها حوالي 5000 كتاب..
تواجه الجامعات العراقية هذا العام ، بعد مرور 16 شهراً على التحرير مصاعب وهموم
لا حصر لها.. فقد تم نهب 80 % من بنيتها الاساسية بعد
الحرب، ويمكن وصف وضعها بالكارثي..
وقد بدأت محاولات اعادة اعمار
الجامعة بعد التحرير، ولكن الميزانيات كانت بائسة.. مثلاً، جامعة بغداد التي يدرس
فيها 70 الف طالب تعمل بميزانية قدرها 2 مليون دلار..
وهكذا، بدأت وزارة التعليم بتسول المال من الدول المجاورة..الشغيقة..قطر
قدمت كتباً وكمبيوترات وبعثات بقيمة 15 مليون دولار.. الولايات المتحدة وفرنسا
وروسيا قدمت بعثات كذلك.. ولكن الحاجة ملحة..
يدرس في ال 20 جامعة وال 50 معهداً اكاديمياً
في بلادنا حوالي 350 الف طالب.. هذه السنة يتجاوز عدد
من يبدأون الدراسة ال 90 الفاً..
الجامعة العراقية كذلك تحتاج لتكوين روابط مع الهيئات التعليمية في الدول
المجاورة.. فالمناهج لم يتم تحديثها منذ اواخر
الثمانينات..
اما القشة الاخيرة، فهي
العثور على الاساتذة.. فالراتب للمدرس الجامعي حالياً
لا يتجاوز ال 150 دولاراً.. وهو قد يتعرض للاختطاف
والقتل..ومن المعلوم ان حوالي 40 استاذاً
عراقياً قُتلوا منذ نهاية الحرب.. وبالطبع لم يتم القبض على اي
متهم بارتكاب الجريمة..
4) لماذا يريد بعض شباب العراق عودة نظام صدام؟؟
ليس من السهل ان تكون مراهقاً في العراق اليوم..
فالماضي الذي عاش مراهق اليوم طفولته معه وترعرع في ظلاله اندثر الى غير رجعة.. والمستقبل غامض محفوف بالمخاطر. الجيل الجديد
يترعرع في فراغ سياسي، وكأنهم يتامى. "هل نحن عرب؟" البعض يهاجم
العروبة.. هل ننتمي للإسلام، البعض يقول ان هناك اكثر
من إسلام، إسلام شيعي واسلام سني، وبعض الناس يكفرون
الطرف الآخر. الاعلام الغربي يقول ان
الاسلام دين تطرف.. من الصائب ومن المخطأ؟ أسئلة الهوية
الأساسية تبقى بلا جواب. خصوصا بعد ان شاهد هؤلاء الشباب
القوات الأمريكية تدخل بلادهم.. وتعيث فيها الفساد كما تريد، بلا ضابط او رادع... فتعلموا باكراً ان
العدالة كلمة مكتوبة في الكتب.. ولكنها غير موجودة في الواقع المعاش.. سواء في عصر
صدام، او في العصر الأمريكي اللاحق له..
من انتمى منهم للبعث منذ طفولته، وتوقع ان الحزب سيدعمه
للوصول للكلية المرغوبة، اليوم لا يجد اي دعم.. بل ان ماضي انتمائه البعثي عار لابد ان يخفيه..
وان شاهد بعض المراهقين حرب ال 91 ، وعرفوا دمارها
باكراً، فمعدلات العنف اليوم غير مسبوقة.. بل ان بعض
الشباب يحمل السلاح معه الى المدرسة للدفاع عن النفس لو
تعرض احد لهم في الطريق.. فلا يوجد اي
قانون حالياً.. كل فرد يفعل ما يريد..
في ظل هذه الأوضاع ، تعاني الفتاة العراقية كثيراً.. فبالرغم من ادعاء قوات
التحالف ان المرأة اليوم حرة ، تعمل في السياسة، ولكن
الفتاة العراقية العادية لا تستطيع الخروج بدون حراسة..
في ظل هذه الفوضى، ليس من الغريب ان يريد البعض شخصية
قوية يؤمن بها.. أقول بصراحة شخصية صدامية تفرض الأمن
والقانون في البلاد بعد ان افتقدتها طويلاً..... وهكذا
نفسر مظاهرات الشباب في بعض المدن العراقية مطالبين بالإفراج عن صدام .. اما من يكرهونه، فمع الاسف، تشيع
بينهم اليوم عقائد التطرف الديني .. فمجتمع لا يقدم حتى الأمن والاستمرارية
الطبيعية لأطفاله في سن الثامنة عشر، سيدفع ثمن هذا التقصير حين يتطرف الأبناء
بحثاً عن نوع من الاستقرار النفسي..
وكل هذا يدل على ان تخريب الاحتلال للبلاد سيدوم طويلاً
حتى لو رحل الاحتلال غداً.. فقد نجح المحتل في تدمير عقلية ورؤية الشاب العراقي
للحياة.. وتغيير هذا الوضع سيتطلب الكثير من الوقت والجهد..
5)
قصة الطفلة العراقية
دالية..
تغير عالم دالية، ذات ال11 ربيعاً، حين دخلت القوات
الامريكية الى العراق..
فخلال العام الماضي، اختُطف اثنين من اقاربها.. وقتل ثالث
بسبب اشتباك. واسرتها لا تسمح لها اليوم بالخروج واللعب مع اطفال الجيران خوفاً
عليها. حياتها تكبلها القيود والاوامر.. ممنوع الخروج.. العبي في الحديقة فقط.. لا
تركبي البايسكل خارج الحديقة.. لا خروج بدون ان يكون معك الوالد او الوالدة. لا
تذهبي للحديقة العامة.. وغيرها.
وهكذا تشاهد التلفاز ، وتلعب العاب الفديو في المنزل.
ولكنها كذلك احتاجت لتغيير افكارها.. فقد تمت تربيتها على
اساس احترام والثقة بالرئيس المخلوع والتقبل التام لقوانين الاسلام الحنيف.. وكذلك
كانت تحترم صديقات والدتها الامريكيات.. فقد درست الوالدة الصيدلة في الولايات
المتحدة في الثمانينيات من القرن الماضي.
ولكن بعد الغزو، تغيرت كل هذه القيم.. المدرسات طلبن منها
قطع صور صدام من الكتب.. التلفاز بث صور المقابر الجماعية وغرف التعذيب.. وهي كذلك
تشاهد صور الامريكان – الذين درست والدتها معهم -
وهم يطلقون نيران دباباتهم على ابناء الرافدين... ولكن اكثر ما يخيفها صور
قطع الرئوس باسم الاسلام. وهكذا جرف العنف عالمها القديم.. فلم تعد دالية تعرف ما
يجب ان تؤمن به، كيف تفهم الدنيا حولها، او حتى من هم الاشرار ومن الاخيار؟
الساعة العاشرة صباحاً، تاخذها امها بالسيارة عبر شوارع
فوضوية لا قانون يضبطها.. الى مدرسة الرسم. وفي الحجرة، تركز على منظر طبيعي
اسكتلندي تحاول رسمه. تقول امها ان دالية كانت ترسم صور الطائرات الحربية.. وبعد
ظهور صور قطع الرئوس، كان بعض الاطفال يرسمون صوراً مشابهة. ولذلك فرحت الام حين
رسمت الفتاة صوراً من الطبيعة.
تقول دالية: العراق مجدب لا جمال فيه.
مديرة مدرسة الرسم، كريمة حسني، تقول: "نحاول ان ندفع
الاطفال لرسم صور جميلة. عساهم ينسون الحرب."
في الخارج، كان هناك صوت انفجار. لا احد تطلع للنافذة. بقت
عين دالية على اسكتلندة.. ثم سقط القلم من فتاة اخرى، ففزت دالية وغطت اذنيها
بيديها..
في المنزل، يقول والدها ، الذي ينتمي لاسرة معروفة :
"لا نسمح لها بالخروج وحيدة ابداً." وهكذا تعيش دالية وحيدة في المنزل..
"خطفوا ابناء اصدقائنا، واضطروا لدفع 150 الف دولار.".
احياناً تسأل دالية صديقة امريكية لوالدتها: الم يؤذيكم بوش
كما يؤذينا؟" فتوضح الوالدة ان الكثير من الناس في امريكا لا يوافقون على
سياسات الرئيس.. لا احد يحب سفك الدماء..
دالية تصلي خمس مرات كل يوم. ومع ذلك تتسائل عن قطع الرئوس
بسبب الاسلام.. ثم يرتعش جسدها.. تقول امها: "احتاج لاحتضانها بشدة. كل طفل
في هذه البلد يحتاج لطبيب نفسي."
جائت صديقة دالية – مروة – المقيمة في القاهرة. تحدثها عن
حفلة عيد ميلادها التي اقامتها الاسرة في مكدونالدز هناك. تقول: "نستطيع ان
نتجول في شوارع القاهرة وعمان."
مروة تكره صداماً بشدة. تقول لدالية: صدام قتل عمي.. كنت
اخاف ان اقص على اي احد هذه القصة. ولكنه مجرم.. قتل عمي." تجيبها دالية:
"ولكن صدام كان الاب الثاني".. تتذكر الام ان دالية قالت اكثر من مرة:
"اشتاق له احياناً." تفسر الام المعني: "هي تفتقد النظام والامان في
ذلك العصر."
فرحت اسرة دالية لبضعة ايام بعد التحرير، ولكن خاب الامل
بسرعة حين عمت الفوضى، فادركوا ان الامريكان جائوا بدون خطة لادارة البلاد.
تقول مروة: "اعتقد ان قائدنا الجديد افضل من
صدام.."
فتجيبها دالية: "يا ريت! ومن هو قائدنا الجديد؟"
في الغرفة تلعب الفتاتان لعبة الام والطفل.. وقد ابتكرتا
لعبة جديدة: عمو احمد.. في هذه اللعبة، هما سجينتان.. واحمد مسئول عن تعذيبهما.
تقول دالية: هو يضربنا. فنقول له: ارجوك .. لدينا اطفال.. ارحمنا..
وحين ذهبت اسرة صديقتها، اقفلت الاسرة الباب الخارجي للمنزل
بعنف، ففزت دالية، ووضعت يديها على اذنيها، واقفلت عينيها..
المصدر: مقالة روبن شولمان..
ترجمة: د . البراق عبد الهادي..
واشنطن بوست، اكتوبر 5 .. 2004.
6)لا تحوشك الBM . ولك بيعها واشتري تيوتا..
كانت ال BMW السيارة المحببة لابناء
العراق.. ولكن الوضع تغير.
فالشرطة العراقية تضايق أصحاب هذه السيارة، وخصوصاً اذا كان لونها اسود، ازرق غامق، او
رمادي.. بعد تقارير استخبارية تؤكد ان المقاومة
تستخدمها لاطلاق النار والفرار، وفي عمليات الاختطاف.
صباح 6 أكتوبر، فوجأ أهل بغداد
بحواجز تطلب من سائقي هذه الموديلات تقديم الوثائق..
وتم سحب بعض السيارات .. الى أشعار آخر.
اشتكى محمد، وهو سائق سيارة لمؤسسة أخبارية: "هذا
جنون، انهم يوقفون الجميع.. كل الناس في بغداد لديها بي ام.."
الشرطة أكدت انها ستستمر في إيقاف
السيارات وحجزها حتى ينتهي التحذير الأمني. أكد مسئول رفيع المستوى في وزارة الداخلية
انهم يستهدفون الBMW
الغامقة اللون.
ولم يكن الوصول لهذه السيارة سهلاً في العصر الصدامي. ولكن سعرها اليوم انخفض، فاشتراها الكثير من الناس.
"هي سريعة ومريحة وتكييفها جيد.." يقول محمد،
"ولكن لو أوقفوني كل يوم، سأبيعها."
ويبدو ان هناك لعنة تصيب كل ما جلبه الاحتلال.. وتوهمه أبناء الرافدين
خيراً لهم..
حتى سيارة ال BMW التي كانت باهضة التكاليف في العصر المقبور، رخص سعرها حين رفع الاحتلال
الضرائب، ففرح الناس واشتروها.. وها هي الدولة الجديدة
تأخذها من أصحابها.. أصبحت السيارة عبئاً يود صاحبه التخلص منه بأسرع ما يمكن..
اعتقد انه سيأتي يوم يدرك الناس فيه ان
هذا الاحتلال لم يجلب لهم اي خير.. حتى السيارات في هذا العهد منحوسة...
..
7) مشروع أمريكي للقضاء
على مشاكل البطالة والاسكان في العراق – مقبرة الشيخ معروف..
بينما تعاني مجالات الاقتصاد المختلفة في العراق بسبب تدهور
الاوضاع الامنية.. يزدهر المجال الذي يعمل فيه السيد عبد الله حسني. ضحايا الجريمة
والسيارات المفخخة والمعارك يأتون بحثاً عن الراحة الابدية في مقبرته. يقول السيد
حسني: في عصر صدام "المقبور"
كان غالبية زبائننا من العجائر او فرد او اثنين اسبوعياً اصابتهم سكتة قلبية.. اما
اليوم، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ندفن ما لايقل عن عشرة افراد
يومياً. بعضهم ضحايا جرائم قتل ترتكبها عصابات، وبعضهم من المقاومة يقتلهم
الامريكان. هناك جثث تبدو عليها آثار التعذيب واطلاق الرصاص، وهؤلاء عادة ضحايا
عمليات انتقام من تجاوزات عصر صدام. لا يوجد قانون حالياً.. والناس تستغل الفرصة
للثأر."
خلال عصر صدام، خشى المجرم من قسوة النظام الامني الرادع.
ومن قتلتهم مخابرات صدام لم يدفنوا في
مقبرة السيد حسن.. بل في مقابر جماعية.. اما في حال الفوضى الامنية الحالية، فيمكن
ان يطلق اللص على ضحيته الرصاص مطمئناً هانيء البال. كما يمكن ان يفجر اي مختل
سيارة في سوق..
السجل الذي يحفظ فيه السيد حسني اسماء سكان مقبرته مقياس
جيد لتصاعد معدلات العنف منذ ابريل 2003 حين اسقطت قوات التحالف النظام المقبور..
يقول حسني: "هذه المقبرة هي قصة العراق.. لم اشاهد هذه الاعداد من القتلى
طوال حياتي."
حين ياتي الناس لزيارة المتوفين من اقاربهم، يشعرون وكانه
مرشد سياحي يقص عليهم مآسي العراق، الذي وعدته الولايات المتحدة بالرخاء قبيل
اسقاط نظام صدام حسين. "هذا القبر يرقد فيه سماك قتله امريكي حين انفجرت
قنبلة في السوق.. وهذا القبر للشرطي احمد العبيدي، الذي توفي مع ثلاثة رجال شرطة
كانوا في سيارة اطلقت المقاومة عليهم النار. وهذا الضريح يرقد فيه شيخ عمره 75
عاماً بعد ان اطلق لص عليه النار لسرقة ما كان معه من مال." صورة لطفل في
السادسة على قبر يحكي السيد عبد الله قصته الحزينة: اعتقد ان والد هذا الطفل عمل
مع عصابة. وكان بينها وبين عصابة اخرى خلاف. وهاجمت العصابة الاخرى المنزل. فاردوا
الطفل قتيلاً..
اما كابوس الصراع بين جيش المهدي والامريكان، فقد صعب
كثيراً عمليات الدفن. فقد رغب محمد قصي بدفن طفله البالغ 3 شهور من العمر في مقبرة
النجف، تباركاً بها. ولكن الطريق كان خطراً للغاية.. فقرر دفنه في مقبرة الشيخ
معروف لوهلة حتى تتحسن الاحوال الامنية، فينقل الجثمان.. يقول السيد محمد قصي:
"لا اقدرحتى على دفن جثمان ابني.. اعيش ولكن اشعر باني ميت."
حتى عمليات غسل الجثث تتأخر حالياً بسبب الفوضى الامنية..
يشتكى السيد حسين من ان بعض الجثث تصل متأخرة مهترأة، فلا يمكن غسلها بشكل سليم..
"وظيفتي اعداد الميت للعالم الآخر.. وكيف اقدر على انجاز العمل في هذه
الاوضاع السيئة؟"
يعمل مع السيد حسني
12 موظفاً يغسلون الجثث ، ويدفنون أحيانا بالمجان. نظراً لضعف حال الكثير من الناس..
والسيد حسني تعلم تلاوة القرآن على ارواح من ذهبوا وتركونا من رفاقنا واقاربنا منذ
نعومة اظفاره في سن السابعة في مقبرة الشيخ معروف. وهو حتى الساعة يقوم بتلاوة
القرآن بشكل يومي.
وان كان البعض سعيداً بالخلاص من صدام المقبور، فالسيد حسني
يعترف بتشوقه للكثير من مزايا ذلك العصر الغير متوفرة حالياً.. فقد كان يقدر
حينذاك على ترتيل القرآن في حديقة المقبرة الصغيرة في المساء قبل النوم.. ولكن
الأمان اليوم غير متاح، ولم يعد يقرأ القرآن في حديقة المقبرة.. وكان العمل في
العصر المقبور يسير على قدم وساق 24 ساعة يومياً.. اما الآن، فهو يضطر لاغلاق
المقبرة ساعة الغروب. وهو في نهاية المطاف يؤكد انه يرفض دفن اي مجرم يقتل او يؤذي
الشعب العراقي .. "نغسلهم مقابل اجر، ولكن نرفض دفنهم"..
ومشروع انشاء المقابر في العراق فكرة ممتازة للاستثمار،
وستحل الكثير مما تواجهه البلاد من مصاعب حالياً.. بل ويمكن ان تحقق ما تعهد به
الامريكان من رخاء للشعب العراقي. من الممكن انشاء مقبرة مريحة في وسط حديقة غناء
تُسعد فيها روح القتيل، وبتكاليف تدعمها الدولة من ارباح النفط، بحيث لا يعاني
المواطن اقتصادياً في شراء هذا السكن المريح الذي لم يعد المثيل له متاحاً في
الحياة الدنيا.. والمقبرة الجيدة كذلك ستخلص المواطن العراقي من معاناة الحياة
واحزانها ومصاعبها وهمومها في هذه الايام العصيبة.. واخيراً فان من يسكن في هذا
المكان لا يحتاج لوظيفة، مما سيخفف من شدة الضغط على سوق الوظائف.
وشر البلية ما يضحك..
ب) لماذا التزاحم على المشرحة
المركزية في بغداد؟
في العراق اليوم، يمكن ان يموت
المرء قتلاً بالرصاص، بقنبلة، او بالحرق.. شبيك لبيك: يمكنك ان تموت بالطريقة
التي تروق اليك.. الاجساد
تتكوم في ثلاجات مكتظة في المشرحة الرئيسية ببغداد. حتى صار العثور على مكان لوضع
الجثث هماً مؤرقاً للإدارة.
يقول السيد قيس الحسني، المسئول
على احصاء اعداد الجثث،
وتقسيمها الى انواع حسب
كيفية القتل وغيرهامن العوامل الاحصائية، " المشرحة مؤهلة لاستقبال خمسة الى عشرة جثث يومياً. ولكن حالياً، لا تمر 24 ساعة الا وتأتينا 20 – 30 جثة. انها
كارثة احصائية .. انا بالفعل
غير قادر حالياً على اتمام الاحصائيات
لاقدمها للدولة بشكل سليم.
الارقام المحزنة
التي يقدمها السيد قيس لا يمكن التشكيك فيها. الحكومة وقوات الاحتلال تحاول جاهدة
رسم الصورة الوردية. ولكن الحقيقة القاتمة تراها في المشرحة.. فالجثث لا تكذب. لم
يعد يعنيها نفاق السياسة، وحديث طالبي السلطة وشهوات الدنيا.
يفتح السيد قيس احدى الثلاجات،
فتشاهد جثثاً ممزقة الاوصال. يقول لك: جائتنا
خلال هذا العام فقط 6635 حالة قتل غامضة، (لابد من التحقيق فيها والقبض على
الجناة). الغالبية العظمى، 75 %، ماتوا قتلاً بالرصاص. يليه شيوعاً الطعن بالسكين.
في اكتوبر 2004، كان هناك 726
حالة قتل جنائية، بينها 494 نتجت عن اطلاق الرصاص.
الغالبية العظمى من هؤلاء لم يقتلوا بسبب التمرد، بل نتيجة للجريمة المنظمة التي
تجتاح شوارع عاصمة الرشيد.
مدير المؤسسةـ السيد عبد الرزاق العبيدي،
يقول: "غالبية القتلى ضحايا عمليات انتقام، او ممن
تعرضوا للاختطاف، حروب العصابات، السرقة. لا نتعامل هنا مع الجثث التي تعرف الشرطة
اسباب وفاتها، مثل تفجير قنبلة في شارع. مؤسستنا معنية
فقط بالاحوال الجنائية.
لا تتفق المجموعة العاملة في هذه المؤسسة مع فكرة المقارنة
بين عصر صدام والعصر الحالي. في اغسطس 2002، قام
الموظفون بتحليل وكتابة تقارير جنائي بشأن 10 جثث . في اغسطس
2003، بعد رحيل صدام، حدثت 518 جريمة قتل. ولكن الادارة
تتذكر كذلك ان المئات من ضحايا القتل الجماعي في عصر
صدام جائوا هنا، وخشت الاسر مغبة المجيء للمطالبة بالجثث.
"لا نقول اطقع.. الوضع كان
سيئاً، وهو اليوم سيء كذلك. لا افهم تصرفات امريكا. لماذا فككوا الجيش العام الماضي وسمحوا للعصابات
بالوصول للسلاح والذخيرة؟ كيف يتركون البلاد لمدة عام بلا جيش او
شرطة؟ لا اعرف.؟ ولكن نتيجة السياسات البليدة هو المعاناة لجنودهم والدمار لشعبنا.
اعاني من اكتئاب دائم. لا يوجد في البلاد وظيفة تدمي
الفؤاد اكثر من هذه." يقول السيد حسني.
المشرحة تشبه خلية نحل. الكل يعمل ساعات اضافية للتعامل مع هذا الكم الكبير من الاجساد.
كان العمل سيمضي بشكل افضل لو توفر لهم المزيد من الحوامل المتحركة – الترولي – ولكن حتى هذه المؤسسة تعرضت للنهب في ربيع
"التحرير" 2003. وليس لديها اليوم سوى ثمانية حوامل، قدمتها الولايات
المتحدة.
يتصرف السيد د. حسان احياناً مثل
مضيف، يقوم بتعريف الزوار على السكان الجدد: "يسعدني تعريفكم بالسكان
الجدد." وهو يقدمك لجثتين يدرسها علماء البحث الجنائي. الاولى
لرجل في الثلاثينيات من العمر ، كان جسده الرياضي الممشوق سيشد اهتمام الحسناوات
وهو يجوب الشوارع في زمن افضل، بجواره جثمان آخر لم يبق من رأسه سوى القليل.
"نستقبل مثل هذه الجثث بشكل يومي. سبب الوفاة اطلاق
الرصاص. لا يوجد اي هوية تساعدنا على معرفة الاسماء. "
وقد اعتاد المجتمع العراقي على دفن الجثث خلال 24 ساعة.
وكانت الجثث الغامضة الهوية، بلا اسم، ظاهرة نادرة الحدوث. اما
اليوم، فحدث ولا حرج. الجثث بلا هوية يتم العثور عليها في شوارع العاصمة يومياً.
على ضفة الفرات، او في وسط حديقة. القانون العراقي
يطالب بالحفاظ على هذه الجثث لمدة شهرين، لتقديم الفرصة للاقارب
للمجيء والعثور على اصحابها. ولكن الضغوط حالياً تجعل
الانتظار طوال هذه المدة رابع المستحيلات.
يقول د. حسن: لدينا 20 ثلاجة ، يفترض ان
نضع في كل منها 8 جثث. بسبب التزاحم، قررنا ان نضع في
كل ثلاجة 30 جثة. ومع ذلك، فبسبب التزاحم وقلة الاماكن،
وتقطع التيار الكهربي، قررنا الاسراع باخراج الجثث ودفنها باسرع وقت
ممكن. وهكذا ندفن كل 3 اسابيع حوالي 20 جثة مجهولة
الهوية. الشهر الماضي جائتنا 20 جثة خلال 48 ساعة.
ومما يلاحظة السيد العبيدي انواع جديدة من القتل لم
توجد في العصر البائد: فلم تحدث حينذاك عمليات قطع الرؤوس. اما
اليوم، فهذه ظاهرة عامة شائعة.
يضحك – وشر البلية ما يضحك: غالباً ما يأتي الرأس والجسد
سوياً. ولكن احياناً منفصلين. وغالباً ما نستطيع بيسر
تحديد الجثة التي ينتمي لها الرأس. حتى يدفنا سوياً. وصلتنا جثة بلا رأس في بغداد،
واحترنا في العثور على رأسها. وبعد ثلاثة ايام، جاء
الرأس من الكوت. اشعر بان قطع الرؤوس ليس مجرد قتل، بل أرسال لتهديد. وان اهتم الاعلام
بقتل وقطع رؤوس الاجانب لارعاب
الباقين منهم، فالواقع هو ان الآف
العراقيين خطفوا لدفع فدية منذ مجيء الاحتلال، ودفعوا ثمناً باهظاً لوحشية عصابات
الخطف.
عثر الاب الحزين – محمد الطائي –
على جثة ابنه في المشرحة هذا الشهر. خطفوه في بغداد في منتصف اكتوبر.
واستلمت العصابة 2600 دولار. ثم قتلته. آثار الحرق واضحة على الجسد.. وتم اقتلاع
العينين.
يقول الاب الحزين: "ولماذا
فعلوا هذا؟ اتمنى فقط ان
افهم..
ونحن هنا نطالب الدولة الجديدة بالمزيد من الاهتمام بمشرحة
بغداد المركزية. فكيف يمكن لها ان تتعامل مع هذا الكم
من الجثث، والتمويل كله يذهب للانتخابات والحفلات الانتخابية واللوحات الدعائية
المعلقة على الحيطان؟
والمشرحة في نهاية المطاف قد تكون اهم
المؤسسات اليوم في البلاد. يرفد اليها كل يوم 20 – 30
جثماناً راجين ان يجدوا فيها من الراحة والأمان ما لم
يجدوه في "العراق الجديد." وهل
يصح ان تتكوم الناس فوق بعضها بعضاً في الموت.. كأنها
في إدارة الجوازات؟
وكم بالعراق من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكا..
8-انقطاع الماء في البصرة، انقطاع الكهرباء في
النجف..
كل يوم نسمع في نشرات
الاخبار عن العنف والسيارات المتفجرة.. واعداد الضحايا.. ولكن هناك قصص من معاناة
الحياة اليومية لشعبنا لا نسمع عنها في وسائل الاعلام.. ومنها قصة أزمة المياه في
البصرة، وانقطاع الكهرباء في النجف.
أولاً، تحذر الامم
المتحدة من أزمة حادة تهدد مدينة البصرة..فانقطاع التيار الكهربائي، ودرجات
الحرارة المرتفعة، تزيد من حدة النقص المائي الموجود بالفعل في ثاني اكبر مدن
العراق..
روس ماونتن، ممثل
الامم المتحدة في بلادنا، ابلغ رويترز ان مستويات الماء في البصرة لا تزيد عن 40 –
60 % من احتياجات مدينة يسكنها 2 مليون مواطن.. "نحتاج للمساعدة.. لابد من
اعتبار الوضع استثنائي وعاجل. فاعتقد اننا سنواجه تفشي الاوبئة، وفقدان الحياة ،
لو لم تصلنا معونات عاجلة.."
يتذكر من تابع شئون الشعب العراقي ان نقص الماء في البصرة
ادى لاحتجاجات ومظاهرات العام الماضي.. واعتقد ان الناس قد بدأت تخرج الى الشارع
في مظاهرات للاحتجاج على هذا الوضع المحزن هذه السنة ايضاً..
اما في النجف، فالمظاهرات بدأت بالفعل..فيوم الاحد الماضي،
هاجم جمهور غاضب مكتب شركة الكهرباء للاحتجاج على انقطاع التيار الكهربائي احياناً
لأكثر من نصف يوم (12 ساعة) . ومن المعروف ان الكهرباء ضرورية للصناعة والزراعة..
والناس كذلك تعاني بدون مراوح او تكييف في درجات حرارة كثيراً ما تقترب من ال 50
درجة. وقد قال احد المحتجين: سكتنا ولم يعد يمكننا السكوت اكثر من ذلك على هذا
الوضع البائس..
مدينة الصدر تعاني من وضع مشابه..
تُقطع المياه لساعات طويلة عن مدينة الصدر كل يوم، في حر
الصيف القائض، ولكن، حين تعود، تجلب معها الامراض القاتلة.. و"التيفود"
مرض تعود الناس عليه في الصيف، ولكن، هذه السنة، اعداد المصابين فاقت اي سنة اخرى..
ومعه جاء مرض آخر، وهو التهاب الكبد Hapatitis E. الذي كان نادر الحدوث.
يقول قاسم نورسري، مدير مستشفى علي بن ابي طالب: "كنا نقرأ عن هذا المرض في
الكتب" .. وهو مرض يضعف الكبد تدريجياً، ويؤدي الى الموت. ولا علاج له.
عمليات نهب مصنع تصفية الماء بعد التحرير فاقت ازمة كانت
موجودة في السابق.. تقول المريضة فالحة احمد: "كان الوضع سيئاً دائماً، ولكنه
الآن اسوء من اي وقت مضى. نعرف ان الماء ملوث، ولكن لا يمكننا الا نشرب."
الطبيب عطا سلماني يقول ان الحل هو توفير المياه الصالحة للشرب.
حين تسال قوات التحالف والحكومة العراقية، يقولان ان جيش
المهدي يعيق اي مشروع اصلاحي في المدينة. ويحتدم الصراع بينما يواجه 2 مليون شيعي
فقير مأساة تفشي وباء قاتل.."لو شاهدت الماء، فلن تصدق ان هذا ماء صالح
للشرب.. فله رائحة.. واحياناً ترى بقايا قاذورات آدمية.. هذه مياه مجاري تنزل من
الحنفيات." يقول طه عبد الرضى.
والمؤسف ان المستشفى تقدم الماء الملوث ذاته لمرضاها.. فلا
يوجد سواه. وحتى هذا ياتي متقطعا.
أصاب آمال كاظم القيء، وواجهت صعوبة في التنفس، وذهبت
ليومين في المستشفى.. والآن تسير جنازتها..رحمها الله وادخلها رحاب جناته..
وربما حان الاوان لسير جنازة لنظام الماء والصرف الصحي في
مدينة الصدر كذلك..
وبصراحة: لم يكن من
المفترض ان تبقى قضايا مثل الكهرباء والماء في مدن آمنة مثل النجف والبصرة (بالطبع آمنة نسبياً،
بالمقارنة مع بغداد) بلا حل بعد اكثر من سنة على رفع شعار: أعادة الأعمار..
وقد اشتكى قائد الجيش الامريكي الذي اسقط نظام صدام، السيد
تومي فرانكس، في كتابه الجديد، (وعنوانه: جندي امريكي) من ان الحكومة الامريكية لم
تقدم ما يكفي من المال والخدمات باكراً، بحيث يشعر الشعب العراقي بان حياته تغيرت
الى الافضل بعد سقوط النظام. ترك الامريكان امور الحياة اليومية للناس تسيرها
الحظوظ والاقدار.. بدون اي محاولة للاصلاح .. ومن المؤكد ان سوء الخدمات الضرورية
لحياة الناس لا يجب ان يستمر اكثر من ذلك.. فقد عانى شعب العراق، وخصوصاً في
المناطق الجنوبية، بما فيه الكفاية..
أعرف ان الدولة تقول ان ما تملكه من دخل محدود يجب ان يذهب
لمكافحة الارهاب.. ولكن صدقوني: لو وفرتم بعض الخدمات الضرورية، لتعاون معكم الناس
وقضيتم على الارهاب بتكاليف اقل…
ب) حوار بين اكلوب الكهرباء وشيشة النفط..
نشر الشيخ حسن العذاري، وهو من
الحلة، قصيدة عامية عنوانها "بين اكلوب الكهرباء
وشيشة النفط" في جريدة بغداد،العدد 26،
بتاريخ 19 – 2 – 1932. والقصيدة تتناول التغيرات التي تنتجها العلوم في
حياة الإنسان، فتقارن الإنارة الكهربائية بالمصباح النفطي...و لكن، وكما سنلاحظ،
النص يندب ما وصل له حالنا حيث لم يعد اي من الخيارين متاحاً للشعب العراقي بعد
مرور اكثر من 70 عاماً...
والقصيدة مصنوعة على شكل حوار طريف بين الكلوب
وشيشة النفط، يذكر كل منهما فيها مزاياه، وعيوب الآخر. يقول الشاعر في بداية
القصيدة:
كلوب الكهرباء الشيشة النفطية
يناديها يا غبرة اشجايبج ليه؟
ما تطلع لي ريحة
ولا إلى دخان ولا تصبح ابنفطي أمسودة
الحيطان.
والكلوب، وتعني المصباح، واصلها
إنجليزي، globe، يسخر من القنينة النفطية التي
يستخدمها الناس للإنارة. فيعايرها بأنها غبراء اللون، وان رائحتها تصيب الأطفال
بالأمراض الصدرية.. كما ان لون الأرض والحائط يسود بسبب
استخدامها. باختصار: القصيدة هنا تتناول قضية التلوث البيئي الذي تسببه القنينة
النفطية. التي تستجيب للتحدي:
النفطية حجت هاجت مصيبتها وقامت من
كُترها اتسيل دمعتها
يم الكهرباء والروح حمستها تكله يا
مسودن الى المنية
نادت يا سفيه الرأي يا مجنون أهلي
من حضرتك كل وكت يبكون.
اخذت فلوسهم من حيث لا يدرون وسبت الهم
يخايب سيبة الحية..
تجيب القنينة النفطية ساخرة،
والنفط يسيل من جوانبها كالدموع: الكهرباء تسكنها الروح، وهي يمكن ان تقتل من يسيء استخدامها.. ثم تستطرد مؤكدة ان الكهرباء تجلب معها الشركة والدولة، فتأخذ من الفقير ماله
القليل. وتترك له الهموم..
وهذه القصيدة الطريفة قد تكون خير
تعليق على أوضاع الكهرباء والوقود في بلادنا هذه الأيام. ففي ذلك العصر، طالب الناس بالكهرباء، واعتبروا
جلبه للمدن مما يحسب للدولة. وحين لم يجدوه استخدموا القنينة النفطية للإضاءة..
لكن وفي عراق القرن الواحد والعشرين: كلا الخيارين غير
متاح.
فالناس في موسم العيد تعيش بلا
كهرباء وحتى الوقود الضروري لإضاءة القنينة النفطية يصعب العثور عليه.. وهكذا ينام
الأطفال بلا تدفاة في هذا الشتاء البارد. طوابير طويلة
قد تمتد لأميال تتوقف أمام محطات الوقود. حتى الشاحن – البديل الذي استخدمه الناس
– لا يعمل بدون الوقود. بل ان زيت الطبخ صار العثور
عليه صعباً وارتفع سعره عما ينبغي..
إنتاج الكهرباء اليوم اقل بنسبة 20
% مما كان عليه الحال قبل الحرب. واقل بنسبة الثلث مما كان عليه منذ بضعة شهور.
بالرغم من 500 مليون دولار يفترض ان الولايات المتحدة
ضختها من اجل إصلاح المحطات. لاكثر من شهر الآن، ينقطع
التيار الكهربي لعشر ساعات ، ويعمل لساعة في بغداد.
وسعر الوقود في السوق السوداء في
العراق الذي يفترض ان يصدر النفط أغلى منه في أوربا،
التي تستورد النفط، وتضع عليه الضرائب الباهظة .
تتعجب الناس من هذا الحال. البعض
يقول ان الولايات المتحدة تنتقم من الشعب العراقي لما
حدث في السبعينيات حين أوقف تصدير النفط.. البعض يتذكر الأزمات في العصر الصدامي.. ربما يكون الهدف ان
يُشغل الإنسان بهمومه الحياتية فلا يجد وقتاً للتفكير بما يحل به .
وبالطبع ، يتفق أبناء الرافدين على
ان الفساد والعصابات المنظمة هي من يسبب هذه الأزمة.
فأصحاب المحطات يبيعون النفط في السوق السوداء ، ويكسبون المال الحرام من معاناة
الناس. الشرطة تملأ عرباتها بدون انتظار،
وتذهب فتبيعه في السوق السوداء، وتعود لتملأ العربة ثانية.
هناك من يقول ان
من يُقبض عليه يبيع النفط في السوق السوداء هو المسكين الذي لا ينتمي لعصابات
الجريمة المنظمة.
ومن الممارسات الشائعة كذلك ان رجل الشرطة يقبل رشوة بسيطة مقابل السماح لفرد بالوصول
للمحطة بدون الانتظار في الطابور.
والدولة بالطبع تلوم التمرد.. ولكن
التمرد كان موجوداً منذ عام ونصف. فلماذا اليوم فقط تصل الأزمة لهذه الدرجة من
الضراوة؟
وقال البعض: ان
الأزمة تتعلق بالانتخابات.. فقد تعهد السيد د. علاوي
بتحسن الوضع، وبدأ بالتحسن أخيرا. مما يُقدم دعاية جيدة للحكومة التي تحاول مساعدة
الشعب في أزماته.. وسخر البعض الآخر من الشمعة في دعايات مجموعة بعينها، وقالوا ان الشمعة هي الحل الذي تقدمه تلك القائمة لمشكلة الكهرباء.
وصاروا يسموها قائمة الشمعة.
في قصيدة "بين أكلوب الكهرباء وشيشة النفط" يتحدث الشاعر عن الفساد،
والطبقية.. فتقول الشيشة للكلوب انها كانت ستقدره لو
قدم خدماته للجميع، بدلاً من ان يقدمها لبعض الأفراد،
ويحرم غيرهم:
لكن شو تضوي الناس تحرم ناس أحمدك
لو ضويت ابغير ربية
نادى الكهربائي ما إلى تقصير شغلي بالنزاكة واتبع التعمير
آنه وياج بخرابة ميصير آنه
بالقصر وإنتي ابطينية..
تتهم القنينة النفطية الكلوب انه
لا يأتي للمنازل بدون "روبية" – وهذه عملة هندية كانت شائعة في العراق
حينذاك.. باختصار، الكهرباء حسب القصيدة تذهب لمن لديه المال ليدفع.. اما الفقير الذي يعيش في منزل من طين، فلابد له من القبول
بشيشة النفط..
هكذا كان الحال في الزمن
البريطاني، وربما يكون هذا هو الدرس الذي لابد ان
يتعلمه الشعب العراقي في الزمن الأمريكي الجديد القديم الذي نعيشه..
من المصادر:
Gas
and electricity shortages enervate
By Colin McMahon
Chicago Tribune
9)هل يجدر بالعراقي شراء عقار في بغداد حالياً؟
.. والاسعار تحلق في العلالي..
لا
احد يعتقد ان الحياة في بغداد آمنة،ولكن الناس تشعر بان الاستثمار في عقارات بغداد آمن..
وان كان الطيران غير متاح حالياً، الا ان اسعار
العقارات تطير...برغم ان متوسط دخل الفرد حوالي 1600 دولار سنوياً، وبرغم دوامة العنف
والدم..
وليس هذا بغريب ..
فالعراق بلا قانون.. السيارات تسير عكس اتجاه السير، ولا تتوقف للاشارات، وسوق
العقار كذلك يسير حسب قوانين خاصة، خفية..
فلماذا ينفق الناس
الملايين على منزل؟
العقارات هي الاستثمار
الوحيد المتاح حالياً. وفي عصور سابقة، بالرغم من تحولات السياسة، لم تتأثر سوق العقارات..
وان كان الحلم الامريكي
المعروف هو في شراء منزل في كالفورنيا.. فالحلم العراقي صار شراء منزل في منظقة جيدة كذلك.. في العصرالبائد، عمل الشاب لعدة سنوات استطاع
بعدها شراء بيت للزواج، او على الاقل استئجار منزل.. اما اليوم، فشراء منزل من
الراتب مستحيل تماماً..فقد كان سعر افضل المنازل في بغداد لا يتجاوز 700 الف دولار..
اما اليوم، فهناك الكثير من المنازل التي تباع بالمليون وفوق.. البيت الرخيص، الذي
كان يباع سابقاً ب 15 الف دولار سعره اليوم0 12- 150 الف..
هناك ايضاً سوق
للايجارات..والمستأجر عادة ما يكون من المرتزقة الذين جلبهم جيش المحتل معه، او من
الاعلاميين العرب.. وهؤلاء لا يمانعون من صرف مليون دولار على منزل كان ثمنه قبل
الحرب ربع مليون، او استئجاره بمبلغ 5000 دولار شهرياً..
االسوق بحال جيدة.. فقد
عاد من قضى اعواماً يوفرالمال في الخارج بعد ذهاب صدام..وهو يريد ان يشتري.. حتى لو
تضاعف السعر خلال اسبوع..
هناك ايضاً طبقة ثرية جداً صنعها نظام صدام.. منهم من كان
يتعاقد مع الدولة.. ومن عملوا في اداراتها، ورجال الاعمال.. ومن الممكن ان يكون
لهذه ال 10% من السكان حوالي 60 % من الناتج القومي..وبالنسبة لهؤلاء، الاستثمار في
العقارضروري، خصوصاً والدينار العراقي غير مستقر..
بين المشترين، يوجد
الحواسم.. الذين نهبوا الدولة بعد انهيار النظام السابق، ويريدون اليوم صرف ما
استولوا عليه..
وقد قلت اعداد المشترين بعد احداث الفلوجة والنجف.. ولكن
الاسعار ترفض النزول.. والمتوقع هو ان ترتقع اكثر حين يستقر الوضع الامني.. فكرة
الاستثمار الاجنبي القادم كذلك تدفع بالاسعار الى الاعلى..
هناك الان من يبني
المنازل الفارهة على ضفة النهر.. تساله لماذا لم تفعل ذلك سابقاً.. يقول: كان احد
الوزراء سيصادر المنزل.. تقول له: الا تخاف من السرقةـ او الخطف؟ يقول: حتى
الامريكان يسرقون.. ولكن هذا استثمار في المستقبل..ونحن في نهاية المطاف نؤمن بالله..
ولن يصيبنا سوى ما كُتب لنا..
نقول في النهاية: الحروب تصنع طبقات جديدة..من
الاثرياء..لهم قيم ونظم جديدة في الحياة.. والطبقة الثرية الجديدة في العراق تهتم كثيراً بالترف والرفاهية..
والمظاهر.. ترى منازلاً اقرب للقصور.. بتكييف مركزي، ومسبح خاص، وحديقة ضخمة، .. وعشر غرف
نوم..
ونظام اتصالات ونأمين
داخلي.. وطبق يوصل الفضائيات الى كل حجرة في المنزل..
كان الله في عون الانسان العراقي الذي يعيش في
مناطق مثل مدينة الصدر.. او الفلوجة.. فهؤلاء حرموا حتى من الوظائف الضعيفة التي قدمها لهم النظام السابق،
والاسعار المنخفضة نسبياً.. لا اريد ان ابدو متشائماً.. ولكن تقارب الفقر والثراء
الفاحش في مدينة بغداد كما يجسده سوق العقارات ليس مما يدعوا للتفائل..
وعلى كل حال، فالحزب الشيوعي موجود.. وفي اجواء الصراع
الطبقي.. سيكون للرفاق ما يفعلونه..
10- بوادر عودة الخدمات البريدية الى البلاد..
وبعتنا مع الطير
المسافر جواب.. الى العراق..
في عصر صدام، تحولت الخدمة البريدية الى
جزء من المخابرات.. فكثيراً ما كانت الرسائل القادمة من الخارج تُفتح.. واحياناً تم استدعاء "المرسل اليه"
والتحقيق معه بسبب ما تذكره رسالة كتبها شخص آخر.. وغالباً ما اختفى البريد الذي
يحوي الحوار الصريح ولم يصل..
وبعد انفاق 20 مليون دولار على الاصلاحات (نصفها من اموال النفط،
والنصف الاخر تبرع به العم سام) بدء البريد الجديد يخطو
خطواته الاولى البطيئة.. فشركة البريد الامريكي صارت الان توافق على
استلام الرسائل من الولايات المتحدة وتقوم بارسالها الى العراق.. بعد انقطاع قارب ال
18 شهراً..
ولا تصادر السلطات اليوم اي
رسالة، ولكن البريد كثيراً ما يتاخر.. ورسالة من الخارج
تحتاج لاسابيع حتى تصل. وقائمة العناوين المتاحة لشركة
البريد قديمة.. لكل هذه المعوقات، لا يستخدم سوى 13 % من السكان الخدمات البريدية..
وليس هناك اي امكانية تحسن سريع.. فهناك 208 ناقلة بريد تغطي البلاد باسرها.. اما في مدينة مثل
نيويورك، فعدد ناقلات البريد يتجاوز ال 10 الاف ناقلة..
ومع صعوبة تحديث الخدمات البريدية، لجأ الناس الى الإنترنت.. تيار التلفون يتقطع كثيراً.. ولكن هناك قهوة
الإنترنت.. والناس ترسل عن طريقها البريد .. لتعرف آخر أخبار الأحبة والأصحاب..
وقد وصلتني من العراق اكثر من رسالة في الفترة الاخيرة.. ولكن متاخرة كثيراً..
وعسى الخدمات تبدأ بالعودة شيئاً فشيء
11- "طيارة
طارت بالسما بيها إنجليزي"..
عودة الخطوط الجوية العراقية للعمل..
عادت الخطوط الجوية العراقية للعمل. فلأول مرة
خلال 14 عاماً، حلقت طائرة من الأردن الى بغداد. وغادرت
أخرى الى دمشق سوريا ووصلت بسلام الساعة 2 ونصف مساء..
وكانت الرحلة من عمان الى بغداد الأولى منذ فرض الحظر
على نظام صدام عام 1990. الطائرة بوينج 373 ورقمها أ 164 حلقت من مطار الملكة عالية الدولي الساعة
9 ونصف صباحاً الى مطار بغداد.. رفضت الخطوط الجوية ذكر
عدد الركاب. ولكن سعر التذكرة ذهاباً وإيابا من عمان لبغداد هو 750 دولاراً.
والمفروض ان تكون
هناك رحلة يومية الى عمان ودمشق. وهناك إمكانية لافتتاح
خط ثالث الى الإمارات قريباً..
والمقاومة تتعمد إطلاق صواريخها على الطائرات التي تأتي
وتذهب من مطار بغداد، خصوصاً والقوات الأمريكية تستخدمه في طيرانها الحربي.
والطائرات تقوم بحركات مراوغة رشيقة في بدء تحليقها لتجنب الصواريخ، وتسير في خط
واحد محمي فقط. وقد هبطت طائرة DHL
العام الماضي والنار تشتعل في جناحها بعد تعرضها
للقصف.
الطريق من العاصمة الى المطار
خطر.. فالقوات الأمريكية تستخدمه لنقل المؤن الضرورية ، فتهاجمها المعارضة. السبت
الماضي، انفجرت قنبلة بينما مرت قافلة أمريكية في طريق المطار.. فجُرح ثلاثة جنود
.
المدير التجاري لشركة الخطوط الجوية العراقية، السيد ماجد
الوادي، يقول ان الشركة تعمل لاسترداد طائرات موجودة في
الأردن وتونس وإيران.. ولكنه لم يحدد عدد هذه الطائرات.
الرحلة أ 129 هي الأولى التي وصلت من العراق الى سوريا منذ 1980 ، حين قطع نظام صدام الصلات معها بسبب
تعاونها مع إيران خلال الحرب. ولكن كان هناك عدة طائرات سورية وصلت الى العراق في أواخر التسعينات مع تحسن العلاقات .
الرحلة – ذهاباً إيابا – من دمشق الى بغداد – تكلف 600 دولاراً. والمفروض ان تكون
الرحلات يومية.
والخطوط الجوية العراقية بدأت بالتخطيط لتجديد الأسطول.
هناك فكرة شراء خمس طائرات من نوع الحافلة الجوية (air bus)
. كما يتم تدريب الطيار العراقي في الأردن..
صرنا نفرح لخروج طائرة
وعودتها.. وهو شيء تحقق في كل دول العالم. الا بلادنا،
التي أوقف نظام صدام الشرير والحظر القاسي تطورها، وأعاق نموها.. أعادونا بالفعل الى عصر ما قبل الطيران طوال التسعينات من القرن العشرين..
كنا نسافر الى بغداد من عمان في
رحلات صعبة على الكبار في السن.. وفي بعض الأحيان لم تكن الطرق آمنة. وبعضنا – ممن كرهوا الأردن – عانوا نفسياً لمجرد دخول ذلك البلد الذي أجبرنا على استخدام
أراضيه للوصول للوطن.. (ومن الممكن التساؤل: الم تجد
الدولة العراقية الجديدة أي بلد أخرى لتدريب الطيار العراقي سوى الأردن الذي يبقى
في قلوب بعضنا مرارة مما لاقيناه من عنصرية من أهله؟؟)
اليوم صار من الممكن تقليص المخاطرة والمعاناة، وتجنب
الأردن.. فتذهب من دمشق الى بغداد لمدة يوم او اثنين، تقبل اقارباً أعزاء عليك
لم تشاهدهم منذ أعوام طويلة.. ثم تغادر البلاد بسرعة.. اللهم الا
اذا أصابت حافلتك قنبلة في طريق المطار…
وربما حان الوقت كذلك للقوات الأمريكية للعثور على موقع آخر
لطائراتها الحربية خارج المطار الدولي.. فوجودها يهدد سلامة الطائرات المدنية..
ويعرضها لقصف المقاومة. ومن الممكن جداً، لو علمت المقاومة ان
الطائرات الأمريكية الحربية تركت هذا المطار، ان تخف
حدة الهجمات عليه وعلى الطائرات المغادرة منه.
وعلى كل حال، هي خطوة أولى على طريق طويل.. لعودة بلادنا الى التواصل مع العالم.. بكل ما فيه من خير، ومخاطر..
ب) الرحلة المخيفة من
عمان الى مطار بغداد...
تهبط الطائرة الأردنية الى مطار
بغداد الدولي بطريقة غير تقليدية: فهي تبقى محلقة عالياً حتى تصل فوق المطار ثم
تندفع منقذفة الى الأرض
بسرعة، راجية بهذه الطريقة تجنب صواريخ وقنابل المتمردين من طريق المطار. ولكن
هناك مخاطر أخرى: طائرات هلكوبتر أمريكية تقلع من
المطار في ذات اللحظة التي تحاول فيها الطائرة الأردنية الهبوط، فيتجه الطيار الى اليسار، ويتجنب الارتطام بها. ثم يهبط بسلام.
يقول روبرت براند،
الطيار من جنوب افريقيا: "احب المغامرات، وقيادة
الطائرات الى مطار بغداد الدولي مغامرة. دائماً هناك ما
يتحدى قدراتك على التحليق. "
طائرات الخطوط الملكية الأردنية والعراقية لا تزال الوحيدة
التي تقدم خدمة الرحلة الجوية من بغداد واليها. والرحلة لمدة ساعة من عمان
يستخدمها الصحفي، المتعاقد الأجنبي، المواطن العراقي، وغيرهم ممن يرغبون بتجنب
الدرب الصحراوي الخطر.
يقول أحد العاملين: "فضلت الطيران لان الطريق غير
آمن."
وبالرغم من عدم وقوع حوادث منذ سمحت الولايات المتحدة بعودة
الطيران المدني، الا ان اكثر
من طيار اشتكى من صعوبة تجنب الطيران الحربي الأمريكي بجوار المطار. "يمكنهم
أقفال المطار وإيقاف الرحلات حين يكون هناك أعمال عسكرية، ولكن، وحتى في لحظات
الهدوء، لابد لك من توخي الحذر من طائرات الهلكوبتر
التي تقلع على حين غرة."
والطيار الجنوب أفريقي، براند،
يعمل لحساب شركة اير كوبريوس
للطيران، وهي تقدم الطائرات والطواقم للعديد من الشركات
العاملة في شرق أفريقيا والشرق الأوسط، ومنها الخطوط الملكية الأردنية.
والشركة تستخدم طائرات
اف 28 الملائمة لحركات سريعة رشيقة ضرورية
للإقلاع والهبوط في مطار بغداد، حيث يخشى الطيار بشكل دائم قذائف ارض جو تطلقها
جماعات التمرد.
العام الماضي، ضُربت طائرة مدنية بعد التحليق. وفي هذا
العام قُتل راكب من إطلاق الرصاص على طائرة استرالية من
طراز Herecules c130 لم ترتفع عن الأرض
بالسرعة الضرورية. مؤخراً تم العثور على قنبلة في حقيبة مغادر من بغداد، مما دفع
بالسفارة الأمريكية لتحذير رعاياها من مخاطر الطيران.
ولتقليص إمكانيات التعرض لإطلاق النار أثناء الهبوط، طور
الطيارون أسلوبا خاصاً. فهم يبقون على ارتفاع 15 الف
قدماً ثم ينقذفون بسرعة وحدة في دوائر ضيقة تكاد تطيح
بالركاب من الكراسي، وتصيبهم بالدوار. كما يتم استخدام المثبتات للضغط الجوي حتى
لا يرتفع عن معدلاته الضرورية لسلامة الأذن . بعد الهبوط، يقوم الطاقم بفحص
الأجنحة للتأكد من عدم أصابتها بعيارات نارية.
"نحاول البقاء بعيداً عن المناطق المحيطة بالمطار خلال
الهبوط." يقول براند.
وقد تم إيقاف الرحلات ا