السيد غازي يغزو ملجأ المشردات في المنطقة الخضراء..

 

أخيرا قام السيد الرئيس المغادر غازي الياور بتحرير بقعة من تراب المنطقة الخضراء الغالية على قلب كل عراقي والتي استعمرتها الولايات المتحدة.  فيتذكر الناس أفعاله الوطنية، ويشيد المؤرخ بغيرته على التراب المسلوب...

والبقعة المعنية عبارة عن ملجأ يأوي بعض العراقيات المشردات بسبب ظروف الحرب. وترعاه الولايات المتحدة.

نعم، لم تسرق الملجأ عصابات الإرهاب، ولم يسرقه السيد د. أحمد جلبي.. بل – وحسب القصة التي نشرتها سفارة الولايات المتحدة في تقريرها اليومي: " جاء أحد رجال السيد الياور، ومعه 8 حراس مدججين بالسلاح، وطردوا السكان والإدارة، بعد إنذارهم بضرورة المغادرة خلال 30 دقيقة." تقول الرسالة الصادرة في 1 فبراير.. بل و"هددوا مديرة الملجأ بالاعتقال، لو لم تسمع وتطيع وتلملم حقائبها وتترك المنطقة الخضراء.."

حين تسائل مسئول بريطاني عن الأسباب، قالوا ان مجلس الوزراء "الموقر" وهب المنزل للسيد الرئيس الذي يحتاج أليه "لمتطلبات أمنية".. مكتب الرئيس تسائل: "ولماذا تصنعون منزلاً للمشردات في المنطقة الخضراء؟ وهل هاتيك المشردات بحاجة لحماية القوات الأمريكية؟ بهذه الطريقة ، سيتحول المركز الى موقع لعصابات المافيا المشردة". (وهذا بالمناسبة مصطلح جديد ينطبق على واقع الحال: فالمافيا عادة ليس بين أعضائها المشردات، ولكن المشردين الذين عادوا مع الدبابات بالفعل يمكن اعتبارهم مافيا تنهب الأخضر واليابس..)..

ومن بين من طُردن وصرن بلا مأوى 3 نساء وطفل في الخامسة من العمر.. قررت الولايات المتحدة التكفل بهن.. الميجور مارثا بويد، وهي محامية من ناشفل عملت على تأسيس المؤسسة، تشتكي ان المصادرة ستضعف المساعي لحماية النسوة العراقيات المشردات في مجتمع لا يقدم لهن الكثير من الحقوق. قالت مارثا – التي قضت العام الماضي تسعى لتكوين الملجأ: "توقعت ان يحدث شيء مثل هذا."

تستطرد: "اي بيت جميل في بغداد خطر على أصحابه. الحكومة تتصرف بطريقة استبدادية. لا يوجد اي قانون يحد من صلاحياتها. بأسم تدهور الأوضاع الأمنية، يستطيعون مصادرة اي منزل يريدوه. يؤسفني ان المأوى الجميل، الذي رعى المحتاجات وأشعرهن بالأمان، سينتهي بسبب جشع خادمي الذات من السياسيين." لم تسقط قنابل التمرد على الملجأ. وان يحق التساؤل: وما هو الفرق؟

ومع ان الملجأ صغير حسب المعايير الغربية، فهو يتكون من 4 غرف نوم، وتتكفل به قوات التحالف، الا انه موقعه المتميز في المنطقة الخضراء التي تحميها الولايات المتحدة دفع شخصيات متنفذة للتصارع عليه. تؤكد السفارة الأمريكية ان اكثر من مسئول رغب فيه. وبقوا يتطلعون أليه كل يوم وهم في الطريق لاعمالهم. ومنهم رئيس الوزراء، السيد د. أياد علاوي، ووزير الثقافة (الشيوعي، ولكن أمام منزل كهذا، لا داعي للتفكير في معاناة نساء الطبقات الفقيرة المشردات) ، ووزير الدفاع (الذي قد يكون اعتقد ان إيران سربت المشردات عبر الحدود لتدمير البلاد والتجسس عليها، وأراد المنزل لتخليص العراق من شرور الغزو الفارسي).

ورقة الطرد تثبت نجاح المسئول العراقي في الحكومة الانتقالية في تحقيق أغراضه بعد سعي دئوب خلال الشهور الماضية.

وقد حاولت الضابطة الأمريكية التدخل: ولكن بالطبع العراق اليوم تسيره حكومة وطنية.. والقضية تتعلق بسيادة أبناء البلاد (أقصد الوزراء والرؤساء الانتقاليين) على كل شبر مسلوب..

وهل يحق لأمريكية ان تدافع عن حقوق المشردة العراقية؟ تطيع الدولة سعادة المستشار الأمريكي لو تعلق الامر بقصف النجف وتدمير الفلوجة.. اما عمليات مصادرة الملاجئ، فلا يحق له التدخل فيها.. هذا شأن يتعلق بالسيادة..

أول ما حدث بعد يوم الانتخابات كان طرد المشردات بأمر السيد عجيل بيك.. الذي بعد صمت وسكينة لعدة شهور قرر أخيرا ان يتصرف مثل غالبية من سبقوه من رؤساء البلاد المنهوبة، ويغزو الملجأ. 

والسيد الياور سيبقى رئيساً حتى تنتخب المجموعات الفائزة رئيساً جديداً.. وربما سيحتاج لمنزل يسكن فيه في المنطقة الخضراء بعد ان فشلت قائمته في ضمان الفوز المحقق.. فحقق الانتصار العظيم على النسوة المشردات.. وهو انتصار لا يحتاج لسعي كبير.. فهاتيك من لا رجل ولا قريب ولا صديق يدافع عنهن..

وربما قرروا تأجيل مصادرة الملجأ حتى اليوم اللاحق للانتخابات حتى لا يستغل أحدهم الخبر ضدهم في دعاياته الانتخابية.

وكانت هذه هي الهدية التي قدموها للشعب العراقي بمناسبة السنة الهجرية الجديدة.

وقد جاء أمر الطرد حين بدأ المركز بتطوير أنظمة تعليمية لاعادة تأهيل المشردات للحياة الاجتماعية..

الآنسة التي ساهمت في تطوير الملجأ أثناء أقامتها في العراق، الآنسة بويد، تستعد للزواج، وأحزنها الخبر كثيراً. وتحتفظ بجوار حاسوبها بصورة لصديقتها مديرة الملجأ. وبجوارها صورة أخرى للمشردات باسمات الوجوه. تقول وهي تتطلع للصور: "اصلي لهن."

وقد قدمت شركة رومانية تبرع قدره ربع مليون دولار للملجأ. فلم تنفق الحكومة العراقية عليه فلساً واحداً. ولكنها في نهاية المطاف صادرته، وكسبت منه..

ومع ذلك السيدة بويد لم تيأس: هناك الكثير من المؤسسات الخيرية في العراق.. وشعب العراق طيب القلب وسيصنعون مواقع أخرى لمساعدة المحتاجات."

وبرغم كل ما لحق الانتخابات من خلل، فعلى الأقل تخلصنا من هؤلاء.. وربما اللاحق يتقى الله في هذا الشعب اكثر من السابق له[i]..

وقصة السطو على الملجأ تذكرنا بقصة من تاريخ المملكة العراقية. فقد ملك السيد حمدي بابان أراضي الحارثية، وهي منطقة زراعية مشهورة بخصوبتها وقربها من مركز بغداد. وهي ارض يملك مستمسكات منذ الزمن العثماني تؤكد ملكيته لها..وحين تألفت الحكومة المؤقتة حينها، قبل تنصيب الملك فيصل الأول، أختير حمدي بابان لتمثيل الاكراد. ولكن الانجليز استبعدوه لعدم مسايرته لسياستهم، فانصرف الى شؤونه الخاصة ومنها متابعة أستغلال أراضي الحارثية. وسرعان ما تمت مصادرة الارض. ووضغوا عليها قصر الحارثية المشهور.. وحاول السيد حمدي بابان الدفاع عن حقه.. ولسان حاله يقول:

اذا كان خصمي حاكمي كيف أصنع        لمن أشتكي حالي لمن أتوجع؟

وقد سلك الرجل كافة الطرق القانونية لتأييد حقه في الحارثية، وأنفق كل ثروته في سبيل ذلك، غير أنه لم يفلح.. ومن ثم هجر العراق، وسكن لندن. وعاش فيها فقيراً، ومات عام 1954 معدماً، غريباً عن بلاده ووطنه، بل وتكفلت بلديه لندن بدفنه. وقد وصفه أحد الذين شاهدوه في آخريات ايامه بأنه هيكل عظمي ويعاني من عدة أمراض، وهو "ابن نعمة" عاش عيشة مترفة ومرفهة في بلاده، وكان اول من أدخل السيارة الى بغداد..

وعسى حكام العراق الجدد يتذكرون قصة حمدي بابان، رحمه الله وادخله رحاب جناته، ودروسها: فالظلم لا يدوم، وان دام دمر.. وكلنا نعرف ما حل بالاسرة المالكة التي نهبت املاك السيد حمدي بابان.. الله يمهل ولا يهمل..[ii]

 

 



[i] المصدر:

 

Iraqis commandeer women's shelter co-founded by Nashville attorney

By ANNE PAINE

 

Wednesday, 02/09/05

 

 

عودة

 

[ii] عثرت على هذه المعلومات في كتاب: بغداد كما عرفتها، شذرات من ذكريات.. بقلم السيد امين المميز..

وهو كتاب قيم، نشره المؤلف على نفقته الخاصة في عراق صدام الزاهر..