شارع حيفا، وحرب الكلمات..

ليس هناك أدنى شك في ان التضاد المحوري، الذي يُبنى عليه اي تحليل لوضع العراق الحالي هو: "احتلال" او "تحرير".. البعض يعتبرون ان الولايات المتحدة جائت الى العراق لتحرره من نظام صدام الاستبدادي.. ولكن الطرف لآخر يؤكد ان ما يحدث عبارة عن "احتلال" لابد من مقاومته. وكل طرف يقدم أدلته على الموقف الذي يتبناه..

ينتج عن هذا الخلاف المبدئي مصطلحات أخرى: من يؤمن بان الولايات المتحدة جائت الى العراق محررة، ينفي وجود "مقاومة"، ويسميها "تمرد" يستخدم "الإرهاب".  في الجانب الآخر، من يعتقد بان العراق خاضع لاحتلال يدعي ان ما يحدث" مقاومة" شرعية لذلك الاحتلال.  وهكذا فاختلاف الكلمات يدل على تفسيرات ورؤى مغايرة متضادة للظاهرة المعنية.

نلاحظ ان ما يحدث في العراق لا يمكن تفسيره بثنائيات بسيطة مثل: احتلال او تحرير، "جهاد" او "ارهاب". فما يحدث يشمل شيئاً من هذا وذاك، ولكل الأطراف.. لا يوجد مع الأسف من يستطيع ان يدعي ان موقفه اكثر أخلاقية او سمواً من الطرف الآخر.. وكلنا نعرف ان الغزو الأمريكي قد يكون في جزء منه تحريراً للشعب العراقي من نظام صدام، ولكنه في الآن ذاته استبدل نظام مستبد بآخر "اطقع"منه كما قال السيد مقتدى الصدر في كلمته المشهورة. التحرير يتحول لاحتلال حين يتعرض السجين للتعذيب والإهانة في ابو غريب مثلاً، أو حين يحكم المغترب العائد أبناء الداخل، مما يؤدي لطرح السؤال: ما الفرق بين تعذيب صدام لمن عارضه، وتعذيب الأمريكي لمن يقاومه؟ وفي الطرف الآخر، ظاهرة المقاومة كذلك تشمل ، في اي مكان توجد فيه، العنف، الذي يمكن ان يتحول الى إرهاب. وليس هناك أدنى شك في ان المقاومة قتلت مدنيين في سبيل تحقيق غايات تعتبرها "نبيلة."  باختصار، الكلمات تتداخل ببعضها البعض، ويصير من المستحيل استخدام مصطلح بسيط إيجابي لوصف الأمريكي او من يقاومه.. كما لا يمكن إلقاء اللوم كاملاً من خلال صفات سلبية على الطرف الآخر.

والمؤكد هو ان الحياة لا يمكن رؤيتها بلونين الأبيض والأسود.. وما يحدث في العراق اليوم ، كما سنلاحظ في تحليلنا لظاهرة شارع حيفا، يشمل  شيئاً من هذا وذاك.

1-

ظاهرة شارع حيفا تؤكد أن المقاومة تتواجد في قلب العاصمة. والقوات الأمريكية غير قادرة على قمعها. أذ تتفرع من الشارع عشرات الأزقة الصغيرة، وكأنه بيت عنكبوت.. وفي تلك الأزقة، تطفح المجاري، ويظهر الفقر المدقع، لدرجة ان البعض يفتش عن الطعام في القمامة.. في بلد النفط والأنهار..

 

القوات الأمريكية تطلق على شارع حيفا اسم "طريق الموت." اما سكانه، فبعضهم يسموه: "الفلوجة الصغيرة"، اي انهم يعتبروه منطقة تقاوم احتلالاً غاشماً.

الكتابات على الحيطان هنا تدل على رؤية سياسية بعينها: كلمات مثل "تحيا المقاومة العراقية الباسلة"، "الموت للخونة" موجودة على اكثر من حائط.

في هذا الشارع حدثت الكثير من المعارك الضارية مع القوات الأمريكية.. من المعارك المشهورة تلك التي حدثت في مايو 19، 2004.. كان الضابط ثوماس فولي يقود مجموعة في دورية.. وفجأة ذاب الناس وفرغ الشارع تماماً. وانهالت القنابل عليهم من الأسطح.. السيدات اللواتي لا قنابل لديهن القين الأحجار الثقيلة من النوافذ. يقول السيد فولي انه شاهد أطفالا يلقون القنابل ويختفون.. وتوفي بعض أفراد الفرقة، وجرح بعضهم بالشظايا وفقد ساقيه.. واستمرت المعركة لأربعين دقيقة قبل ان تستطيع قوات أخرى اقتحام المكان لإنقاذ الفرقة المحاصرة..

في عملية أخرى، يأتي طفل للفرقة الأمريكية، ويبلغهم بوجود إرهابي ومعه قنابل، ويقودهم الى مكانه.. ويسيرون من زقاق لآخر .. وفجأة يختفي الطفل وكأن الأرض ابتلعته وتنهال القنابل على المجموعة..وبالطبع يشتكي الأمريكي انه لا يعرف بمن يثق في هذه المنطقة.

ومن الطريف ان اي فرقة أمريكية تصلي الى الله عز وجل قبل دخول الشارع.. فقد يكون اليوم سعيداً، وتسير الدورية بخير في دربها، وتعود سالمة. ولكن، كثيراً ما تدور رحى المعارك الضارية.. 

 

..

 

 

2-

يعيش السيد علي حسين في شارع الرشيد، ولكن له فرقة مكونة من 120 شخصاً يتحركون في أزقة شارع حيفا..

وهو يقدم ببساطة صورة لما يفهمه: "الأمريكي جاء لبلادنا غازياً، وكل من انظم للدولة الجديدة عميل يدعمه. والحكومة الحالية كلها جائت من الخارج مع الدبابات الأمريكية.. ولذلك جميعهم يريدون بقاء الأمريكي.. فلو ذهب، سيذهبون أيضا معه."

والسيد علي حسين يعرف الفارق بين الإرهاب والمقاومة.. ويقول لك بصراحة ان مجموعته لم تنفذ اي عملية يوم الانتخابات لوجود أعداد كبيرة من المدنيين في مواقع الاقتراع. "من قاموا بالعمليات ذلك اليوم كانوا من الأجانب." وهو هنا يعني الانتحاريين.. والواقع هو ان السيد علي حسين ذاته فلسطيني الأصل.. ولكنه يقول: "اشعر اني عراقي. عشت في العراق لعشرين عاماً. ولا اقدر على الرحيل لابدء حياتي من جديد في سوريا."

يتفاخر علي بعملياته: "معي أطفال يجاهدون منذ سن الثالثة عشر. بعضهم يبلغوننا بأماكن تواجد القوات الأمريكية. بعضهم يأخذون القنبلة ويلقوها على العربة العسكرية ويفرون. قتلنا مؤخراً رجلاً ملك مصنعاً للثياب وباعها للجيش العراقي. اختطفنا أحد أقارب موفق الربيعي وقتلناه. قتلنا أربعة رجال شرطة، بعد ان طلبنا منهم الاستقالة ثلاث مرات. لنا عملاء في الدولة وفي قلب القوات الأمنية. "

ولمجموعة علي صلات مع مجموعات أخرى تعمل في العاصمة وباقي المدن.

ورجال علي هم القانون في شارع حيفاً. لا يسمحون للناس بالمقامرة او شرب الخمور.. ومن يكسر هذه القواعد يكسرون ساقيه او يقتلوه.

وبالطبع، إدارة مجموعة متمردة ليس بالشأن السهل. فهي في نهاية المطاف تحارب أقوى دولة في العالم. كثيراً ما يتم اعتقال بعض الأعضاء، وتركهم للكلاب الضارية تنهش أجسادهم حتى يعترفون بأسماء وعناوين. وفي مثل هذه الأحوال، يحاولون التفرق، والاختفاء في أماكن مختلفة في أزقة الشارع، حتى تخف حدة الهجوم عليهم.. ومن ثم يعاودون عملهم. لكنهم جميعاً يؤمنون بان ما يفعلونه ضروري، وان النصر لهم، وان المحتل سيترك البلاد في نهاية المطاف.

أما عن التمويل، فالكثير منه يأتي من الجرائم.. من أصدقاء علي من سرق بنكاً بعد انهيار النظام.. وهم يستخدمون هذه الأموال لا لدفعها لكل من يقتل شرطياً او أمريكيا، كما تدعي الدولة.. ولكنهم بشكل عام يساعدون من يشعرون انه في حالة احتياج.. كل من يذهب الى السجن، سواء اعمل مع التمرد او لم يعمل، يدعمون أسرته بالمؤن الضرورية.. وحين يخرج، غالباً ما ينضم للمتمردين..

نلاحظ في هذا الوصف التداخل بين الإرهاب والمقاومة:  اختطاف أحدهم وقتله لان قريباً له يعمل مع الدولة يعد إرهابا جليا. اما نهب بنك فهذه جريمة. وفي ذات الآن، لابد من التنويه ان المجموعات تؤكد انه هدفها ليس قتل الأبرياء، بل محاربة الأمريكي والنظام الذي يريد صنعه. وقد ذكرنا بعض الأمثلة من عمليات عسكرية أعلاه..

 

3- الوردة الجميلة التي يستمتع العشاق بجمالها وعطرها .. تأتي من السماد القذر..

المقاومة التي يتفاخر البعض بها كذلك تجد من مصادر تمويلها، وفي ممارساتها، ما هو إجرامي..

ولكن، وفي الجانب الأخر، الاستعمار الأمريكي ذاته بشع قبيح.. وقد وصل شارع حيفا للشهرة العالمية حين أطلقت طائرة أمريكية النار على مجموعة شبان وأطفال يهوسون بجوار عربة أمريكية تحترق.. وقُتل في حينه 13 فرداً، وجُرح عدد كبير كذلك..

ومن الممكن الا يكون من تجمعوا بجوار العربة هم ذاتهم الذين فجروها.. في هذه الحالة، نشاهد الأمريكي يغتال المدنيين في عملية يمكن وصفها بإرهابية. فالعمل الإرهابي هو اي عمل يستهدف مدنيين. مما يؤكد على استحالة اعتبار هذا الطرف اكثر أخلاقية من ذاك.

ما يعنيني هنا هو توضيح ان كلمات تبدو متضادة مثل "تحرير" او "احتلال"، "مقاومة" او "إرهاب"، ليست في الواقع بعيدة عن بعضها البعض.. المقاومة تحوي شيئاً من الإرهاب.. والتحرير يحوي كذلك في طياته احتلال جديد بشع..

 

من المصادر:

The Business of Jihad

by David Ender

The Nation

February 22, 2005

 

Terror hits Haifa Street
Rebels take charge of neighborhood.

Chicago Tribune

Published Thursday, November 11, 2004

 

 

raq's dangerous Haifa Street defies U.S. military

22 Feb 2005 11:48:10 GMT

Source: Reuters

Michael Georgy

 

albaraqma@netscape.net

 

 

عودة