تعليق على ما حدث للصحفية جوليانا سجرينا..
سعادة الشعب الإيطالي بخبر الإفراج عن الصحفية جوليانا
سجرينا، العاملة في مجلة مانفستو
الشيوعية، والتي وقعت في براثن التمرد، وبقت أسيرة لمدة شهر، تحولت الى غضب عارم حين عرف الناس ان
القوات الأمريكية أطلقت النار على العربة التي أقلتها الى
المطار. وقد اختطفت مجموعة متمردة في فبراير 4 هذه الصحفية التي لم
تفعل سوى وصف معاناة الشعب العراقي وكشف الحقائق، وشاهد الناس صورتها في التلفاز
وهي تطالب القوات الأجنبية بمغادرة البلاد للحفاظ على حياتها. وأخيرا، بعد ان تم الإفراج عنها، وبينما هي في طريقها للمطار، أطلقت
القوات الأمريكية النار على العربة التي تقلها، فأصابتها بجراح، وقتل مرافق لها،
وجُرح اثنين.
الحكاية أغضبت الشعب الإيطالي، وأحرجت حكومة برلسكوني،
وسببت أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيطاليا.
وسبب بقاء الصحفية على قيد الحياة ضابط المخابرات، السيد نيكولا كاليباري. فهو الذي تفاوض
في سبيل الإفراج عنها.. ويقال انه ذهب إلى العراق اكثر من مرة ، وفشلت المفاوضات
ولم ييأس.. حتى وصل الى
اتفاق وخرجت الصحفية. وفي نهاية المطاف، حين أطلقت القوات الأمريكية النار على
العربة التي أقلتهما، وضع جسده أمام جسدها، وتوفي فوراً.
وقد كافأت الدولة الإيطالية الرجل ب"وسام الشجاعة الذهبي." ووقف
الناس لدقيقة صمت قبل مباريات الكرة حداداً عليه. وترك ابناً صغيرا وفتاة في سن
المراهقة. وعسى مخابرات بلادنا تتعلم من قصته درساً.. فالحكاية توضح ان وظيفة المخبر هي حماية عامة الناس، حتى لو كانوا ينتمون
للصحافة المعارضة لسياسات الدولة.. أما مخابرات بلادنا، فمع الأسف، هم لا ينقذون
حياتنا في ساعة الخطر.. بل وكثيراً ما يعذبون المواطن العربي حتى الموت لمجرد كلمة
قالها أحدهم في ساعة سكر.. أقصى ما يتمناه
المواطن العربي من المخبر هو ان يكفيه شره فحسب. أما في
إيطاليا، فوظيفة المخبر حماية المواطن، حتى لو كان شيوعياً في بلد الفاتيكان.
ولذلك هم شعب متحضر..
قالت السيدة جوليانا: ربما كانت اكثر اللحظات
بؤساً في حياتي حين شاهدت الرجل الذي عانى الأمرين في سبيل إنقاذي من الأسر يرقد
بجواري جثة هامدة.. " وهي كلمات تستحق التحليل: فالمفروض هو ان أسوء اللحظات في حياتها ساعات المعاناة وهي في أسر
المتمردين.. ومع ذلك، كانت لحظة إطلاق القوات الأمريكية النار اكثر سوءاً.
باختصار: يشترك الأمريكي والمتمرد في محاربة الصحافة التي تحاول وصف ما يحدث على
الأرض.
جريدة مانفستو قالت بصراحة ان
القوات الأمريكية أرادت قتل الصحفية لانها اكتشفت خلال
تعاملها مع الخاطفين حقائق ضارة بالولايات المتحدة..
وبالطبع فكلمات السيدة جوليانا هذه أججت العواطف
الإيطالية الساخنة. السيد برلسكوني استدعى السفير
الأمريكي، وطلب منه "قلب أحجار الأرض" حتى يصل للحقيقة. وسرعان ما اتصل
الرئيس بوش، ليهدأ روع برلسكوني ويؤكد ان تحقيقاً يجري في الحادث المؤسف.
تمنى السيد جيان فرانكو
فيني، وزير الخارجية الإيطالية، الا ينتج عن الحادثة
كراهية الشعب الإيطالي للولايات المتحدة.. وقال واصفاً ما حدث: "هذا عبث
الأقدار." المعارضة الإيطالية احتجت على هذه المقولة، فقال زعيم من الحزب
الديمقراطي، وهو السيد بيير فاسينو:
"ان الأقدار لا تطلق الرصاص من المسدسات." وبالطبع، القضية ستؤثر على
انتخابات الشهر القادم لمجالس المحافظات..وهذه من المؤشرات المهمة على قوة الحزب
الحاكم في إيطاليا.. كما لاحظت مجلة كورير دي لا سيرا، "بدأ السم السياسي يسري في العروق."
جنود الولايات المتحدة يؤكدون ان العربة هرعت
بسرعة فائقة نحو الحاجز، وحاولوا تحذيرها بإضاءة الأنوار البيض، بل وأطلقوا
الرصاصات التحذيرية أولا.. ولكن بلا جدوى. اما الصحفية،
في المستشفى بروما اليوم، فهي تنفي ان العربة كانت
مسرعة، وتؤكد انهم فوجئوا بالنيران الأمريكية تهطل عليهم بدون اي
سبب او مبرر.
تجارب عامة الناس في بغداد قريبة من شهادة الصحفية الإيطالية. فكثيراً ما
أطلق الجندي النار على الناس بلا داعي. ومن ضحايا هذه الممارسة البشعة الشاب
العراقي: جودت عبد الكاظم. وقد كان يقود سيارته مع أحد الأقارب لإيصاله للمستوصف
القريب. وكان أمامها رتل سيارات أمريكية. وفجأة تعرضت أولى تلك السيارات لاطلاق نار.. فإذا بالجنود الأمريكان يطلقون النار على كل وأي
شيء يتحرك في الجوار. شعر جودت فجأة بألم شديد في ركبته. فقد اخترقتها الرصاصة.
وسرعان ما فقد الوعي. واستيقظ في المستشفى لاحقاً بعد عملية بتر الساق. وهو يقول
بصراحة: اعرف ان الأمريكان تعرضوا لهجوم ذلك اليوم.
ولكن القي اللوم عليهم..فماذا فعلت لأخسر ساقي؟".. وهو بالطبع اليوم يواجه
صعوبة في العثور على وظيفة.
وبينما أثارت قصة الصحفية جوليانا ضجة في
إيطاليا، بل وسببت أزمة دبلوماسية بين حكومة برلسكوني
وبوش، لا أحد سمع بحكاية جودت عبد الكاظم او اهتم بها.
كما قال أحد الكتاب في مقالة جميلة نُشرت على اكثر من موقع في الشبكة: "ولكن
العراقي لا بواكي له.".
قصة جودت ، مثل حكاية الصحفية جوليانا، تدل على ان الجندي الأمريكي يستسهل إطلاق الرصاص على الناس. ولا يعينه
ما يلحقه بهم رصاصه من أذى.
وقد اشتكت بعض شركات الحماية – الذين يسمونهم في الداخل مرتزقة – ان جنود الولايات المتحدة يطلقون النار على عرباتهم أيضا.
وفكروا في حل.. مثلاً، يمكن ان يكون لعربة بعينها لون
خاص يميزها فلا يطلق أحد عليها النار. ولكن التمرد سيصبغ اكثر من عربة بذات اللون
ويستخدمها في عملياته ضد الولايات المتحدة..
قصة جوليانا تكشف أسبابا للمقاومة لا يعرفها من
يعيش في الخارج.. فالقوات الأمريكية تتصرف كجيش محتل للبلاد، وتستهين بحياة
المواطن العراقي الذي يفترض أنها جاءت لحمايته.
باختصار، مشكلة إطلاق الجندي الأمريكي النار على العربات والمارة لا حل لها
سوى بخروج القوات الأمريكية من المدن
لتقيم في معسكرات خاصة بها خارجها. وهذا الحل سيوفر لهذه القوات الأمان الذي
تحتاجه، ويحمي كذلك عامة الناس من نيرانها التي لا تفرق بين صحفية إيطالية ومتمرد
مدجج بالسلاح.
من
المصادر:
U.S.-Italy Relations Chilled by
Killing of Agent
By Philip Pullella
Sat Mar 5
One Safe on
Sat Mar 5,
By
Elizabeth Pipe
|