)"يا أهل العراق،
والشقاق والنفاق" تعليق على بلاغة العريبان
لا يوجد في التراث العربي النثري اي
فقرة اكثر شهرة من خطاب الحجاج المعروف لأهل الكوفة، ومنه السطور التالية: يا أهل
العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساؤي الأخلاق.. اني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، واني
لقاطفها.." والفقرة مما يقرأه التلميذ العربي في المرحلة الثانوية في الدول
العربية، من المحيط الى الخليج.
الطلبة يدرسون الخطبة كمثال على البلاغة الرفيعة..
يدرسون فيها الاستعارات والكنايات والسجع. وهكذا يتم التغطية على الفكرة الأساسية
.. التي ليست سوى سباً للشعب العراقي وتهديداً له.. الحجاج في نهاية المطاف يتهم
أهل العراق بالنفاق للسلطة، والشقاق فيما بينهم. وانهم شعب منعدم الأخلاق. ولذلك
يهددهم بالقتل.
ومن المعروف ان الخليفة الأموي
ابن مروان اختار الحجاج حاكماً على العراق، وطالبه
بانتهاج سياسة القسوة مع أهله. وهكذا كان العراقي يقتل لجريمة يُسامح من يرتكبها
من أهل الشام الذين سلكت الدولة بهم سياسة الرأفة، واعتمدت عليهم في جيوشها. وتمت
حينذاك عملية نهب منظمة لثروات العراق.. التي نقلت الى
دمشق. وكان المفترض بأهل العراق السكوت.. والا فالحجاج
يهددهم بالقتل.
وفي نهاية المطاف، قام الخليفة الأموي بعزل الحجاج لعدم
قدرته على التعامل مع أهل العراق. فهذا شعب عنيد، ان
عاملته بقسوة رد عليها بقسوة اكثر. ولكن يعرف عن أهله الفطنة وحسن الفكر . وهكذا
يمكن التعامل معهم بالكلمة الطيبة.
وهذه هي حقيقة الأسباب والظروف التي أدت لكتابة الخطبة
المشهورة.. ولكن كتب البلاغة العربية لا تذكرها.. وهكذا يتوهم التلميذ العربي
ان أهل العراق أهل نفاق وشقاق وسوء أخلاق بالفعل.
والكثير من الناس في الدول العربية اليوم يعلقون على ما يواجهه الاحتلال في العراق
بطريقة الحجاج.. فيقولون: "اهل العراق اهل شقاق.. لا يقدر على التعامل معهم الا
أمثال صدام. العراقي لا يمكن التعامل معه الا بالتخويف
والتهديد والتنكيل." باختصار شديد، يقول العرب: الأمريكي الطيب
الديمقراطي لا يقدر على همجية الشعب العراقي المتخلف. لا ينفع لهم الا أمثال صدام..
وهكذا تحولت مقاومة الشعب العراقي للغزو الأمريكي الى دلالة على همجيته وقلة تحضره في الدول العربية. بل وصارت
تبريراً لما فعله صدام من جرائم وحشية مع شعبنا.
والواقع ان الأمريكان جربوا
نظام الترهيب، مثلما جربه الحجاج من قبل . فأطلقوا الرصاص على المظاهرات السلمية،
وقاموا بإلقاء الجسد العراقي العاري للكلاب نتهشه في ابو غريب. ولكن هذا الأسلوب، تماماً كما حدث في عصر صدام
والحجاج من قبل، لم يؤدي لنتيجة.
وربما، حان الوقت للدول العربية لإلغاء خطبة الحجاج..
فهي بصراحة خطبة عنصرية تفوح منها رائحة الدم المسفوك، ولو قيل مثلها عن اليهود،
لاتُهم القائل بمعاداة السامية.. ولو قيل مثلها عن الأفارقة، لاتهم القائل
بالعنصرية.
وهي كذلك خطبة تجسد الاستبداد السياسي.. فكل ما تحويه من
كنايات واستعارات تبرر قتل أبناء العراق: وكأن رؤوسهم عبارة عن تفاح حان وقت
قطافه.
وبما ان الدول العربية حالياً
تدعي انها تسير بخطى حثيثة نحو الديمقراطية.. فكيف يمكن
تبرير تدريس مثل هذا النص في كتب البلاغة للشباب اليافع؟
|