السيد السيستاني، وأيوب
البابلي: معنى المعاناة العراقية..
مركز القوة في العراق اليوم ليس في المنطقة الخضراء، بل
في زقاق قديم في النجف.. يؤدي لمنزل السيستاني
المتواضع.. حيث تجده
يجلس على وسادة صغيرة على الأرض، في زاوية حجرة..
ولا يترك منزله الا للصلاة أحيانا في جامع
الأمام، كرم الله وجهه.
والسيد السيستاني لم يلتق يوماً
بمسئول او جندي أمريكي. بل ولم يشارك في انتخابات 30
يناير. ولكنها ما كانت لتتم بدون دعمه لها.. فهو طالب بالانتخاب حين فضلت
الولايات المتحدة تسليم السلطة لحكومة انتقالية تصنع الدستور، بدون انتخابات ولا
هم يحزنون.. واخرج مئات الآلاف من العراقيين الى الشارع
مطالبين بضرورة الانتخاب حتى تراجع الأمريكي صاغراً.
المؤكد اليوم هو ان القائمة
التي رشحها فازت ب 48 % من الأصوات، اي ما يقارب ضعف
عدد القائمة الكردية في المركز الثاني بنسبة 25 %. وسيكون للقائمة "السيستانية" نصيب الأسد في صناعة الدستور.. وحتى في
تحديد درجة إسلمة قوانين البلاد.
وتأثير السيد السيستاني واضح
جلي في إنجاح الانتخابات.. فالناس ما كانت لتذهب لصندوق الاقتراع بدون ان يحثهم على المشاركة فيها بفتوى مشهورة.
السؤال: ما هو مصدر هذه القوة؟ بالطبع، اتخذ السيد السيستاني الكثير من القرارات الصائبة.. مثلاً، حين حث اتباعه
على تجنب الرد على الاستفزازات التي تقوم بها مجموعة الزرقاوي
الإرهابية. وجنب البلاد بهذه الطريقة الحرب الأهلية التي سيستفيد منها المستعمر.
كما نجح في إخراج مظاهرة مليونية أوقفت مجزرة النجف
العام الماضي، مما أحرج حكومة علاوي والأمريكي على حد
سواء..
ولكن هناك كذلك العامل الديني الذي يلعب دوراً لا
يستهان به لفهم حب عامة الناس للرجل.. الفكر الديني الإسلامي يؤكد: ان الحياة عابرة زائلة لا تستحق شهواتها الحزن لو لم تتحقق،
ومع ذلك لابد من التحارب والتصارع في سبيل الحياة الكريمة والستر، بقدر الاستطاعة
المتاحة للإنسان. ولله عز وجل دور كبير في التوفيق. ولذلك يجدر بالإنسان
احترام السنن التي خطها للبشر. وهذه الفكرة المزدوجة، يبدو لي، يجسدها السيد السيستاني في الصورة الشائعة عنه بين الناس..ونجدها سابقاً في
شخصية عراقية سابقة للسيستاني وشبيهة به، وهو أيوب
البابلي (667- 628 ق.م) النبي العراقي المذكور في العهد القديم، والذي يتذكر عامة
الناس صبره في مواجهة حياة شاقة عسيرة بدون التخلي عن المبادئ التي يؤمن بها..
تماماً كما نجح السيد السيستاني في إيصال شعبه لصندوق
الاقتراع مواجهاً تيارات كثيرة معارضة للفكرة. بل ان
نقاط الضعف التي سنلاحظها في شخصية السيستاني موجودة
كذلك في شخصية أيوب البابلي.
وقصة أيوب البابلي بشكل عام تدل على بحث العراقي الدائم
عن المعنى لوجوده. فهو يعيش في بلاد ثرية، ينزل الطعام لها من السماء (من السما)، وتسري فيها الأنهار
العذبة، سماها الناس ارض السواد لخصوبتها.. ولكن هذه البلاد مبتلاة بالحروب
والويلات. منذ بدايات التاريخ، حين كون العراقي القديم حضارته الأولى، جاء الطوفان
فدمرها، ولا تزال الاهوار بقايا ذلك الطوفان المدمر..
فاضطر الإنسان لإعادة أعمار وطنه من جديد.. وهكذا تسائل العراقي دائماً عن السبب
والسر في معاناته، وجائت شخصيات مثل صدام بتبريرات
قومية، وغيرهم – مثل الزرقاوي- بتفسيرات دينية. وبغض
النظر عن سوء الأفكار وتطرفها، وجدت من يصدقها: فالمهم هو الا
تكون كل هذه المعاناة التي يعيشها الناس عبثية، بلا طائل او
جدوى.. وقصة أيوب البابلي تطرح هذا السؤال الذي لا يزال العراقي يفكر فيه: فلماذا
جاء صدام وأدخلنا في الحروب؟ ولماذا جاء الأمريكي بعده وأتم تدمير البلاد؟ كلاهما
جاء بدون ان يستطيع الشعب ان
يحول دون وصولهما او أفعالهما. وهكذا يشعر الإنسان بأنه
ألعوبة في يد الأقدار، تسيرها حيث تريد.
المتحدث في نص أيوب البابلي يقارن بين معاناته الحالية
ووضعه المتميز سابقاً. فبعد ان كان يشغل وظيفة مرموقة
في البلاط الملكي، تآمر ضده سبعة من رفاقه، و"تفوهوا بكلمات السوء
المنكرة"، من اجل: "إجباره على إخلاء منصبه،" "ووضع أيديهم
على ضيعته." ونجحوا في تحقيق هذه الأغراض. وهكذا تم تشويه سمعة الرجل،
فلعنه عبده السابق، وصار رفاقه حين يشاهدونه في الشارع "ينتقلون الى الناحية الأخرى من الطريق" لتحاشيه. ثم يصيبه المرض.
فتبرز عظامه، ولا يغطيها سوى جلده. يقول: "الزم فراش العبودية، فالخروج ألم
وعذاب" وكأنه صار لا يريد ان يتعافى بعد كل ما
أصابه. ثم يبدأ برثاء الناس والحياة البشرية، قائلاً: "حين يجوع الإنسان،
يصبح كالجثة، وحين يشبع يتطاول على آلهته".
ويتذكر هنا انه كان دائماً يصلي. ويتساءل عن سبب البلاء الذي أصابه. والنص ينتهي حين يشاهد الرجل ملاكاً في الحلم
يبشره بانتهاء مرحلة اختباره. فيتحرر من المرض والمعاناة، ويوهب الحياة والهناء من
جديد.
والواضح في النص هو ضرورة تخلص الفرد من الكبرياء
الخاوية.. فالوظيفة المرموقة في البلاط الملكي يمكن ان
يفقدها المرء بيسر. والرفاق قد يتركوا صاحبهم لو سائت
أحواله. لو كانت السلطة تدوم لغيرك لما وصلت إليك..
والسيد السيستاني
يتميز بالتواضع الذي ينتج عن أدراك هذه الحقائق التي يفهمها الشعب العراقي جيداً.
فقد عرف الرجل مرارة السجن في العصر الصدامي البغيض.
وهو يختلف عن ملالي إيران الذين لا يمر يوم بدون
الاستماع لتصريحاتهم في التلفاز، فيتجنب الإعلام.. ولا يهتم بالثروة والقوة. ويجلس
على وسادة متواضعة توضع فوق الأرض. ويأكل القليل الضروري للحياة. ويقال انه، حين
مرض، رفض تناول عصير الفاكهة في زمن يعاني فيه الشعب العراقي الفقر المدقع. وحين
تعطل المكيف في مكتبه، جلبوا له غيره، فطالبهم بتقديمه لأسرة فقيرة، وإصلاح الجهاز
الموجود لديه.
ومع ذلك فالسيستاني
يقدر العلوم الحديثة.. فلديه في المكتب حاسوب يتصل
بالشبكة.
أما سلبيات شخصية السيستاني،
فهي ذات السلبيات التي نلاحظها في شخصية أيوب البابلي.. فهو لا يجد في متع الحياة
الدنيا ما يمتع..
وبعض القوى الشيعية قد قتلت وهددت أصحاب محلات الخمور،
واقفلوا دور السينما، ومحلات الفيديو. والخوف هو من تقنين مثل هذه التعديات
في القوانين، بحيث يتدخل الدين في خصوصيات الأفراد في كل مجال، شاملاً قوانين
الأحوال الشخصية.. والكثير من أفكار السيد السيستاني
بهذه الشئون غامضة.. فهو نادراً ما يقدم لقائات
للصحافة، وما يقوله يُنقل عن طريق مؤسسة.
ولكن موقعه في الشبكة يكشف الكثير عن آرائه... يقول
مثلاً ان عمليات التجميل محللة، ولكن لابد للمرأة من
إخفاء جسدها في الأماكن العامة. ولابد للرجل من إطالة اللحية. الخمور والشطرنج
والموسيقى للهو محرمة.
وهل يحق لك إرسال رسالة عبر البريد الإلكتروني لصديقة في
عيد فالنتاين؟ مع الأسف.. هذا حرام..
اعتقد ان
هذه الصفات الشخصية، برغم ما نجد فيها من مثالب، تدفع بعامة الناس في بلادنا لحب السيستاني. والسبب في ذلك هو ان
العراق، اكثر من غالبية بلاد الدنيا، واجه الحروب والدمار في هذا الزمان. مثلاً:
تحارب الشعب العراقي مع إيران لثمان سنوات وفقد مئات الآلاف من شبابه بدون ان يكسب اي شيء، ثم شاهد المدن
التي عانى حتى بناها تهدمها قوى التحالف
عام 1991 و 2003 وحتى الساعة، وشاهد الكهرباء
والماء تتقطع وتشح. لماذا تُبنى المدن، ما دامت قوى الأعداء ستحتلها وتحرق
بعضها؟ وما فائدة الحضارة والرقي، ما دام الفوضى تاتي وتدمرها؟
أدرك الناس باكراً في هذه البلاد ان
التسلط والعنجهية وكل ما يتعلق بحب الحياة الدنيا والركض وراء شهواتها باطل زائل.
ولذلك احبوا بساطة السيد السيستاني، والفكر البسيط الذي
يقدمه بصور واضحة عن الصواب والخطأ، والحلال والحرام. وكأن الدنيا يمكن
رؤيتها بلونين: الأبيض، لون اللحية الطويلة، والأسود، لون العمامة، في صورة السيد السيستاني المشهورة..
ونجاح شخصية السيستاني
في العراق مفهوم في هذا السياق.. فهو كما لاحظنا لا يسعى وراء متع الحياة
الزائلة.. ومع ذلك يجد في السعي وراء الحياة الكريمة لشعبه.. وهذه الازدواجية
الغريبة قد تكون من أهم الخواص التي يريدها الشعب العراقي في قياداته في هذا الزمن
العصيب. وهل تريد قائداً يعيش في المنطقة الخضراء آمناً منعماً مرفهاً، وأنت تعاني
أزمات الحياة الطاحنة؟. والله اعلم..
وان أدرك
أهل العراق صعوبات الحياة ومعاناتها، فهم لم يكونوا البتة من الشعوب المستكينة
المستسلمة لواقعها. بل تراهم دوماً حين تتهدم مدنهم
يعيدون بنائها. والسيد السيستاني حاول تقديم مغزى للمعاناة
يختلف عما قدمه صدام والزرقاوي.. واعتقد انه اكثر
ملائمة لعصرنا، فما نستفيده من المعاناة الحالية هو:
الوصول للحق الانتخابي بعد ان حُرم الشعب العراقي منه
لنصف قرن..
واعتقد انه وفق بشكل مذهل في تحقيق هذا المغزى الجديد
للمعاناة العراقية القديمة..
|