حوار الأسياد والعبيد
...في المنطقة الخضراء.[i]
كتب الفيلسوف الألماني الأكثر شهرة
فريدرك هيجل صفحات مشهورة عن علاقة الفرد بالآخر، وسماها حوار السيد والعبد..
وتاثر بها لاحقاً كارل ماركس، وطورها في دراسته لعلاقات الطبقات الثرية بالعمال.
وفي الحالين، تتسم العلاقة بالتصارع الذي لابد ان ينتهي بتدمير احد الطرفين للآخر.
وفكرة هيجل الأساسية في حوار السيد
والعبد هي عن كيفية التعامل بين المرء والآخر. يقول هيجل ان الانسان لا يقدر على
رؤية ذاته الا في عين الاخر تتطلع له وتقيمه. وهو يريد اثبات الذات امام ذلك الآخر
والسيطرة عليه، فيتصارعان. ويتنهي الصراع حين يخاف احدهما من الموت، فيستسلم.
المنتصر هنا هو الذي لا يخاف الموت، ولذلك يصير سيداً. بينما يبقى الآخر عبداً،
يحقق ذاته في التعامل مع الاشياء، عن طريق صناعتها، مثلاً، ولكن بدون ان يقدر على
مواجهة السيد الذي يبقى يخافه خوفه من الموت.
السيد لا يعترف بوجود العبد، ولكن
العبد يعترف بوجود السيد، ويحقق جميع رغباته.
المنطقة الخضراء في العراق عملياً
ليست سوى الموقع الذي يسكن فيه السيد الهيجلي منعماً مرفهاً. هذه المنطقة ليست سوى
تطبيق لرؤية الغرب للعراقي الآخر العبد.
وقد أثار اختيار القوات الامريكية
للمنطقة الخضراء لغطاً في حينه. فهو ذات الموقع الدي سكنت فيه قيادات نظام صدام
البائد.. اختيار الأمريكي للمنطقة ذاتها بالطبع
اشعر عامة الناس بان الاسياد الجدد قد لا يختلفون كثيراً عن السابقين لهم.
في المنطقة تجد قصر عدي الفاره.
وبقيت فيه لعدة شهور اسوده سيئة الصيت، تغذيها القوات الامريكية.. حتى تم نقلها
أواخر الصيف الماضي الى حديقة الحيوانات.
وقد دخلت الفرقة الثالثة المنطقة
الخضراء في ابريل 2003، ففر سكانها منها. اما الفرقة التي قاومت الى النهاية، فتم
دفنها في مقبرة جماعية في باحة لوقوف
السيارات .. وهكدا صارت المنطقة صالحة للاستخدام الامريكي.
ومع مرور الوقت، انعزل غالبية
الامريكان في المنطقة وصاروا يخافون الخروج منها. الحراسة حولها كذلك اشتدت، وصار
المرء يخضع لاكثر من تفتيش حتى يستطيع الدخول.
في الداخل، يعيش حوالي خمسة الاف
امريكي.. لهم نوادي رياضية خاصة.. ولكن منهم حاسوب، وخط اتصال.. التلفون متصل
بالولايات المتحدة بشكل دائم.. قيل ان تكاليف كل منهم مع كل هذه الكماليات
والحماية لا تقل عن 300 الف دولار سنوياً..
لهم كذلك فندق الرشيد،
ويحوي قاعات دسكو جميلة، تتراقص فيها الحسناوات الشقر في تموجات حسية تزداد
التهاباً مع الشرب في آخر ساعات الليل... وطوروا كذلك البارات حيث تُباع ارقى
انواع الخمور. وتجد فيها احياناً من لم ولن يغادر المنطقة حتى يوفر شيئاً من
المال، ويغادر البلاد.
.
اما في الخارج، فالتمرد والإرهاب
والخوف والمعاناة والجوع والبطالة..
غالبية من يعملون في المنطقة
يتعاملون مع العراقي في الخارج بنعجهية السلطة.. وهم اساساً لا يعرفون اي شيء عن
تاريخ البلاد. فذلك ليس من متطلبات الوظيفة. كل المطلوب للامريكي لو اراد العمل في
العراق الحصول على شهادة جامعية. والراتب مغري تماماً: اذ يضاف عليه حوالي 50 %
لتحمل المخاطر. ولكن الغالبية بعد مرور بضعة شهور يلملمون الحقائب ويرحلون.. كما
فعل السيد بريمر ذاته. وهكذا لا تجد في المنطقة من تتراكم لديه الخبرة الضرورية
للنجاح في التعامل مع عامة الناس. ما يحدث انهم ياتون، ويحولون العراق الى مختبر
تجارب لنظرياتهم، وحين تتعقد الامور.. يملون ويرحلون، وياتي شخص آخر، يحاول
التعامل مع التعقيدات الجديدة.
من الشخصيات التي جائت ورحلت السيد
يبتر مكفرسون.. وكان همه الاساسي ابعاد فرنسا عن اي صفقة اعادة اعمار.. وكأن
دخولها العراق سيشكل كارثة اكبر مما حل به حتى الساعة..
ومنها السيد ثوماس فولي، وهو رجل
اعمال وصديق شخصي للرئيس بوش.. كان في الواقع رجلاً ثرياً جاء ليطبق في العراق
نظريات الحزب الجمهوري. كانت نيته بيع القطاع العام باكمله.. كل مؤسسة حكومية، حسب
شعوره الشخصي، ليست سوى قمامة، لابد ان تذهب الى مزبلة التاريخ. وهي طريقة تفكير
يمكن ان تكون من دوافع القرار السيء الصيت بتدمير كل مؤسسات الدولة حين جاء
الامريكان.
احدهم جاء من ماريلاند، وتضايق من
مشاكل المرور في العاصمة. فقرر صناعة قوانين مرور جديدة. وجلب للعراق قانوناً
شبيهاً بقوانين ماريلاند. وكتبه باللغة الانجليزية. وبالطبع، كان تطبيقه مستحيلاً.
فالنظام الامريكي يعتمد على محاكمات وقوانين قضاء تختلف تماماً هناك عما اعتاد
عليه الناس في العراق.. في نهاية المطاف، استفاد المسئول العراقي من بعض افكار
قانون ماريلاند، وخصوصاً تلك التي تؤكد انه لا فارق بين كون المرء بعثياً او غير
بعثي.. القانون يجب ان يساوي بين الجميع..
ولكن هذه القاعدة العامة كانت حدود الفائدة من كل الجهد.
في الشارع يبقى اسوء السواق هم
الجنود الامريكان. تجدهم يسيرون عكس اتجاه السير، ويكسرون الاشارات، وهم يصرخون
بالبذائات ويهددون العربات بالسلاح.. يسمون هذه
التصرفات الرعناء "السياقة التكتيكية." قلدهم السواق من المرتزقة
الذين يعملون على حراستهم.. وعددهم الآف مؤلفة.
عربات المؤن الامريكية تسير ببطأ
شديد في الطريق، وخلفها عربة مدرعة تمنع السيارات من الاقتراب، ينتج عنها ان
العربات العراقية تضطر للذهاب الى الطريق المعاكس، وتسير عكس السير.. مما يؤدي
لتوقف المرور أحيانا لساعات.
وربما يجدر بالسيد الامريكي ان
يعلم جنوده اولاً قوانين مريلاند للسياقة. دع الجندي الامريكي يطبق اي قانون، ولكن
ليطبق قانوناً، بدلاً من ان يحول الشوارع الى غابات.. يسرح فيها ويمرح بدباباته.
ومع الاسف ، فالجندي الامريكي ذاته
يسير بأدب مبالغ فيه ، وبطأ شديد، وحذر، في المنطقة الخضراء. ولكنه في شوارع
بغداد، حيث تسير عامة الناس، يتحول الى وحش كاسر...
وفي نهاية المطاف، عاد صانع قانون
مريلاند للعراق اليها جريح الجسد والخاطر.. فقد اصيب في كمين. وذهب للتعالج، ومعه
قانونه الذي كان جهداً ضائعاً ذهب أدراج الرياح...
وحين انتقلت السلطة الى الحكومة
العراقية، بدأ التحدث بشأن ضرورة اعادة المنطقة الخضراء الى السيادة العراقية..
وحينها قررت الولايات المتحدة تحويلها الى منطقة اقامت فيها سفارتها. وعاشت فيها
قيادات الدولة الجديدة، مما خلق حائطاً بينهم وبين عامة الناس منذ اليوم الاول.
ولم يبقى الامريكي منعزلاً في
واحته الخضراء الى الابد. فسرعان ما تدفق عليها آلاف من العراقيين الفقراء، وسكنوا
في المساكن التي فر اهلها منها.. وهؤلاء يتقبل الامريكان وجودهم على مضض، لانهم لا
يعرفون ما الذي يجب ان يفعلوه معهم. وهم باختصار يقولون انه لا مكان آخر لديهم
يسكنون فيه.
وليس هناك ادنى شك في ان بعضهم
جواسيس يعملون في صفوف التمرد ويسربون له المعلومات.. وينتج عن التسريب ان تحدث عمليات خطرة بين الفينة والاخرى. تعرض
فندق الرشيد لاكثر من عملية قصف عنيفة، كادت احدها تودي بالسيد بول ولفوتز حين جاء
لزيارة العراقي، في اكتوبر 26، 2003. برغم ان الزيارة لم يعلن عنها. وفي الصيف
الماضي، تم تفجير قهوة ترك احدهم قنبلة فيها.. ومات عدد كبير من الناس، وجرح عدد
اكبر. كما تتعرض بوابة المنطقة لتفجيرات ارهابية يروح ضحية لها ابناء البلاد وبعض
الجنود بشكل دوري.
في سياق حوار الاسياد والعبيد
الهيجلي، المنطقة الخضراء هي مكان الاسياد. لا يعترفون فيه بانسانية العبيد
ويفرضون عليهم قوانينهم.. اما التفجيرات في المنطقة، فهي تاكيد العبيد على انهم
يريدون هذا الاعتراف، وانهم قادرون على اقلاق الاسياد والحاق الضرر بهم.
ومن الجدير بالذكر ان التراث
العراقي البابلي يقدم صورة مخالفة تماماً لافكار هيجل عن حوار السيد والعبد.. فقد
تم العثور في مكتبة آشور بانيبال على نص جميل يحوي حواراً طريفاً بين سيد وعبده.
ومجرد حدوث الحوار في حد ذاته أهم مما يحويه: فهو يدل على إمكانية التحاور بين
السيد والعبد، واحترام السيد لإنسانية عبده، وهو ما ينكره الفكر الهيغلي.. والحوار البابلي يطغى عليه
اليأس، وان كان كاتبه مرح النبرةً، قادراً على تأمل المعاناة بشكل ضاحك. في الفقرة
التالية يتحدث السيد والعبد عن الصدقات ومساعدة المحتاجين.
- أنصت
لي يا عبدي،
- ها
أنذا يا سيدي.
-
سأتصدق بالطعام على أهل قريتي الفقراء
- تصدق
يا سيدي. من يتصدق يزداد محصوله.
- لا
ياعبدي. لن اتصدق على فقراء القرية.
- لا
تفعل يا سيدي. سيأتون على قمحك، ثم يصبون اللعنات على رأسك.
وهذا النص يتميز بانه يقدم الرأيين عن طريق الحوار.
فالعبد هنا ذكي، وهو قادر على ان يبرر لسيده اي فكرة يريدها. وهكذا، حين يريد
السيد تقديم الصدقات، يذكره العبد بان من يتصدق يكسب الكثير. اما حين يغير السيد
رايه، فيقول له: ان الناس سيحسدوه ان عرفوا ان لديه ما يتصدق به. وهو في الفقرة
التالية يتناول موضوع الثورات، التي عانى العراق – كما يبدو – الكثير من ويلاتها
في العصور القديمة، مثلما حدث في العصور المتأخرة.
-
سأقود ثورة.
-
قد ثورة يا سيدي. ان لم
تفعل، فمن أين تأتى بملابسك ومن يساعدك على ملأ بطنك؟
-
لا ياعبدي. لن أقوم بثورة.
-
لا تفعل يا سيدي. فالثائر
اما ان يقتل او يسلخ جلده
او تسمل عيناه، او يلقى القبض عليه، او يرمى
في السجن.
وهنا نرى صورة جميلة للمجتمع العراقي القديم. فالناس
تثور لعدم توفر الملابس والطعام الجيد لها. ولكن عقوبة الفشل في هذا المشروع هي
القتل او الحبس.
يلاحظ
السيد هنا ان العبد يقول له ما يريد ان يسمعه بغض النظر عن الحقيقة. ويبدا
بالتسائل عن معنى الخير والشر، ان كان كل تصرف مهما ساء يمكن تبريره. وهكذا في
ختام الحوار بين السيد والعبد، يقول السيد:
- أنصت
يا عبدي. ما الخير اذاً؟
-
الخير؟ ان يدق عنقك وعنقي. ان تُلقى في البحر والقى فيه.
وهنا يرد السيد قائلا: "لا يا عبدي، سأقتلك وأرسلك
أنت أولا الى هناك."
فيجيب العبد مبتسماً: "لن يحتمل سيدي العيش بعدي
ثلاثة أيام."
وحوار السيد والعبد هذا قد يكون خير رد شرقي على فلسفة
وأفكار هيجل. فبينما يؤكد الأخير على ان العبد يخاف من ان يقتله سيده، يذكرنا
البابلي القديم بان العبد هو السيد الحقيقي، لان سيده لا يقدر على الحياة بدونه..
ولذلك لا يقدم السيد على قتل عبده.
والحوار البابلي يوضح بشكل جميل مازح ان المجتمع البابلي
القديم كان قادراً على تقديم اكثر من رؤية للشيء ذاته. فالثورة يمكن تبريرها، ولكن
لابد من التفكير في مخاطرها، ومساعدة الناس قد تكون جيدة، ولكنها قد تجلب الحسد
وكراهية من ساعدهم المرء. وربما يكون تقييم العبد للخير بانه في الموت باكراً،
دلالة على مغزى الحوار الساخر، وهي انه لا يجدر بالمرء ان يتوقع من الحياة الدنيا
الكثير. اما كلمة العبد الأخيرة، وهي ان السيد لن يعيش بدونه لزمن طويل، فتدل على
تقدير ذلك المجتمع للأصدقاء، واعتنائهم بعبيدهم.
في نهاية المطاف، الحوار يوضح الفارق بين رؤية الشرق
والغرب للآخر.. فبينما يؤكد الغربي على ان السيد قادر على قتل العبد، يذكرنا الفكر
الشرقي بأن السيد لا يعيش طويلاً بدون عبده.
كما ان أسلوب كتابة النص الشرقي افضل بكثير من النص الهيجلي المكتوب
بطريقة صعبة، مكتظة بالمصطلحات الفلسفية.
النص البابلي يسهل إيصال المعنى عن طريق استخدام أسلوب الحوار بين السيد والعبد
لتقديم الأفكار المطلوب إيصالها للقارئ بطريقة بسيطة سلسة.
المنطقة الخضراء لا تزال تعيش في وهم الفلسفة الغربية
بإمكانية الحياة بعيداً عن الآخر، العراقي الخاضع للاحتلال.. وهو وهم بدأت الأيام
تثبت استحالته.
[i] المصادر الاساسية.
Fredrick
Hegle, Phenomenology of Mind, Self Consciousness..
Lordship and Bondage
حوار السيد والعبد، جذور
الاستبداد قراءة في أدب قديم. تأليف د. عبد الغفار مكاوي. عالم المعرفة. رقم
192. المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، الكويت. ص. 250
The Atlantic Monthly | November 2004
Welcome
to the Green Zone
The
American bubble in
by
William Langewiesche
|