-
5 -
...نازك الملائكة قصاصة:
الأدب النسائي،
ومجموعة الشمس التي وراء القمة..
صدرت
عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عام 1999 المجموعة القصصية الأولى للشاعرة
الرائدة نازك الملائكة، بعنوان الشمس التي وراء القمة. والكتاب
يحتوي على سبع قصص تتناول موضوعات منوعة عُرف اهتمام الشاعرة بها، مثل القضايا
الوطنية والقومية في "منحدر التل" و "قرابين لمندلي المقتولة"
، الحياة النفسية للمرأة في "الشمس التي وراء القمة" وعالم الأطفال
وتجارب النضوج في "ظفائر السمراء عالية" ، وتجربة الاغتراب في الوطن في
"ياسمين"، بالإضافة الى رؤية خاصة لعنيزة وامرؤ القيس في "رحلة في
الابعاد." وهذا التنوع لا يأتي على حساب العمق في تناول الشخصيات وطرح
الموضوع، ولا على حساب الأسلوب الشعري السهل الممتنع الذي عُرفت به الشاعرة.
وبالرغم من ان كل من هذه القصص تستطيع الوقوف بمفردها مستقلة عن الأخريات، الا ان
هاجساً مشتركاً يجمع بين العديد منها، وهو كيفية رسم صورة للشخصية النسائية
العربية في عمل أدبي، بكل ما تطرحهُ هذه
القضية من أبعاد وتعقيدات.
في
مقدمة المجموعة التي اشترك في كتابتها زوج الشاعرة، د. عبد الهادي ، وابنها،
يذكران ان هذه القصص قد كُتبت ما بين عامي 1958 – 1980 ، وان اثنتين منهما:
"ياسمين"، و " قرابين لمندلي المقتولة" قد نُشرتا في مجلة الآداب
البيروتية. وهنا يظهر سؤال نقدي يفرضه الفرق الواضح بين زمن كتابة القصص،
وتوقيت نشرها: فهل يجدر بنا قراءة المجموعة في ضوء الأحداث ووسائل التفسير (الوجودية)
الشائعة أثناء كتابتها، ام ان نتبع وسائل القراءة السائدة في وقت نشرها؟ ومن
الواضح ان المشهد الأدبي تغير كثيراً خلال الأعوام الثلاثين الماضية، بل وقد ظهر
أدب نسائي يعبر عن وجهات نظر الكاتبات الخاصة، وباتت له صفات تميزه تفرض نفسها على
الساحة الأدبية حالياً. الرأي الذي أقدمه هو ان هذه المجموعة القصصية للشاعرة
ترتبط أولا بالتراث العربي الشعري النسائي، ولكنها كذلك تحاول الخروج على بعض
تقاليده عن طريق استخدام الأساليب التي تميز مرحلة الحداثة وما بعدها: مثل السعي
لمراجعة التراث الأدبي وإعادة تقييمه من وجهة نظر نسائية معاصرة، واستخدام أسلوب
تداعي الخواطر للتعبير عن المسكوت عنه، والسعي لكتابة تجارب الجسد النسائي من اجل
رسم صورة إيجابية تستنبط قيماً أخلاقية اكثر أنصافا.
وليس
كل هذا بغريب على الشاعرة نازك الملائكة. فهي قد تكون أول من تنباً بظهور أدب عربي
نسائي خاص حين قالت في محاضرة ألقتها في بغداد عام 1953: "فنحن اذا سلمنا
بالفوارق الجنسية بين الرجل والمرأة، لابد لنا ان ننتظر اختلافاً نوعياً بين مواهب
الجنسين. ولاشك في ان التفكير النسوي سيكون وجهة نظر جديدة بالنسبة الى التفكير
الإنساني."[1] ومما لا
شك فيه انها كتبت مجموعتها القصصية هذه وهي تسعى للتعبير عن بعض جوانب وجهة النظر
الجديدة التي تنبأت بها.
تجربة الاغتراب في
الأدب النسائي:
مظاهر الاغتراب في
الأدب النسائي كثيرة. فلم يتح المجتمع تقليدياً للمرأة الحرية التي أعطاها للرجل.
ولنازك الملائكة رأي خاص في قضية المرأة والاغتراب نشرته في كتابها التجزيئية
في المجتمع العربي حيث لاحظت ان وضع المرأة في الخمسينات من هذا القرن يجعل من
الصعب تقييمها حسب المعايير الأخلاقية السائدة. فالتقييم الأخلاقي يتطلب حرية
الاختيار بين خيارات متاحة يختار المرء بينها. والشاعرة تؤكد ان هذا القدر من
الحرية لم يكن متاحاً للنساء في المجتمعات العربية:
بقيت المرأة
طيلة هذه العصور في حالة من السلبية الكاملة التي تجعل كل حكم أخلاقي عليها غير
ممكن. فقد انتهى بها القسر والإلزام الى ان تكون حياتها سلسلة طويلة من الامتناعات
عن السلوك فلم تتصف بأية أخلاق إيجابية. وقد ادى بها احتفاظها بطاقاتها النفسية
الخصبة في أعماق نفسها الى ان تستعيض عن السلوك بقناع خارجي، المقصود فيه ان يكون
درعاً واقياً يحمي هذه الأعماق المشلولة من ان تلوح كسيرة سلبية لا كيان لها. وعلى
هذا القناع انصبت الأحكام الخلقية.[2]
نرى في هذه الفقرة
نقيضين: الأول، الأخلاق الإيجابية، وهي مبنية على حرية الاختيار التي كثيراً ما
حرمت المرأة منها. اما الأخلاق السلبية، فهي تصرفات سليمة من وجهة نظر أخلاقية،
ولكنها في الواقع"امتناعات" مبنية على القسر، ولذلك لا تدل على وجود
صفات نفسية مميزة. وفكرة "القناع الخارجي" ، أي التصرف حسب ما يتوقع
الآخرين من الفرد ان يتصرف، وتقبله لهذا النمط السلوكي عبر التعود، تُعرف ظاهرة
الاغتراب في الأدب النسائي وتوضح مغزاها. فحتى لو بدت لنا تصرفات بطلة قصة او
رواية سليمة، فهذه البطلة ستكون غير سعيدة، او غير ناضجة، لانها اقُسرت على هذه
التصرفات، بدون ترو او تفكير. الاغتراب هنا ينتج عن عدم إتاحة الخيار الأخلاقي
للإنسان.
ربما
تعبر اشهر أبيات الأدب النسائي قاطبة عن هذا الوضع. الشاعرة هي ميسون بنت بحدل
الكلبية. وقد كانت زوجة الخليفة الأموي
معاوية، وام ابنه يزيد. ولكنها لم تكن سعيدة في القصر الملكي. وهكذا اشتكت من عدم
تاقلمها مع الحياة في المدينة، وذكرت رغبتها بالسفر، فأجابها الزوج غاضباً ساخراً،
"أنت في ملك عظيم ما تدركين قدره، وكنت قبل اليوم في العباءة." فرددت
الأبيات التي عُرفت بها.
لبيت تخفق الأرواح
فيه احب الي من قصرٍ منيف
ولبس عباءةٍ وتقر
عيني احب علي من لبس الشفوف
وأصوات الريح بكل فج احب الي من من نقر الدفوف.[3]
تعتمد هذه الأبيات
على منطق المقارنة التفضيلية، وهو الأسلوب السليم للتعبير عن تعفف الشاعرة من حياة
الملوك. ولكن ما يميز القصيدة هو تأكيد ميسون على رفض ما اختاره زوجها لنفسه ولها
عبر تكرار "احب الي" في كل بيت، مما يعني ان القيم الأساسية التي تؤمن
بها وطموحاتها تختلف عن قيمه وطموحه. وهذا هو الاغتراب الذي تعبر عنه الصور
الحسية: فالشاعرة لا تستمتع بأصوات الطبول في الحفلات الملكية، ولا ترى أي قيمة
للقصر المنيف الذي فعل زوجها ما يعرفه الناس عنه في سبيل الوصول له والإقامة فيه
هو وذريته.
وموضوع
الاغتراب يشكل الخلفية التي تتحرك أمامها بطلات الشمس التي وراء القمة.
هناك مثلاً الشعور بعدم القدرة على الانتماء للتراث الأدبي والأخلاقي الذي خلفته
أجيال سابقة في قصة "ظفائر السمراء عالية." هنا تقوم بطلة القصة ندى مع
أخواتها بالبحث عن كنز مفقود منذ عشرات السنين في المنزل العتيق الذي يسكنون فيه.
وهذا المنزل، الذي شُيد منذ حوالي مائة وخمسين عاماً قبل وقوع الأحداث عام 1932،
يحتوي على غرف مغلقة منذ أجيال ترقد فيها بقايا الأثاث القديم وأدوات الطبخ وغيرها
مما استخدمه الأجداد وتركوه ورحلوا. ففيه مرات خفية، وأقبية تحت الأرض، بل ويسكنه
ملاك صالح. بسبب ارتباط هذا المنزل الواضح بالماضي في القصة، يمكن القول انه يرمز
للتراث. تتوارد الخواطر التالية في نفس البطلة وهي تفكر فيه:
أننا نسكنه
منذ ولدنا ومع ذلك لا نعرف عنه الا القليل. هناك غرف كثيرة وكبشانات مغلقة منذ زمن
بعيد، وكأنها الغرفة رقم أربعين في تلك القصة من ألف ليلة حيث يعلقون البنات
الجميلات من أهداب عيونهن. وهناك سرداب السن الرهيب الذي لا نعرف عنه الا انه شديد
العمق تحت الأرض وقد مات فيه زوج العمة مريم من الرعب، وكلما مررنا به زلزلنا
الخوف، وأحيانا نطل من الكوة الصغيرة التي نصبوها في أعلاه، فلا نرى الا الظلمات
المخيفة ولا شيء غيرها. [4]
لا توجد دلالة على
رمزية مساحة هذا المنزل خير من الاستشهاد بقصص ألف ليلة وليلة التي تبقى في
لب التراث الأدبي الشرقي. ومن الواضح ان مشاعر البطلة تجاهه هي مزيج من الحب
والرهبة. فهي تدرك انها لا تستطيع الخروج من الماضي الثقافي الذي يمثله منزلها
كلية. بل انها تسكن فيه. ولكنها كذلك تخشى دخول جميع غرفه، وتذكرنا بأن الكثير من
الفتيات حبسن في بعضها وما استطعن منها فراراً. هناك أيضا رجال ممن دخلوا لاستكشاف
أروقة هذا التراث، وماتوا هناك. ولكن القصة أيضا تؤكد إمكانية وجود كنز مخفي في
أحد هذه الأروقة. أي ان هناك فوائد كثيرة لدراسة تراثنا ومعرفته، ولكن على شرط الا
يقيد هذا التراث الإنسان ويحد من إمكانياته المستقبلية.
"قرابين
لمندلي المقتولة – قصة للعطاشى" تعبر أيضا بشكل رمزي عن الاغتراب ولكن هذه
المرة بسبب الظروف السياسية. فلأحداث القصة تاريخ حزين: كانت مندلي قرية عراقية
قُطع عنها الماء نتيجة لإنشاء دولة مجاورة لسد في الأربعينات. والقاصة، التي تخلد
هذا الحدث المأساوي - القابل للتكرار في عصرنا –
تخلق شخصيات خيالية ترفض هذا الوضع وتثور عليه وتحاول تغييره. أما موضوع
القصة ، وهو العطش، فقد تناولته الشاعرة في مقال لها بعنوان: "العطش والتعطش
في الأغاني العراقية" ، تدرس فيه الشعر النسائي الشعبي المغنى في العراق. وهي
في بداية هذا المقال تذكرنا بأن الريف العراقي يعتمد على الزراعة، ولذلك ترتبط
ظواهر الحياة الاجتماعية المختلفة السائدة فيه – ومنها بعض الرموز الشعرية الشائعة
– بالماء بشكل او بآخر. وعن المغزى الأساسي الذي تعبر عنه هذه الأغاني الشعبية وما
تدله على نفسية كاتباتها، تقول الشاعرة ما يلي:
فلو التفتنا
الى أغانينا الشعبية لوجدنا في معانيها معنى عاماً يتكرر على صور كثيرة ويفاجئنا
مختبئاً في الأبيات والمقاطع هنا وهناك. ذلك هو معنى الإحساس بما لا يتحقق،
بأستحالة الوصول الى الغاية وبعدم القدرة على تحقيق ما يبدو قريب المنال.[5]
.
سكان الريف، خاصة
النساء منهم، سيكن لدرجة كبيرة بسبب ظروفهن الاجتماعية أقل قدرة من الآخرين على
تحقيق غاياتهن وما يطمحن اليه. ولذلك يعبرن عن أوضاعهن عبر رمز يتكرر كثيراً في
قصائدهن وهو العطش الذي لا يمكن ان يرتوي. وقصة "قرابين لمندلي
المقتولة" حين تتحدث عن انقطاع الماء، تعني أيضا نهاية الشعر ورموزه، والحياة
الريفية الجميلة، وكل الظواهر الاجتماعية الأخرى التي ترتبط بالماء بشكل او بآخر.
ولذلك تسمي الشاعرة مرثيتها لمندلي: "قصة للعطاشى" حيث يرمز العطش هنا
لنهاية كل طموحات سكان القرية. وقد تكون هذه القصة الأولى من نوعها لا لأنها
تتناول موضوع التصارع على موارد المياه المحدودة الذي نحس به الآن، والمتوقع ان
يتفاقم في المستقبل، فحسب، بل لأنها توضح تأثير هذا الصراع على أفراد عاديين ترسم
صوراً لهم.
ينتج
عن عدم القدرة على الانتماء للقيم السائدة في هاتين القصتين وغيرهما خواص نفسية
مميزة تقوم الشاعرة القاصة بتحليلها في "ياسمين". فبطلة هذه القصة،
وداد، تعاني من عدم القدرة على التأقلم مع أفراد أسرتها بعد عودتها من رحلة
استغرقت أربع سنوات الى الولايات المتحدة للدراسة. وهي تصف مشاعرها في الفقرة
التالية:
ماذا يصنع
البعد بنا؟ في أمريكا حسبت انه يقوم بعملية محو بطيء لما حملناه معنا من عالمنا
القديم. انهم يحسبون اننا نكتسب كثيراً من حياتنا في الخارج بدون ان يتخيلوا الثمن
الذي ندفعه. ان حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها مباهج، وتكاليفها الشعورية في
الغالب باهظة، بعضنا يدفعها في الخارج، وبعضنا يدفعها فيما بعد. اننا نعود الى
الوطن وقد تغيرنا وتراكمت في أنفسنا طبقات جديدة أجنبية الطبيعة تترسب في خلاياها
وجوه غير مألوفة، وأصداء عبارات من مجالس مجهولة، ورؤى أماكن بعيدة، ودروب تتلوى
في مزارع تختلف عن مزارعنا، وغرف في بنايات لا تشبه بناياتنا. [6]
اغتراب المرء عن قيم
المجتمع الذي يعيش في وسطه يعني تمزق الوعي الى اكثر من جزء منفصلة عن بعضها
البعض. هناك أولا عملية محو بطيء للقيم والصفات القديمة التي امتلكها الفرد وآمن
بها في زمن ما، ثم تكون صفات جديدة مخالفة. الجديد والقديم يسكنان سوياً في حال
صراع دائم، والشاعرة تعتمد على استعارات من علم طبقات الأرض للتعبير عن هذه
الحقيقة: فالطبقات القديمة "تترسب في خلاياها" أفكار وصور جديدة معادية.
هناك
الكثير من الرؤى الروحية، والكوابيس الليلية، في هذه المجموعة القصصية، وهي جميعاً
تعبر عن عدم القدرة على الانتماء. فالنفس الممزقة لا يمكن جمع شملها بيسر.
الكوابيس تنبع من تمزق الذات، وتعبر عن هذا التمزق. تصف بطلة "ياسمين"
أحد كوابيسها في الفقرة التالية:
كان المكان
كبيراً شاسعاً اشبه بمحطة قطار. وكانت معي حقائب ثقيلة، كثيرة. ثم اقبل إنسان لم
أميزه في الحلم ووقف يكلمني لدقائق. وحين ذهب والتفت لم أجد حقائبي. كان مكانها
فارغاً حين نظرت ولسبب ما أخافني هذا الفراغ، ولاح معارضاً للمكان الذي كانت تملاه
حقائبي العديدة. ورحت ابحث في المحطة عن حقائبي، واصعد سلالم واهبط أخرى، سلالم
تجري في دوائر كابوسية الطبيعة. وكنت ارى حقائبي كل مرة من بعيد فاثق من انني
سأصلها بمجرد ان أدور حول التوائة السلم. ولكن الدرجات كانت تنتهي فجأة بجدار يبزغ
من الفراغ وينتصب أمامي. او يسلمني السلم الى انحناءة لولبية هابطة تجعل حقائبي
ابعد مما ظننت. ثم راحت الجدران تضيق وتتعاكس، والممرات تتعقد وتطول والسلالم
تشتبك وانا لا اصل لاي مكان قط. ثم دوى صوت هائل وكان قطارين قد اصطدما واستفقت.[7]
حرفياً، تصف هذه
الفقرة عدم قدرة المرء على الوصول لما يبتغيه. ولكن المعنى الأعمق هو ان النفس قد
تمزقت، وان مساعي البطلة لرئب الصدع لن تجدي. فالحقائب ترمز لجزء من الذات تحاول
البطلة الوصول اليه بلا جدوى. اما المساحة، فهي تجسد الذات البشرية، التي تتكون من
سلالم " تجري في دوائر كابوسية الطبيعة." وجدران تنبثق من الفراغ فجأة
وتحيل المرء عن تحقيق أحلامه. والتصادم الأخير بين القطارين يوضح ان أجزاء الذات
المختلفة في حال تصارع دائم.
وقد
كتب فرويد مقالاً مشهوراً عن الغرابة في الأدب "The Uncanny" حيث تحدث عن
الطبيعة الكابوسية لاماكن بعينها، نراها لاول مرة، فتبدو وكأننا قد شاهدناها
سابقاً، ولا نستطيع ان نتذكر متى. ولهذا السبب تشدنا هذه المساحات، ولا نستطيع
منها فكاكاً. وفرويد يعتقد بوجود خلط بين المساحة والذات في هذه الأحوال، أي ان ما
يشدنا لهذه الأماكن هو تعبيرها عن لحظات تكون الذات لاول مرة، حين ابتدأت النفس
تدرك بعدها عن المساحة التي تحيط بها، وان المكان ليس جزءاً منها. وفي اغرب فقرات
هذه المقال يقدم فرويد تجربة شخصية مر بها كمثال عما يتحدث بشأنه، والتجربة تشبه
كثيراً الكابوس الذي ذكرناه أعلاه:
ذات صباح
بينما كنت أتجول في الشوارع الفارغة
لمدينة ريفية وجدت نفسي في منطقة حيث لاحظت النسوة ملونات الوجوه مطلات من
الشبابيك. فهربت من الشارع. ولكن بعد تجواب طويل وجدت نفسي قد رجعت لذات الموقع
حيث ابتدأ الناس يلاحظونني. حاولت الخروج من الشارع مرة اخرى، وتهت في حوار ضيقة
كل منها يقودني لاخر حتى وجدت نفسي اعود لذات الموقع. وهنا أصابتني حال من الفزع،
وقررت مسائلة أحدهم عن اقرب الطرق الى الفندق. [8]
يلاحظ فرويد ان تكرار
عودته لذات الموقع، وفقدانه للسيطرة على المساحة، يمثلان نفسياً تراجعاً الى
اللحظات الأولى لتكون الذات عبر عقدة أوديب، ولشعور الوعي لاول مرة بان الإنسان
ليس جزءاً من جسد الام، وغيرها . فالعودة لذات الموقع، والتكرار، تعني بشكل رمزي
ان الإنسان لم ينجح كلية في كبت هذه التجارب الأولية، مع ما فيها من شقاء وبؤس، ولذات
ومتعة ينساها عبر عوامل الكبت. وفرويد يعتقد ان بعض اللذة التي يشعر بها الفرد
أثناء قراءة الأدب تنتج عن نجاح الأديب في تذكيرنا، ولو جزئياً، بما نسيناه، أي
كيفية تكون الذات عن طريق الانفصال عن الام والارتباط شيئاً فشيء بعالم الأب.
الأعمال الأدبية حسب هذه الرؤية النفسية تنجح في التأثير على نفوس القراء لأنها
تذكرهم بالأم التي يتم مسح صورتها من قبل الحضارة الإنسانية حتى تحتل مكانها صورة
الأب والقيم والمبادئ التي يمثلها.
ومجموعة
نازك الملائكة القصصية تتميز بصفة خاصة تفصل بينها وبين الكثير من أعمال
الأدب النسائي المعاصر: فهي لا تحتوي على شخصيات أبوية قاسية تتحكم في البطلات –
باستثناء الشخصيات السياسية المتسلطة على أرزاق العباد ورقابهم في قصة
"قرابين لمندلي المقتولة." أما الآباء فهم موجودون ولكن في الخلفية،
بينما تظهر خصال الأم الطيبة وحنانها واضحة جلية في غالبية القصص. وأعتقد ان
الكابوس الذي ذكرناه أعلاه تنطبق عليه هذه القاعدة. فهو – مثل المثال المشابه له
الذي يذكره فرويد – يرمز للأم، وللدور الأمومي الذي ترغب وداد، بطلة القصة، بأن
تلعبه مع أختها الصغيرة ياسمين.
وللشاعرة
نازك تجربة مأساوية مع والدتها قد تفيدنا في فهم أسباب احتلال الأم موقع الصدارة
في هذه المجموعة القصصية: فقد كانت والدتها – أم نزار الملائكة – شاعرة كتبت أكثر
قصائدها في موضوع القضية الفلسطينية ونشرت بعضها في الأربعينات لتحذر العرب من
الخطر المحدق بهم، قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وبعدها. وفي عام 1953، اكتشفت
أسرة الملائكة ان أمهم مصابة بسرطان الدماغ، وكان أفضل الأطباء المتخصصين
بالدماغ في العراق آنذاك من اليهود. وقد قرر الطبيب في بغداد تحويلها الى طبيب آخر
يهودي أيضاً لأجراء العملية في لندن. وبالرغم من خوف الأم، وابلاغها لابنتها بأن
هؤلاء الأطباء قد يؤذونها كعقوبة لها على ما نظمت من شعر، قررت الأسرة ان تسافر
السيدة نازك مع والدتها الى لندن لأجراء العملية. ماتت الأم هناك. وقد كتبت
الشاعرة آنذاك لوالدها رسالة طويلة للتعزية ذكرت فيها أن أمها كانت سعيدة في لندن،
وأنها ماتت مبتسمة، وقالت كل ما يجدر بها قوله في هذا الوضع الحزين، ولكنها في
ختام الرسالة عبرت عن مشاعرها قائلة: "ان من حسن الحظ أنكم لم تروها في
أيامها الأخيرة، ويكفي أن أحمل هذا الألم الأبدي في قلبي. الألم الأكال العاصف. يا
ألهي، يجب ان تساعدوني يا أبي على النسيان." وقد عاشت نازك في واقع الأمر
أياما حزينة مريرة في لندن حتى تمت مراسم الدفن في مقبرة إسلامية هناك. والشاعرة،
التي سعت لأحياء ذكرى أمها عن طريق جمع شعرها ونشره في ديوان باسم أنشودة المجد
بعد سنوات، تأثرت كثيراً بهذه التجربة الحزينة، خصوصاً بتنبؤ أمها أن يقتلها
الأطباء بسبب المواضيع التي تتناولها في قصائدها. وهي تعلق على هذا في المقدمة
التي كتبتها لديوان والدتها اذ تقول: "قضيت أربعة أيام رهيبة في لندن لا أقوى
على النوم. وكنت أتعذب بفكرة عنبر الموتى الذي ترقد فيه أمي الحبيبة. وكانت
كلماتها لا تفتأ ترن في سمعي: انهم سيقتلونني." [9]
ومن المؤكد ان الدافع
القومي قد اشتد قوة في نفس الشاعرة بسبب هذه المأساة الشخصية. ونتج عنه ان القضية
الفلسطينية كان لها دور كبير في الكثير من دواوينها، وكتبها النثرية.
وهذه
الرؤية النفسية لاغتراب المرأة، كعدم القدرة على الانتماء لعالم الأب، ومحاولتها
لاسترجاع صورة الأم ومتابعة طريقها وتقبل قيمها، قد تكون مفيدة، لا في تحليل
المجموعة القصصية التي نتناولها فحسب، بل لفهم الأدب النسائي عموماً. فعدم القدرة
على الانتماء في كتابات النساء، كثيراً ما تنتج عن تمزق الذات الى قسمين من
الصراع بينهما تنبع الكتابة والإبداع.
القسم الأول، ينتمي لعالم الأب، ويطابق الكلام لمقتضيات الحال، ويخشى مغبة الصراحة
الجارحة. انه القناع والدرع الواقي الذي
تتحدث عنه الشاعرة في مقالتها التي استشهدنا بها أعلاه. اما القسم الثاني، المسكوت
عنه عادة، والذي يمثل الأم، فيسعى للتعبير عن نفسه بعدة وسائل في العمل الأدبي،
منها الكوابيس، وتوارد الخواطر، وكتابة الجسد، وغيرها. وعن استخدامات الشاعرة لبعض
هذه الأساليب للتعبير عن قيم أمومية سنتحدث في بقية هذه الدراسة.
البحث عن قيم الأم عن
طريق كتابة الجسد..
قد
تكون كتابة الجسد محاولة للتفوق على تحكم الوعي الذي كونه المجتمع الذكوري، أي على
الشعور بالاغتراب عن طريق السماح لتجارب جسدية مميزة لم يتم الحديث عنها من قبل
بالظهور في العمل الأدبي. الجسد النسائي كثيراً ما ارتبط بالعار، او الضعف، او
الخطيئة، والمرأة قد تشعر بانها غير قادرة على التعامل معه، بل وقد تحتاج لبدائل
كثيرة حتى تتقبله.[10]
والكتابة عن الجسد بطريقة اكثر إيجابية، والتأكيد على ان "انا" الكاتبة
ترتبط بشكل ما بهذا الجسد، بدلاً من ان تنفر عنه، قد تكون مفيدة في التخفيف من حدة
الاغتراب، مثلاً عن طريق خلق قيم جديدة ناتجة عن التجارب الجسدية، لم يتم تناولها
في أعمال أدبية سابقاً. للجسد النسائي مثلاً القدرة على الإنجاب (أي خلق الحياة
البشرية) ورعاية الطفل (عبر عملية الرضاعة).
والتساؤل هنا هو: هل يمكن لهذه الخواص الجسدية ، والمزايا النفسية الموازية
لها، ان تساهم في إنتاج عمل أدبي يقدم وجهات نظر مختلفة عما كتبه الرجال؟
كاتبات
عربيات ينتمين للجيل التالي لنازك طرحن هذه الأسئلة، واختلفت إجاباتهن بشأنها.
الأديبة المبدعة د. غادة السمان ترى في عملية الحمل والإنجاب خطراً على الكاتبة.
فهي تقول في مقابلة مشهورة:
منذ الأيام
الأولى (للحمل) شعرت اني مستعمرة. هناك كائن غامض في أحشائي يعطل كل طاقاتي
الفكرية، شعرت اني أتآمر على الفنانة في أعماقي لصالح هذا الكائن الغريب. لم تكن
علاقتنا ودية، فانا دوماً أثور ضد ما يحول دوني ودون تحقيق ذاتي ككاتبة، وقد ثرت
على ذلك الكائن الطفيلي الذي يحتلني وينصب راياته في حواسي كلها. ثرت عليه ثورة من
نوع غريب. ثورة سكونية. ثورة مستسلمة. فقدت القدرة على التفكير وفقدت القدرة على
الكتابة.[11]
ترى غادة اذاً ان
المرأة الحامل كائن ضعيف، غير قادر حتى على التفكير، ناهيك عن الخلق والإبداع. بل
ان الجنين عبارة عن "كائن طفيلي" مثل أي جرثومة تصيب الإنسان بالمرض.
وهذه الرؤية حسب تصوري الشخصي مثال جيد على اغتراب الجسد المؤنث في مجتمع رجولي
القيم.
تقدم
د. نوال السعداوي رؤية معاكسة اكثر تعقيداً عن علاقة الإنجاب بالكتابة. وهذا يحدث
في قصة طويلة قديمة تُدعى الخيط، نشرتها الروائية المعروفة عام 1972.
وأسلوب هذه القصة الغامضة يعتمد على تداعي
خواطر البطلة التي يقترب حديثها من الهلوسة. في الفقرة التالية يبدو واضحاً ان
البطلة تعقد مقارنة بين النجاح في عملية الكتابة الإبداعية، وعملية الإنجاب، وترى
بينهما تشابهات كثيرة:
كالسحر،
كالسر الخفي، يكمن في الكلمات القديمة حين أضعها الكلمة وراء الكلمة، فتصبح فوق
السطر كلمات جديدة لم اسمعها ولم أقراها من قبل. لها نبض كنبض القلب. وامتدت يدي
تتحسس قلبي فاذا بأصابعي تلتف حول جسم صغير، له رأس مستدير شعره ناعم، وله عينان
واسعتان يشف سوادهما من تحته لوناً ازرق يترقرق كسطح بحيرة.[12]
بطلة نوال ترى
في عملية الكتابة خلقاً للحياة بشكل ما. فللعمل الأدبي الجيد استقلاليته عن
الكاتبة حتى يبدو كأن أبطاله قد قطعوا حبل السري وباتوا مستقلين عنها بالفعل. ولكن
العلاقة بين العمليتين في قصة "الخيط" لغوية: فالمرأة تكتب رسالة
لطبيبتها الغائبة وتتوقع أجابتها كما تشعر بنشاط جنينها داخل جسدها وتحادثه بينما
هو لا يزال غير قادر على الرد عليها. هي تحيي الآخر عبر محادثتها له. وتجلب
طبيبتها الغائبة للحضور عبر كتابة الرسالة، أي قصة الخيط لها وعنها.
في
دراسة حديثة تقدح الشاعرة نازك الملائكة نُشرت في مجلة الرافد، انتقد د.
بشرى موسى صالح استخدام الشاعرة لاسلوب محادثة الغائب، مدعياً ان هذا الأسلوب :
"يبتلع صوت الآخر ويستبطنه في لعبة الأسئلة والأجوبة (الذاتية) وعلى نحو أدق افتعال الأسئلة وافتراض وجودها ووضع
مصائرها في إجابات أحادية جازمة". والناقد يشتط غضباً من "الشكل
الاسلوبي القائم على طغيان ضمير الأنا وتحولاته المرآتية اللسانية، اذ تغلب بنية
الاستفهام والنداء والمناجاة والأسئلة التجريدية التي تبتلع أجوبتها في فضاء عدمي
واضح تكون الذات فيه محوراً موضوعاً وخطاباً صارخاً."[13]
والواقع ان عيون الشعر النسائي العربي، قديمه وحديثه، كتابات ليلى الأخيلية
والخنساء، ونازك الملائكة، وغيرهن من الشاعرات ، تعتمد على أسلوب محادثة الغائب،
والتعبير عن الشجن الذاتي لغيابه، نظراً لقدرة هذا الأسلوب على التعبير عن
الحنين.. فأدب الرثاء الذي كتبت المرأة العربية اجمل أشعارها فيه، عبارة عن حديث
عمن رحلوا، او معهم. وللمرأة قدرة اكثر من الرجل على الرثاء . فالطبيعة وهبتها شرف
أنجاب الأطفال بمعاناتها. ومن يشعر بهذا القدر من الخصوصية بكيفية تكون الحياة،
يقدرها حق قدرها، ويحزنه فقدانها. ومن أشهر من كتبن شعر الرثاء ليلى الاخيلية
التي تحادث حبيبها توبة بعد وفاته في معركة معروفة، بالأبيات التالية:
فلا
يبعدنك الله يا توبُ هالكاً أخا حرب ان
دارت عليك الدوائر
فآليت الا أنفك أبكيك
ما دعت على فنن ورقاء أو طار طائر .[14].
ومن المؤكد ان د.
بشرى سيشتط غضباً من أسلوب هذا الشعر،
الذي يتميز بالذاتية المفرطة.. (وان كان في الواقع يعبر عن الحزن لغياب الآخر.. أي
على مشاعر معاكسة للذاتية المزعومة). وهذا شيء طبيعي في أحوال الشعر النسائي الذي
يعبر عن عاطفة الحزن تجاه الموت لاسباب ذكرناها أعلاه.
ولكن
د. بشرى يستمر في قدحه، اذ يشجب بقسوة ما يسميه : "الاضطراب في حركة الضمائر
بين المخاطب والغيبة والمتكلم."[15]
وهذه أيضا من خواص التراث الشعري النسائي في أحوال الرثاء: فمع انه يسعى بلاغياً
لإحضار الميت وجلبه للحياة عن طريق رسم صورة له ثم محادثتها، الا ان الدارس سيلاحظ
دائماً في أبياته خلطاً متعمداً بين المتحدث والمتحدث اليه، ينتج عنه ان الشاعرة
نفسها تبدو وكأنها قد ماتت نتيجة لفقدان من رحل، وانها عادت للحياة مرة أخرى عبر
تذكره. تقول الخنساء في آبيات معروفة:
يُذكرني طلوعُ الشمس
صخراً وأذكره لكل غروبِ شمسِ
ولولا كثرةُ الباكين
حولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي[16]
من الواضح في هذه
الأبيات ان الشاعرة تعتبر نفسها من الأموات بشكل ما. ولكن تذكر الأخ، ورؤية
الأخريات الباكيات على إخوانهن، يهباها شيئاً من العزاء، ويبقيانها على قيد
الحياة. وربما يكون هذا الإحساس بالموت روحياً في الدنيا، من ظواهر اغتراب الوعي
النسائي الذي تخفف من حدته محادثة الغائبين وجلبهم للحياة عبر هذا الحوار
التمثيلي، أي لعب دور الأمومة بشكل رمزي.
وهكذا
اذاً نلاحظ ان غضب السيد د. بشرى موسى صالح، ليس على الشاعرة نازك الملائكة، فحسب،
بل على خاصية تميز الأدب النسائي، قديمه وحديثه.
فمن المؤكد ان هناك أخريات مثل رابعة العدوية ومثيلاتها من الناسكات
ممن وجدن في كتابة الشعر للغياب والتعلق به، حياة ووجوداً روحياً مميزاً. وربما
حان الوقت للنقاد لتعلم قراءة النصوص النسائية التي تختلف كثيراً عن نصوص الرجال،
وتتطلب قراءتها النقدية لغة ورؤية مخالفة لتلك التي يمكن استخدامها لقراءة النصوص
الرجولية. كما تلاحظ الناقدة آلين شوولتر، ان الأعمال الادبية النسائية تعتمد على
: "قيم، تقاليد، تجارب، وسلوك مختلف
، يتجسد في أسلوب مغاير تستخدمه الأديبة للتعبير عن الذات المجنسة في العمل
الأدبي."[17] وقد
استشهدنا أعلاه بفكرة – نازك – عن وجهة نظر نسائية تخالف الرؤية الرجولية للأدب.
تستخدم
الشاعرة نازك الملائكة أسلوب
محادثة الغائب في قصتها "رحلة في الأبعاد" حيث تنتقل بطلة القصة، واسمها
(شوق) خير رمز للتعبير عن التشوق لمن رحلوا،
تنتقل في رؤية روحية الى العصر الجاهلي، وتشاهد امرؤ القيس وعنيزة. الشاعر
يطاردها، وهي تجري قائلة: "فضحتنا. لا ام لك." ومن الواضح هنا ان هذا
الحلم بالتحرر من الام، أي ان يكون الإنسان عظيماً لدرجة خلق نفسه، هو من أسس
الخيال الرجولي. ولكن شوق تتهرب من الحديث في هذا الموضوع، وتطابق الكلام لمقتضيات
الحال، قائلة: "انا افهم منها ان عنيزة تقول لامريء القيس انه إنسان فريد فذ
رائع بحيث لا يمكن ان تكون له ام من البشر."[18]
وهي ترسم الصورة التالية لعنيزة بعد رحيل حبيبها:
لقد رأيتها
تقف وتسند ظهرها الى شجرة وتتطلع والهة الى الفارس المسرع وبقيت تتابعه ببصرها
الحزين حتى غاب وراء الشجر الكثيف، ورأيتها تسند رأسها الى جذع الشجرة وتغمض
عينيها وكأنها تسترد حلماً عزيزاً تخشى عليه الضياع.[19]
وهذه القصة جديدة في
موضوعها، وفي أسلوب تناول هذا الموضوع. فهي ترسم صورتين لامرأتين وتعقد مقارنة
بينهما: إحداهما ، التي تعيش اغترابها في الحاضر، ترحل لرؤية المرأة الأخرى في
الماضي، وتجلب صورة للأخيرة الى الحاضر. والصورة تختلف نوعاً ما عن الصور النمطية
الشائعة التي تعكس رؤية رجالية للنساء. وصف عنيزة في معلقة امرؤ القيس ماجن، بذيء.
ولكن الشاعرة ترسم صورة مخالفة للشخصية النسائية.. انها اذاً محاولة لاستنطاق
التراث ، وجلبه الى لب المعاصرة بطرق جديدة مشوقة تتيح للقارئ التفكر فيه، وخصوصاً
في الشخصيات النسائية الموجودة في هذا التراث. اما سبب هذه الرحلة الروحية، فمن
الممكن ان يكون تململ (شوق) برتابة حياتها. ومن المؤكد ان هذه التجربة جلبت لها
الكثير من السعادة وأحيتها بشكل روحي تماماً مثل ما حدث لبطلة قصة "الخيط"
ولغيرها ممن حادثوا الغائبين في الأعمال الأدبية.
تتناول
قصة "الشمس التي وراء القمة" فكرة الإنجاب، ورؤية المجتمع للحامل، ورؤية
هذه المرأة لنفسها، وعلاقة هذا كله بالإبداع الأدبي. فالقصة عبارة عن توارد خواطر
هدى، البطلة، وهي تحت تأثير بنج موضعي بينما تجري لها عملية قيصرية. تمر في ذهنها
الكثير من الكوابيس عن فكرة "العملية القيصرية" ذاتها: "العملية
القيصرية نسبة الى أحد قياصرة الرومان وقد تعسرت ولادة زوجته وكاد الجنين ان
يختنق، فامر ان تشق بطن الام بالسكين بلا رحمة. ومن دون اهتمام بها لاستخراج الطفل
حياً."[20] الام
اذاً عبارة عن مادة خام يستخدمها الملك الرجل لإنجاب ولي للعهد. لا قيمة لها في حد
ذاتها. وهذه الرؤية للأمومة قد تتأثر بها المرأة – وتثور عليها – شاعرة ان الأمومة
ضعف وسلبية، وان الكائن في داخلها مخلوق طفيلي يأخذ منها أغلى ما تملك : أي
حريتها. وبطلة القصة تنتابها هذه الهواجس : "كنت أيام صباي احتقر العلاقة
الجنسية وانفر من الزواج كله. وارتبط ذلك بازدرائي للمرأة الحامل، فقد كانت تبدو
لي مغرقة في الحسية وضعيفة في آن واحد. "[21]
عبر
التفكر في تجربة الإنجاب ، تصل هدى لمعرفة جديدة عن النفس والآخر. فهي تدرك أولا
ان ازدرائها للمرأة الحامل انما هو تقبل لآراء اجتماعية شائعة، وهكذا تقول:
"لقد لاحظت انني احب الأطفال فباي منطق أتعالى عن الحمل الآن؟ وبأي شرع احتقر
المرأة الحامل؟"[22]
وهذا الإدراك بأن الجنين سيتحول الى آخر، وانها تساهم في تكوينه عبر معاناتها
الجسدية، تجعل من تجربة الحمل نشاطاً خصباً فعالاً وتعريفاً إيجابيا للأنوثة.
"ان تضحيتها تربطها بالله، وتلمسها بشعاع الألوهية."[23]
الرؤية
العامة التي تقدمها هذه المجموعة القصصية للمجتمع الإنساني تستند الى علاقة الجنين
بأمه. فبطلات القصص جميعاً يقدرن المعاناة والبذل في جلب كل ما هو حي الى الوجود.
بل ان نهى، بطلة قصة "الى حيث النخيل والموسيقى" تؤمن بان النخل
والأشجار التي تحيا في وسطها انما هي كائنات حية تحس وتفهم. وهي تموت بعد موت
النخلة التي أحبتها. مثل اعتماد الجنين على امه، اعتمدت نهى على الشجرة، والشجرة
على نهى، وعاشا سوياً، وبفناء أحدهما يفنى الآخر.
وهذه
الرؤية الخاصة للوجود كترابط الكائنات وعنايتها ببعضها البعض تختلف عن رؤى اخرى
مثل نظرية دارون الذي يدعي ان كل ما في الكون يتصارع بعضه مع بعض، ووجهة نظر
الماركسية التي تدعى ان علاقات الأفراد ببعضهم البعض وبالكائنات الحية الأخرى إنما
هي استغلال مادي بشع. هذه النظريات الشائعة هي ما تنتقده هذه القصص. والرؤية التي
تقدمها الشمس التي وراء القمة لمغزى الوجود البشري انما هي رؤية نسائية لان
مثلها الأعلى هو علاقة الام بطفلها .
وهذه
الرؤية بشكل عام هي التي تدعوا لها حركات تحرر المرأة العالمية حالياً، سواء اطلبت
منا العناية اكثر بالأطفال، او احترام حقوق النساء، وحتى الرأفة بالكائنات الحية
والعناية بالبيئة.
من
المؤكد ان بعض قراء هذه القصص سينتقدون تحليلي هذا لها. وانا اعترف باني تناولت
قصص الشاعرة نازك الملائكة في سياق الأدب النسائي العربي وقضايا المرأة نظراً
لاعتقادي بأن هذا الجانب من عملها لم يلق ما يكفي من اهتمام النقاد. يبدو لي ان
وصف تجربة الأغتراب الذي تعانيه بطلات القصص، والاعتماد على قيم مستقاة من الأم في
هذا العمل بوصفها وسيلة للتحرر من هذا الأغتراب، بالاضافة لاستخدام أسلوب محادثة
الغائب، كل هذه عوامل أساسية تجمع بين هذا العمل والأدب النسائي القديم والحديث.
هناك
إمكانيات لقراءة هذه القصص من وجهات نظر أخرى أدرك بعضها. لاحظنا مثلاً في الصفحات
السابقة تقدير الشاعرة للتراث الشرقي وولعها الواضح به في أكثر من مكان، ودراسة
علاقة هذا النص، والأدب النسائي عموماً، بالفلسفة العربية والتراث الإسلامي، ممكن
بل وضروري. وما يجعل هذه القضية اكثر أهمية بالنسبة لمجموعة الشمس التي وراء
القمة هو ان نازك الملائكة لها
مواقف مميزة معروفة تجاه التراث والحداثة، لم تُرض المغالين من الدعاة لأي منهما.
ومن المؤكد انها كانت أكثر الأديبات العربيات تعرضاً للنقد والتعريض منذ الستينات
حتى هذه الساعة بسبب مواقفها المعروفة. وقد لاحظت السيدة الناقدة سلمى الخضراء
الجيوسي ان الكثير من هذا القدح كانت له أسباب خفية تتعلق بجنس الشاعرة، أي
بكونها امرأة تجرأت على التجديد في ميدان الشعر، حين لم يتوقع النقاد من النساء
سوى التقليد او الصمت.[24]
ولكن نازك في مجموعتها القصصية تسمو على هذا الأسلوب: اذ لا تنتقد شخصية
لأنها ترمز لجنس أو تعمم ما هو فردي كما يحدث في بعض أعمال النقاد المحدثين.
ولذلك: قد تكون أهم مزايا العمل الذي أنتجته، تأكيده ان الأدب النسائي يمكن ان
يكون أنسانيا أيضا.
[1][1] 1نُشرت هذه المحاضرة،
وعنوانها: "المرأة بين الطرفين: السلبية والاخلاق"، في كتاب الشاعرة: التجزيئية في المجتمع
العربي (بيروت: دار العلم للملايين، 1975). ص. 42
[2] نفس المصدر، ص. 39 –
40.
[3] أدونيس، ديوان
الشعر العربي، ج. 1، ص. 301.
[4] الشمس التي وراء
القمة، (القاهرة: المجلس
الأعلى للثقافة، 1997). قصة: "ظفائر السمراء عالية" ص. 51
[5] نُشرت هذه الدراسة في التجزيئية
في المجتمع العربي ص. 199
[6] مجموعة الشمس التي
وراء القمة ، قصة "ياسمين"، ص. 22 – 23.
[7] نفس المصدر، ص. 31.
[8] Selected Papers, Trans. Joan Rieveire, vol4 , P. 389
[9] أعتمد في هذه الفقرة
على كتاب السيدة حياة شرارة رحمها الله: صفحات من حياة نازك الملائكة
(لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 1994). ص. 140 - 145
[10] تناولنا هذا الموضوع
بتفصيل في دراستنا عن أدب المذكرات النسائي: "تأثير العنف الاجتماعي على حياة
المرأة العربية" الذي نُشر في أدب ونقد، عدد 140 ، أبريل، 1997.
[11] البحر يحاكم سمكة (منشورات غادة السمان، 1986). ص. 29
[12] الخيط وعين الحياة:
روايتان قصيرتان )القاهرة:
مكتبة مدبولي، 1983). ص. 50 - 51
[13] د. بشرى موسى صالح. "شعرية
الثبات.. قراءة اسلوبية في شعر نازك الملائكة" ، مجلة الرافد (الشارقة، 2002)
. عدد: 61 ، ص. 95
[14] المختار من أشعار
المرأة العربية في الجاهلية والاسلام. اعداد: د. محمد عناني (القاهرة: الهيئة
المصرية العامة للكتاب، 1997). ص. 100
[15] د. بشرى موسى صالح. "شعرية الثبات.
" ص. 95
[16] المختار من أشعار
المرأة العربية في الجاهلية والأسلام" ص. 35
[17] Showwalter, Elline. A Literature of their Own. (Princton,
Princton University Press, 1975. p. 25. يمكن ايضاً مراجعة دراسة نشرتها في مجلة أبداع
المصرية عام 1997 (العددان السادس والسابع) بشأن الفوراق بين أسلوبي السرد، المؤنث
والمذكر.
[18] مجموعة "الشمس
التي وراء القمة، قصة: "رحلة في الأبعاد" ص. 139
[19] نفس المصدر، ص. 140
[20] قصة "الشمس
التي وراء القمة" ، ص. 154.
[21] المصدر ذاته، ص. 156
[22] المصدر ذاته، ص. 156.
[23] ذات المصدر، ص. 166
[24][24] نازك الملائكة: المرأة
التي غيرت خريطة الشعر العربي. أبداع، فبراير، 1996. ص. 78
|