حول النتائج المقلقة لاستطلاعات الرأي الجديدة في العراق.
صدرت هذا الأسبوع نتائج اكثر من استطلاع جديد
لرأي السكان في العراق. ودراسة هذه النتائج مفيدة، فهي تقدم معلومات بشأن ما يفكر
به أحبائنا في الوطن.
واستطلاع آراء الناس بشكل عام ظاهرة إيجابية وجديدة على المجتمع العراقي
ومجتمعات الشرق الأوسط. فغالبية حكومات هذه المنطقة تخشى أجراء استفتاءات صادقة
تكشف قلة شعبيتها.
الكثير من الدول، ومنها يوغسلافيا، تفجرت فيها الحروب الأهلية بعد انهيار
النظام الشمولي لان الآراء المكبوتة كانت قد ازدادت غلواً وتطرفاً مع مرور سنوات
القمع الطويلة. وفي العراق كذلك، توضح استبيانات الرأي الجديدة الكثير من الخلافات
في الرأي. فحين أنهار نظام صدام، وذهب الصوت الواحد والموحد للدولة، الذي كان
دائماً ضعيفاً كفكر، ولكن تم دعمه بواسطة الترهيب ، بدأت استطلاعات الرأي توضح ما
قالته كتب التراث دائماً عن أهل العراق: وهو انهم أهل فكر وفطنة. لكل منهم رؤيته
الخاصة الثاقبة للأمور. وربما مع مرور الوقت ستأتي الحلول الوسطية بين الرؤى المتشرذمة حالياً.
والاستفتاءات الجديدة في العراق بشكل عام توضح وجود انقسام حاد في المجتمع
بشأن عدة قضايا، منها نظام الدولة التي تريدها عامة الناس ودور الدين في الدولة
الجديدة.
الاستفتاء الأول ، الذي شمل 1967 عراقياً وعراقية، تم بين فبراير 27 ومارس 5، بعد انتخابات يناير،
وقامت به مؤسسة International
Republican Institute . نتيجة الاستفتاء الأساسية هي ان غالبية الشعب العراقي متفائلة بعد الانتخابات وبسببها. 62
% يعتقدون ان البلاد تسير في الطريق الصحيح ،
مقابل 23 % فقط يقولون ان
البلاد تتجه في الدرب الخاطئ. وهذا اكبر فارق بين الطرفين نلاحظه في استبيانات
الرأي. ففي سبتمبر الماضي، اعتقد 45 % من
العراقيين ان البلاد تتجه في درب خاطئ، و42% أنها تسير في الطريق الصحيح. كانت النسب
متقاربة لدرجة استحالة إدعاء أي طرف من الأطراف المتنازعة على الساحة العراقية انه
يمثل عامة الشعب العراقي.
وبالطبع، فالكثير من الناس سعيدة بأنها مارست الحق الانتخابي لأول مرة منذ
ما يزيد على النصف قرن. وهذا عامل أساسي لميل غالبية الشعب الى
التفاؤل في الاستفتاءات الجديدة.
ولكن من الممكن التساؤل: هل النسب تغيرت بالفعل لهذه الدرجة الكبيرة؟ ام قامت المؤسسة الأمريكية بالتلاعب بشكل ما؟ الواقع ان الاستفتاء
لم يشمل مناطق يحبها كل عراقي مثل محافظات الانبار ونينوى (لأسباب أمنية) ، وكذلك محافظة دهوك (لعدم وجود موظف
تابع للمؤسسة في تلك المنطقة). وهذا مؤشر سلبي للغاية. فمن المعروف ان نسبة المتشائمين في الأنبار ونينوى كبيرة، بسبب حدة أعمال العنف وسوء الأوضاع الأمنية في
تلك المناطق. وقد تحدث البعض عن "إقصاء" سكان هاتين المحافظتين من
العملية السياسية الانتخابية. فحسب الاستفتاء،
80 % من العراقيين اشتركوا في انتخابات 30 يناير في الجنوب الشيعي والمناطق
الكردية. أما المناطق السنية، فلم يشارك من أهلها سوى 40 % (اقل من النصف).
وهاهي المؤسسة الأمريكية اليوم
تستبعد سكان هذه المناطق من استطلاعات الرأي كذلك.
وكلنا نتمنى لعراقنا الجديد ان
يكون شمولياً، بحيث لا يتحرر أصحاب منطقة، ويُقمع سكان أخرى. مع الأسف، نتائج
الاستفتاء توضح زيادة الخلافات بين سنة العراق في جانب، وشيعته وكرده في الجانب
الآخر. 33% من العرب في المناطق السنية فقط يعتقدون ان
العراق يسير في الطريق الصحيح، مقابل 71 % من الأكراد، و 66 % من الشيعة.
في استفتاء آخر بين الشباب الجامعي نلاحظ ظواهر أخرى مقلقة.
الاستفتاء في الجامعات قامت به مجموعة Iraqi Prospect
واشترك فيه 800 طالب جامعي من جامعات العاصمة وجامعتي البصرة والموصل بين ديسمبر 1
ويناير 29. أي انه تم قبل الانتخابات.
ظاهرياً يدل هذا الاستفتاء على ان الشباب يريد
"الديمقراطية". ولكن لو حللنا النتائج أدركنا ان
من تم استفتاء آرائهم لا يعرفون عن معنى
كلمة "ديمقراطية" الكثير. 60 % ممن تمت مسائلتهم يعتقدون ان النظام الديمقراطي افضل من اي
نظام آخر، لأسباب اقتصادية. فمع مجيء الدولة الجديدة، تحسنت الرواتب، وصارت حرية
الحديث متاحة. وهكذا يقول عدد كبير من الطلاب في الجامعات ان
الديمقراطية تقدم تعليماً افضل ووظائف ورواتب لعدد اكبر من السكان.
ولكن النسبة الأعلى من الشباب يقلقها تدهور الأوضاع الأمنية. ولذلك يؤكد 91
% منهم على ان الحياة بدون عنف ضرورية للديمقراطية. ومع
الأسف، فحوالي 45 % من الشباب الجامعي يريد "رجلاً قوياً" يدير البلاد
لحل الأزمات الأمنية. ولو أضفنا لهذه النتيجة ان النسبة
ذاتها تؤيد تدخل الجيش في شئون الدولة، ولا يعنيها كثيراً حرية الرأي والحق في
المشاركة السياسية، يكون أمامنا وضع مقلق بالفعل.
ومن الواضح ان لهذه النتيجة أسباب: فهؤلاء
الشباب عاشوا طفولتهم في العصر الصدامي البائد، حيث كان
الأمن متوفراً، ولكن بدون حرية رأي. وحين هبت عاصفة الحرية، جلبت معها الانفلات
الأمني وعمليات السطو والقتل والجريمة والنهب، فحلم بعض الشباب بأسطورة
"المستبد العادل". الإنسان حين يعاني يتمسك بقشة. ومن الطبيعي ان الشباب سيستعيد في الأوقات العصيبة أزمنة طفولته وما وفرته
له من شعور بالأمن، وقد يشعر أنها افضل من اللحظة الصعبة الحاضرة ويحاول
استعادتها.
وعلى كل حال، فحين تذكر اسم البعث، يتضايق الشباب الجامعي في العراق. 68 %
يرفضون نظام حكم الحزب الواحد.
وأخيراً، فقضية دور الدين في الدستور كذلك تشكل نقطة خلاف محورية بين
غالبية الناس. غالبية شباب الجامعات العراقية لا يؤمنون بفصل الدين بشكل تام عن
دستور الدولة. وبين عامة الناس، 48 % يؤكدون على أهمية دور الدين في صناعة الهوية
المميزة للعراق، بينما يؤكد 44 % على
ضرورة وضع فواصل متينة بين إدارة الدولة والمؤسسة الدينية. مجموعة كبيرة ، حوالي 47
% يريدون ان تلعب القيادات الدينية دوراً اكبر في
الحياة السياسية. وهذا يعني ان عدداً لا بأس به من
الناس قد يدعمون فكرة "ولاية الفقيه."
ومن الممكن النظر بين السطور اكثر
مما ينبغي في تحليل نتائج الاستفتاءين. فظاهرياً، النتائج إيجابية. اكثر من 60 %
من الناس متفائلة بان البلاد تسير في الطريق الصحيح. و60 % من شباب الجامعات
يريدون نظاماً ديمقراطياً تعددياً، وهذا بالرغم من
الأوضاع الأمنية المتدهورة، ونسبة البطالة المرتفعة.
بشكل عام، تدل النتائج على ان المجتمع في حال حوار حيوي. وهذه ظاهرة إيجابية. الناس التي
قُمعت لأعوام طويلة تستطيع اليوم ان تتحدث وتقدم وجهات
نظر مختلفة. ومن الممكن أن تميل بعض
الأفكار الشائعة على الساحة العراقية للتطرف، وقد يكون بعضها غير ملائم للقرن
الواحد والعشرين. وهذا الوضع ينتج عن القمع الصدامي
البغيض للصوت العراقي لأعوام طويلة. كما انه لا يحق لنا ان
نتوقع من أبناء العراق ان يصنعوا نظاماً شبيهاً بالذي
تعودنا عليه في دول المهجر التي تأقلمنا على الحياة حسب نظمها. وشخصياً، أتوقع
انه، مع مرور الأعوام، وترسخ الفكر الحر، سيتقارب الناس من بعضهم البعض. وتقل نسب
الفوارق الكبيرة التي نلاحظها في الاستبيانات الجديدة.
Most Iraqis say
future looks brighter
62% highest mark since war began
By Barbara Slavin
16 – 3 - 2005-
Iraqi youth want
democracy, but not sure how-poll
Source: Reuters
|