الفصل الخامس:  حول جيش المهدي..

 

1- من هم أعضاء جيش المهدي، وما عددهم؟؟


بدأت مشاكل جيش المهدي مع الولايات المتحدة في أبريل 2004.. فقد كان هناك تصريحات لقائده السيد مقتدى تؤكد ان هدف الجيش الأساسي والوحيد له هو محاربة المحتل وطرد الأجانب من البلاد، وبعد ذلك إنجاز المهمة ومحاربة إسرائيل. ونظراً لتعاطف الجيش مع حركات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية مثل حماس وحزب الله، واجهت قوات الولايات المتحدة هذا الجيش في النجف ومدينة الصدر وغيرهما.

يقال ان أعضاء جيش المهدي لا يزيدون عن بضعة آلاف.. ولكن لديهم القدرة على إنجاز الكثير..
وقد تكون هذا "الجيش" في صيف 2003 حين طالب السيد مقتدى الصدر بصناعة قوة جديدة لسد الاحتياجات الأمنية للبلاد. فذهب الشباب للتطوع في مكاتب قريبة من الجوامع.. وتعهدوا بالدفاع عن الإسلام والوطن (وهو ما تعارض مع رغبة الاحتلال في منع التسلح.)
ولا يزال تيار الصدر يكسب المزيد من الأعضاء.. فمن كان محبطاً في عصر صدام البغيض ازداد إحباطه اليوم.. من يتطوع عادة يعيش في مناطق فقيرة، لم تتحسن أحوالها البتة بعد التخلص من النظام البائد..
وقد قال أحد أعضاء الجيش بصراحة: "لا اعرف الهدف الأساسي للجيش الذي انتمي أليه..ولا حتى من هم الأعداء، ولكني سأطيع أوامر السيد مقتدى." مما يدل على إخلاص المجموعة للمرجعية الجديدة.. واستعدادهم للقتال في سبيلها..
وقد تخوفت قوات التحالف
بقيادة الولايات المتحدة من كم السلاح الضخم المتاح للمجموعة الأعضاء المنتمين للجيش يحسنون استخدام القنابل وقاذفاتها والكلاشنكوف.. وليس ذلك بالغريب في بلد خدم غالبية شبابه في الجيش.. أما السلاح ، فقد تركت قوات التحالف مخازن الذخيرة مفتوحة لأسابيع بعد الاحتلال... ويقال ان ايران تقدم السلاح لجيش المهدي، ويقال انهم يشترونه من تجار يتخصصون في صناعته في البلاد..
وان توقع الخبراء الا يزيد عدد الأعضاء المنتسبين للجيش عن 10 آلاف رجل، بل وان يقل العدد عن هذا كثيراً، الا ان 15 % من شيعة العراق (حوالي 2 مليون مواطن) يؤيدون سياسات السيد مقتدى..

 هل الطفل يلعب مع قطة، ام القطة تلعب مع الطفل؟ القضية تعتمد على وجهة النظر المعتمدة
بالنسبة للأمريكي، قوات جيش المهدي عبارة عن عصابة تحاول الإخلال بالأمن.. وبالنسبة لجيش المهدي، الجيش الأمريكي قوة غازية تريد نهب البلاد وتخريبها

باختصار، الوضع مع جيش المهدي مرشح
دائماً للمزيد من التصعيد.. وهذا مفهوم.. فجيش المهدي يرفض التخلي عن السلاح طالما بقيت قوات الاحتلال، والأخيرة مصممة على ان لا يكون في البلاد اي قوة مسلحة، باستثنائها، هي وقوات الباشمركة الكردية..


2)
الطفل العراقي في الضريح، والدبابة الأمريكية في الخارج..

صورة من معركة أغسطس 2004 في النجف

اقتربت الدبابات الأمريكية بعد قصف هذا الصباح
15 . 8 . 2004، من ضريح الإمام كرم الله وجهه.. تقلصت المسافة الى اقل من 400 متر..استفاق أهل النجف على أصوات القنابل وأزيز طلقات الرصاص.. دبابات ابرامز قصفت بشدة مواقع جيش المهدي..
قالت وزارة الدفاع - التي ضعفت مصداقيتها بعد تصريحات كاذبة بدخول الشرطة العراقية الى الضريح - قالت ان أعداد قتلى جيش المهدي البارحة في الكوفة تجاوزت الأربعين.. ونفى مكتب السيد مقتدى الخبر، وقال انهم فقدوا مقاتلاً واحداً فقط.. وان وزارة الداخلية صارت تتلقى المعلومات التي تبثها من وزارة الإعلام..
حلقت طائرات الهيلكوبتر فوق مراكز الشرطة ومقبرة المدينة التي تستمر المعارك فيها..
وقد طلب السيد حسين الصدر من مقتدى إخراج قواته من مدينة النجف، مؤكداً ان عامل الوقت حاسم.. وان القوات الأمريكية تطبق على الضريح وتقترب من غايتها كل ساعة..
في الضريح شاهدت طفلاً، في ال 12 من العمر يحاول رفع كلاشنكوف.. يسمي نفسه مقتدى.. وهو يتفاخر بأنه يقدر على فعل كل شيء في المعركة.. باستثناء قيادة طائرة هلكوبتر.. يقول الطفل متفاخراً : البارحة أطلقت قنبلة من القاذفة على دبابة.. الأمريكي ضعيف.. فهو يحارب في سبيل المال ويصرخ مثل خنزير حين يصاب.. سنقتلهم برغم تفوقهم لان الإيمان هو أقوى سلاح.."
اقترح السيد مقتدى تقديم المفاتيح الى المرجعية.. ولكن الدولة تريد تكوين لجنة لدراسة الفكرة.. بينما تقترب القوات الأمريكية من الضريح..
يدافع الشيخ الشيباني عن وجود الأطفال في ساحة المعركة: وجودهم يدل على ان المعركة تدور بين المحتل وحركة شعبية تواجه الاحتلال.. العجوز الذي تجاوز الستين، والطفل في الخامسة عشر، يتفقان في محاربة المحتل.
البارحة، استعار أحد الأطفال التلفون الجوال من صحفي ليحادث أسرته..
الطعام الى الضريح يأتي من مطاعم الفنادق القريبة.. دجاج وتمن..
أقيمت في حديقة مجاورة مستشفى ميدانية تعالج الرجال والأطفال والعجائز الجرحى من جراء القصف يديرها الصليب الأحمر الإيطالي..
مع مرور الايام، تظهر دلائل الإرهاق واضحة على وجوه الأطفال والشيوخ وحتى الرجال. اما الدبابة الحديدية، والطائرة التي تقذف القنابل.. فلا يبدو عليها اي شيء.. فهي آلة.. اللحم البشري فقط يحترق ويعاني..
يقول الطفل مالك، من الديوانية: شجعني والدي على المجيء هنا للمحاربة.. أتمنى ان أعيش
وأتذوق طعم النصر يوماً.. ولكن لو مت، فسيكافئني الله عز وجل.. فهو يرى كل شيء، ويعرف كل ما يحدث هنا..نحن صغار، وربما سيكون هناك وقت يوماً ما للعب الطفيرة والختيلة وكرة القدم.. ولكن هناك وقت للموت أيضا..

3)

 

12- 8 – 2004

وجوه باسمة، وايادي تمسك بالقنابل.. زيارة الى النجف..

في مدخل مدينة النجف شاهدت مجموعة من شباب جيش المهدي وغالبيتهم من المراهقين ، في ايديهم الرشاشات وقاذفات القنابل. وهم في العادة لا يطلقون النار قبل ان يعرفوا على من...
شوارع النجف غير نظيفة. أوراق الكلينكس وعلب سجائر فارغة ترقد على قارعة الطريق.. بقع حمراء على الأرض.. ولكن ربما لا تكون دماً بشرياً.. ولا يسير سوى قلة قليلة من الناس في الطرقات. وهم غالباً من شباب مجموعة السيد مقتدى.. يؤكدون انهم سينتصرون بأذن الله.. عامة الناس تختبئ في بيوتها.. والكثير من أصحاب الأسر فضلوا السفر..
الوصول الى ضريح الأمام ، كرم الله وجهه، حيث تحتدم المعارك في غاية الصعوبة..
في المستشفى شاهدت المحاربين والطاقم الطبي يحاول تضميد الجراح.. الطبيب يؤكد انه يعالج المرضى، بغض النظر عن كونهم محاربين او من المدنيين.. وان كانوا من قوات المهدي، او رجال الشرطة العراقية..
اتجهت بعد ذلك الى جامع الكوفة في ضواحي المدينة.. بجواره توجد نقطة تفتيش لشباب جيش المهدي.. وهم يعاملون الناس باحترام وأدب.. وبينهم من يحب الكلام مع المارة والعابرين.. أحدهم اخرج قنبلة من جيبة، فتجمع الناس للتفرج.. وجوه باسمة، وايدي تمسك بالقنابل..
جاءت 3 جنازات الى الجامع.. الناس يدعون لجيش المهدي ويشتمون أمريكا.. أمام جامع الكوفة يستقبلهم.. هو رجل طيب، مثل الكثير من أهل الجنوب. يقول ان القصف الأمريكي هو الذي أدى لقتل هؤلاء الأبرياء الثلاثة.. ولكن من يعرف من أطلق القنبلة؟ ومن يهتم؟ بالنسبة لعامة الناس، أمريكا هي المسئولة عما يحل بمدينتهم من بلاء.. شاهدتهم يلطمون ويقرءون الآيات القرآنية والأدعية بينما سارت الجنازات.. عويل الأطفال يعلو على صراخ الكبار.
جاء شاب وقال انه ينتمي لمجموعة الصدر: "النصر قريب بأذن الله."
قال أمام الجامع: لم نقتل بهذه الطريقة أبدا في عصر صدام.. هذا مع ان الأمام من الطائفة الشيعية، التي تعرضت للاضطهاد في ذلك العصر البائد..
قررنا العودة بسرعة الى بغداد.. في الطريق شاهدت أفواجا من الناس، آلافا مؤلفة، تسير على الأقدام، تركب العربات الخاصة، والباصات، متجهة الى النجف. شعرت بان الشعب العراقي قد خرج عن بكرة ابيه للوقوف مع السيد مقتدى..
تمنيت في النهاية ان ازور النجف في وقت افضل.. حين يعود السلام، والزوار..

 

4- حروب المقابر.. ليست نزهة..
تقفز بومة ناعبة من المقبرة، فيفزع الجنود ويستعدون لاطلاق النار.. ثم تخرج من سراديب الأضرحة أشباح رجال سمر شاحبي الوجوه في ثياب رثة يطلقون الصواريخ على الجنود، ويختفون وكأن الأرض ابتلعتهم. يسير الجندي، مدركاً انه قد يواجه الموت وراء كل ضريح ..وانه قد لا يكون، في خلال دقيقة، احسن حالاً ممن يرقدون تحت التراب..


تبدو علامات الحزن واضحة على وجوه الشباب الأمريكي المدجج بالسلاح.. فها هم يحاربون بين القبور.. مدركين ان كل قذيفة يطلقونها ستدمر قبراً يرقد فيه جثمان إنسان.. على بوابة كل ضريح توجد صور لمن توفوا حديثا، يشاهدها الجنود تحترق حين يطلقون النار على البوابة للدخول ومواجهة قوات المهدي في الداخل.. يقول ثوماس جنتري: وهو جنرال في ال 29 من العمر: "يحزنني ان ندمر، وحتى ان نتعدى على حرمات القبور.. أشعر بفظاعة هذا الفعل أحيانا.."
يقولون ان الهدف هو تدمير جيش المهدي.. الذي يزعج الأمريكان منذ أكتوبر الماضي، حين نجح بعض أفراده في نصب كمين لعربة أمريكية في مدينة الصدر.. اما انتفاضة ابريل ومايو، فقد اربكت تماماً محاولات الأمريكان لفرض نظام أمنى في الجنوب. بدأت المواجهة هذه المرة بكمين صباح الخميس، وقرر الأمريكان حسم الموضوع .
اما السيد الصدر، فلا يزال مقفلاً للباب تماماً على التفاوض مع ما يعتبرها قوات احتلال. وما يزال مصمماً على الحرب، حتى آخر قطرة دم.. كما يقول.
للمراقب الواعي، كان سفر السيد السيستاني بداية المعركة. وقال البعض ان سفره، وهو الذي لم يغادر منزله منذ 6 سنوات.. دلالة على انه معادي ضمنياً لتيار السيد الصدر. العذر الرسمي للسفر، العلاج من أزمة قلبية، يدفع قائد كتبية المارينز الحادية عشر، ديفد هولهان، للابتسام: "سفره يسمح لنا بفعل ما نريد... وهو كذلك ما تريده غالبية الناس هنا. هذه منطقة سياحية.. سكانها يريدون توفر الأمن."
وهكذا تحولت المقبرة الى ساحة حرب دموية، تحلق فوقها الطائرات.. لمواجهة جيش المهدي، الذي يحارب بمجموعات صغيرة، لا يتجاوز عدد اي منها الأربعة أفراد.. تطلق الصواريخ وتختفي.. وتراوغ بشكل جيد، لتهرب من نيران الطائرات التي تلاحقها بين القبور والأضرحة. يقول جندي: "اشعر وكأنني أحارب في الأحراش، ولكن لا توجد أحراش."
اعترف قائد المارينز رولاند كريبر: "هم متدربون جيداً . وسلاحهم لا بأس به." ثم استطرد: "ولكننا سنبيدهم عن بكرة ابيهم في نهاية المطاف."

 

ترى، لو كان الرئيس بوش يعرف ان قواته بعد اكثر من عام على الاحتلال ستحارب في مقبرة النجف، ترى هل كان سيدخل هذه الحرب؟
الورطة الأمريكية تزداد سوءاً، وهم اليوم يحاربون في المقابر..
الحرب في واحدة من اقدم واضخم مقابر الدنيا ليست نزهة.. الإنسان يشعر بالحزن لمجرد زيارة الموقع الذي يرقد فيه ما لا يقل عن 2 مليون جثمان..

صاح هذه قبورنا تملأ الأرض فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء، ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا ، وإن قدم العهد، هوانُ الآباء والأجداد...

هاهم البشر يتحاربون على الدنيا الفانية في قلب المقبرة.. ويستهينون بحرمة جثث الأجداد...في سبيل شيء من النفط.. والمال.


المصدر: مقالة السيد كارل فيك، في مجلة واشنطن بوست..
 

14- 8 - 2004-

 

5)

صدق او لا تصدق. البعض يعتقد ان مشكلة النجف لن تنتهي الا حين يعود السيد السيستاني..

يقول الناطق باسم السيد السستاني، وهو مرتضى الكشميري، ان السيستاني قلق للغاية بسبب تدهور الوضع الأمني في النجف بعد رحيله..
وقد تكون صحة السيستاني ضرورية لتعافي النجف المريضة بالفعل. فبالرغم من رفضه لزج المرجعية في شئون السياسة، فالسيستاني هو داعية التعددية الأول في البلاد، ووقف معارضاً لخطط الولايات المتحدة لصناعة دستور قبل الانتخابات..
والسيد السيستاني يعارض المقاومة العنيفة التي يدعو لها السيد مقتدى الصدر، والتي أدت لاحتدام معارك بين جيش المهدي والدولة العراقية وقوات التحالف.. ونتج عنها مقتل مئات من الأفراد.
وقد قال المتحدث باسم السيد السيستاني انه قلق للغاية لما يحدث في البلاد، وسيعود في أول فرصة..
والكثير يعتبرون السيد السيستاني المنعزل، والذي ولد في إيران، افضل واعقل واهم سلطة في البلاد، ويتمنون له تحسن الصحة والعودة السريعة الميمونة.
وقد وصل السيد السيستاني الى لندن في أغسطس 6، والمتحدث باسمه ينفي تماماً ان يكون سبب السفر يتعلق بالقلق على سلامته الشخصية..
والسيستاني الذي بلغ من العمر عتيا، وتجاوز ال 73، يجري عملية في العين، وعملية
في الشرايين.

 

6) بصراحة: ألم تكن معركة النجف صراع على الحوزة؟
من يتعاطف مع السيد السيستاني في النجف يعاني حالياً. فالمدينة تقصف بشكل وحشي، بينما اختار المرجع الأعلى الذهاب الى لندن.. بالرغم من توفر إمكانيات العلاج في النجف ذاتها..وفي إيران الشيعية او لبنان.. بل ان بريطانيا، كما هو معلوم، من الدول المتحالفة التي قامت باحتلال البلاد.
  ومن المعروف ان قوات السيد مقتدى تتحارب بشكل دائم مع القوات البريطانية في مدن مثل البصرة والعمارة وغيرها.. وهكذا يؤدي اختيار السيد السيستاني لبريطانيا للكثير من التساؤلات.. حتى في مدن الجنوب والنجف ذاتها، وهي مدن غالباً ما تضحي بالغالي والنفيس والحياة ذاتها حين يطالبها المرجع بذلك..
حتى أوائل آب اللهاب جداً عام
2004.. كان السيستاني وعمره 73 عاماً الشخصية الأكثر شعبية في البلاد وفق جميع استطلاعات الرأي.. وكان اي انتقاد مثل هذا الذي ذكرته أعلاه من رابع المستحيلات.. ولكن مع تعالى الأصوات القادحة، بدأ من يدافع عن السيستاني بالتحدث: قالوا ان الرجل كان مريضاً بالفعل، ثم همسوا انه كان رهينة في يد السيد مقتدى الصدر.. الشاب الذي أجج ثورة ضد الاحتلال..
صمت السيد السيستاني طوال هذه المدة قلل من شعبيته كثيراً.. بينما ازدادت شعبية مقتدى الصدر في بلاد غالبية سكانها تكره الاحتلال، وتؤمن بان ما يؤخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة..
موقع الصراع يدل على معناه.. فالسيد مقتدى يحارب في جامع ومرقد الأمام كرم الله وجهه، وهو موقع يجله شيعة العالم..هذا الموقع يدل على ان هدف حرب النجف صراع على الحوزة، المؤسسة التي تقود شيعة العالم. فهي تعلم الشباب، وتخرج "المجتهد" الذي قد يصل - بعد أعوام طويلة وتجارب عصيبة - الى مركز مثل ذلك الذي وصل له السيد السيستاني، ووالد مقتدى، الشهيد الصدر، رحمه الله وادخله رحاب جناته.
وقد يلاحظ البعض ان السيد السيستاني يعود للتأكيد على سلطته، وللرد على من ينتقدوه.. والرجل في الحقيقة لم يصرح بأي شيء لا في جانب مقتدى، ولا في جانب حكومة السيد علاوي.. الذي أرسل أحد موظفي السفارة في لندن لزيارة السيستاني في المستشفى صباح الأحد، ولم يُسمح له حتى بالدخول.. بل تلقى رسالة شفوية من أحد المقربين من السيد السيستاني تتمنى السلام للعراق، .. وللنجف خصوصاً.. مما قد يدل على ان السيد السيستاني غير راض عما يحدث..
ومن الواضح ان الولايات المتحدة برغم كل العنف حالياً، تحاول ان تتجنب ثورة في الجنوب مثل تلك التي تحدث في مناطق وسط البلاد..ولذلك فهم يفعلون المستحيل لارضاء السيستاني.. بل ان وقت الانتخابات تم تقريبه لارضاء الرجل.. وهم كذلك يفضلون السيستاني لانه يدعوا لفصل الحوزة عن الدولة.. مما يسمح بنوع معين من الحكومة العلمانية (وان كانت لها حدود اقل بكثير مما هو موجود في الدول الغربية)..
واخيراً، فالكل يعلم ان هناك جانب طبقى في الصراع بين السيستاني ومقتدى على الحوزة..فالمتعلم والتاجر غالباً ما يشجعان السيستاني.. بينما يشجع الفقراء، وضعاف التعليم خط مقتدى الوطني الصريح في حربه على الاحتلال. والأثرياء حالياً في النجف يودون ان تغادرها قوات السيد مقتدى بأسرع ما يمكن..

1- 9 2004 ( بعد اتفاق السلام بين السيد مقتدى الصدر والسيد السيستاني)

7) جيش المهدي يوقف عملياته العسكرية.. هل هناك اتفاق سري؟


أعلنت قوات جيش المهدي إيقاف عملياتها العسكرية في الجنوب.. احتفالاً بعودة السيد السيستاني وتكريماً له..
وهي تؤكد كذلك على احترامها التام للسيد السيستاني وخضوعها لمرجيعته..
وقد هاجمت الشرطة العراقية اكثر من مكتب للسيد مقتدى واعتقلت بعض العاملين فيها..هذا الصباح.
السؤال هنا: من الذي انتصر في المعركة.. من الغريب ان المعارك تنتهي ساعة وصول السيستاني، وكأنه أب يعود للبيت فتنتهي الخلافات بين الاخوة، ويسكتون جميعاً احتراماً له..
هذه كانت معركة دموية، مات فيها جنود أمريكان، وتم اختطاف صحفيين، وسفك فيها الكثير من الدم.. كيف تنتهي بمجرد عودة السيد السيستاني.. وهل مرجعيته تشمل حتى الجيش الأمريكي؟ ؟ ؟
وجيش المهدي في حال تنافس مع المرجعية، فكيف يعلن هذا الخضوع التام لها؟؟؟
هناك اتفاق خفي سري في الموضوع.. فقد قيل ان السيد السيستاني يجري اتصالات مع الشخصيات المتنفذة منذ أمس الأول..

8) السيد علاوي يسمح للجيش الامريكي بالبقاء في النجف..
ستبقى القوات الأمريكية في النجف والكوفة حتى تقدر القوى الأمنية العراقية على إنجاز مهام السيطرة على المدينة..بل ان السيد علاوي يطالبها بالبقاء في المدينة حالياً.. وهي قوات تحوي الدبابات والعربات المصفحة..
ومع ان اتفاق الصدر السيستاني يطالب بخروج القوات الأجنبية من النجف، الا انه لا يحدد وقتاً لذلك..
وقد نفت الولايات المتحدة ان تكون قد اتصلت بالسيد السيستاني خلال أقامته في لندن، مؤكدة ان الاتفاق فكرة عراقية..تمت بدون التشاور معها.
والولايات المتحدة ترجوا ان تكون ضربة النجف والاتفاق قد اضعفا من قدرة السيد مقتدى الصدر.. فهو قد اضطر لتوقيع أمر مكتوب بالانسحاب.
اما بالنسبة لدفع تعويضات للنجف على ما لحقها من دمار، فالولايات المتحدة ستصنع لجنة تقييم خلال الأسابيع القادمة..
وقد بدأت عمليات تبادل الأسرى التي تنص عليها اتفاقية السيستاني مقتدى.. جيش المهدي اخرج أقارب وزير الدفاع، مقابل استلام الشيخ سميسم..
 


9) نتائج فشل الدولة  في مواجهة النجف، 12 – 8 - 2004-

 

في يوم الجمعة 13 – 8 ، انسحبت القوات الامريكية من قلب مدينة النجف بعد ان اقتحمتها لبضع ساعات.. ولكن تداعيات اقتحام المدينة ستبقى مع الشعب العراقي  لزمن طويل..

على الجبهة السياسية، كانت معركة الدولة خاسرة منذ اللحظة الاولى. فوزيرا الداخلية والدفاع اختارا النجف لمعركتهما الاولى، وهي المدينة ذات الخصوصية الدينية التي يعتبرها الناس خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وكان لابد لهما من تبرير حربهما  في ذلك المكان.. قالا في المؤتمر الصحفي عصر الخميس 12 – 8  ان ما يحدث هو عملية دفاع عن الشعب العراقي، واعتبراه عملية "تطهير". تحدثا عن تدمير جيش المهدي للبنى التحتية العراقية، وعمليات اختطاف رجال الشرطة.. وكل هذا قد يكون صادقاً، ولكنه لا يجيب على السؤال:  عن استخدام القوة المفرطة، وقصف المدينة بالطائرات، وتهجير سكانها منها، للتعامل مع عصابات يفترض ان تكون اعدادها محدودة..

ثم توقفت العمليات صباح الجمعة، مما اضعف اي مصداقية للدولة، واخذ القليل المتبقي من هيبتها.. فالشخص الذي يقف على قمة السلطة لا يتكلم ثم يتراجع.. هذا خطأ في غاية السوء. فلو تحدثت الدولة ثانية، فلن يصدقها أحد..

ولذلك كان تعليق السيد مقتدى الصدر مساء الجمعة، حين ظهر لاول مرة امام العدسات، هو مطالبة الحكومة التي سماها المستبدة بالاستقالة.. والواقع ان الحكومة لم تكن مستبدة، ولكنها حاولت ان تبدو وكأنها كذلك.. فلو كانت مستبدة بالفعل، لقامت بعملية التطهير التي توعدت بها..

ولكن معركة النجف بقدر ما اضعفت من مصداقية الدولة اضعفت كذلك من مصداقية المرجعية..  فللمراقب الواعي، كان سفر السيد السيستاني بداية المعركة. وقال البعض ان سفره، وهو الذي لم يغادر منزله منذ 6 سنوات.. دلالة على انه معادي ضمنياً لتيار السيد الصدر. العذر الرسمي للسفر، العلاج من ازمة قلبية، يدفع قائد كتبية المارينز الحادية عشر، ديفد هولهان، للابتسام: "سفره يسمح لنا بفعل ما نريد... وهو كذلك ما تريده غالبية الناس هنا. هذه منطقة سياحية.. سكانها يريدون توفر الأمن." وهكذا قلت ثقة الكثير من الناس بمرجعية السيد السستاني لما بدا وكأنه محاولة تهرب من صعوبة الموقف.

ومن الممكن القول هنا ان الدولة عرفت بتوقيت سفر السيد السيستاني، ونظمت الهجوم ليتزامن مع ذلك التوقيت.. قبلها ببعض ايام، اتخذت وزارة الاعلام قرارها السيء الصيت باغلاق مكتب الجزيرة، الذي يدل على انهم لم يريدوا تكرار تدخل الاعلام في النجف كما حدث في الفلوجة سابقاً... كل شيء كان مرتباً كما هو واضح، فلماذا توقفوا؟

ربما كانت ردة الفعل من عامة الناس والاعلام العربي شديدة للغاية.. الجزيرة الغاضبة تعمدت هذه المرة تصوير الدولة بأبشع صورة.. ولم تقدم انتقاداً واحداً ولا ضمنياً لجيش المهدي.. ولم تسمح لوجهة نظر الدولة بالنفاذ الى الناس.

في نهاية المطاف، يمكن القول ان احداث النجف أضعفت السلطة الدينية للسيد السيستاني بقدر ما قللت من هيبة الدولة العراقية الجديدة.

نختم هنا بتسائل: فيا ترى، لو كان الرئيس بوش يعرف ان قواته بعد اكثر من عام على الاحتلال ستحارب في مقبرة النجف، ترى هل كان سيدخل هذه الحرب؟

10) بيع السلاح في مدينة الصدر.. 19 – 9 - 2004

زار السيد حازم لفتة وهو من أعضاء جيش المهدي، زار محطة الشرطة في مدينة الصدر متسائلاً عن سعر 15 قاذفة، والكثير من الذخيرة.. هو ومئات جاءوا رداً على دعوة السيد مقتدى لتسليم الأسلحة الثقيلة مقابل تعويض مادي .. حتى يتحول جيش المهدي لقوة سياسية فعالة .. يقول: "الهدف هو ان يكون لنا دور قوي فعال في الانتخابات، وان نصير معارضة سلمية ." ومثل غيره ممن ذهبوا للاستفسار، عاد الى المنزل متردداً بشأن القرار الصعب بالتخلي عن السلاح..

اللجنة المسئولة عن الأسعار غير قادرة هي الأخرى على تحديدها.. وقلة قليلة وافقت على التخلي عن سلاحها مقابل "وصل استلام". البعض ضغط لمعرفة سعر السلاح والذخيرة العسكرية، التي تم نهب معظمها من مراكز الجيش بعد غزو 2003 .

بعض النساء انضممن للمجموعة.. متسائلات بأسم أقارب خشوا الحضور.

وفكرة التخلي عن السلاح ، التي دعي لها بعض المنتمين للتيار الصدري، والتي تعتبرها الدولة حلاً مثالياً لمشاكل المدن المسلحة، تظهر مصاعب جلب الأمن لمدن تتفاخر الأسر فيها بما لديها منه.

قدمت الدولة لسكان مدينة الصدر خمسة أيام لتسليم ما لديهم .. ستقوم الشرطة بعدها بالتفتيش بيتاً بيتاً للتأكد ان المدينة خالية من السلاح.. ولكن الغالبية تقول انها اعتقدت ان عملية بيع السلاح اختيارية.. وهي فكرة أكدتها قيادات صدرية صباح الأحد.. الكثير أكدوا انهم سيحتفظون بالسلاح الخفيف، الضروري للدفاع عن النفس.

وقالت القيادات الصدرية انها تتوقع من الدولة مقابل تسليم السلاح الإفراج عن الأسرى والمساجين..

وبالرغم من الخلاقات، فان فكرة بيع السلاح خففت التوتر في مدينة الصدر، والسكان سعداء بان مدينتهم لم تتعرض لاي قصف أكثر من ليلة ...

 


ضابط أمريكي: المعركة مع جيش المهدي لم تنتهي بعد.. (11


يقول ضابط أمريكي كبير ان المعركة مع قوات الصدر لم تنتهي بعد.. فمن الضروري احتلال مدينة الصدر، والسيطرة عليها، وطرد جيش المهدي منها..
الميجر جنرال بيتر كايرلي، قائد الكتيبة الاولى
FIRST CAVARY DIVISION المسئولة عن مدينة الصدر صرح لاسوشيتد برس : ان الهجوم السريع المباغت ضروري قبل ان يعيد السيد مقتدى بناء قواته من جديد.. "مقتدى يعيد تسليح وتأهيل جيشه بعد ان أوشك على الانهيار.. ولن نسمح له بذلك."

ولم ي
هاجم جيش المهدي قوات التحالف منذ اتفاق النجف.. ولم يظهر السيد مقتدى أمام شاشات التلفاز خلال الأيام الماضية كذلك.. الأمريكان يدعون انهم قتلوا الآلاف من قوات المهدي.. ولكنها في الحقيقة تبقى مسيطرة تماماً على النصف الشمالي من مدينة الصدر، وهي منطقة مكتظة بالمدنيين الذين يسكنون أزقة صغيرة ممتلئة بالفخاخ والقنابل.. يقول الضابط ان قواته ستحاول السيطرة على مدينة الصدر قبل ان تستعيد جماعات جيش المهدي فعاليتها. والسيطرة على مدينة الصدر ستتطلب بضعة أسابيع.. وان لم يحدد الضابط الأمريكي الوقت الذي تبدأ فيه المعركة.. "لابد ان نجعل مدينة الصدر آمنة لأهلها.. سنحاول تقديم الضمانات الضرورية لقوات المهدي مقابل إلقاء السلاح.. فطالما بقت قوة مسلحة في البلاد لا تستمع لأوامر الدولة، سيبقى الوضع سيئاً"..
صباح الخميس، استخدمت القوات الأمريكية المدرعات للدخول الى المدينة، وطلبوا بمكبرات الصوت من أهلها التخلي عن الأسلحة الثقيلة .. "لابد لجميع شباب جيش المهدي من تقديم سلاحهم بسرعة.. بدءاً من صباح الجمعة.." وتم تحويل ملعب كرة القدم الكبير لمكان يتم تسليم الأسلحة فيه.
وقد حذر الضابط الأمريكي بان الهجوم على النجف توقف احتراماً لقداسة الموقع.. ولكن ليس لمدينة الصدر اي قدسية تمنع الهجوم من الاستمرار حتى النهاية .. "نحن على أهبة الاستعداد.. فمدينة الصدر ليست النجف."
ولكن مدينة الصدر تحوي أعدادا كبيرة من المدنيين. والبعض يدعي ان شعبية الصدر تتزايد كلما اشتدت حدة الهجوم الأمريكي على قواته.. ومن المؤكد ان الكثير من هذه القوات قد عادت سالمة بسلاحها الى مدينة الصدر.. يقول كياريلي ان شباب المهدي قد لغموا المنطقة شمال مدينة الصدر بشكل تام.. "هناك الكثير جداً من الألغام .. لا أحد يعرف عددها.. ولكن لابد من التخلص منها".. وقد اكتشفت القوات الأمريكية وفككت 82 قنبلة في مدينة الصدر الشهر الماضي.. وهم الآن يحاولون تأمين المناطق الخطرة. ولكنهم لا يستطيعون دخولها الا بالمدرعات والدبابات.. وقد تم إيقاف وظائف 15 ألف عامل كانوا يسعون لاصلاح الكهرباء والماء في المدينة حتى يستتب الوضع الأمني فيها..
والسيد كايريلي غير راض البتة عن الاتفاق الأخير، الذي يتطلب خروج القوات الأمريكية من المدن.. "هذا الاتفاق سيتيح لعدد قليل جداً من الأفراد المسلحين بشكل ممتاز السيطرة على المدن، وإرهاب سكانها..

12- بينما يعود الأحياء الى النجف، يضطر الموتى للانتظار...

 

فمقبرة وادي السلام تحوي الغام وقنابل لم تتفجر ومخابئ اسلحة تجعل عملية الدفن خطرة على الاحياء..

وهذه المقبرة التي تحوي حوالي 2 مليون جثمان ، بطرقها الوعرة، ودروبها التي يؤدي كل منها الى آخر في دوامات يتوه فيها المرء، كانت ساحة معركة شرسة، دارت رحاها بين القوات المهدي ، والجيش الامريكي..

وقد بدأت محاولات تطهير المدينة وخصوصاً الشوارع المؤدية لضريح الامام، كرم الله وجهه.. بجوار الضريح، يتجمع عدد كبير من سكان المدينة – البالغ عددهم حوالي 600 الف نسمة - ممن دُمرت منازلهم حول عربات الصليب الاحمر التي قدمت وجبات طعام للناس..

محاولات الوصول للجثث ودفنها تستمر كذلك.. يتم استخراج جثث شباب جيش المهدي ، رحمهم الله، التي دفنت بسرعة اثناء القتال، في مقابر قريبة من سطح الارض، وتوضع كل جثة في كيس اسود، وتنقل للدفن في الاطراف البعيدة للمقبرة.. ولكن من يريد الدفن في منطقة قريبة من الضريح يواجه مصاعب الافخاخ والقنابل.. ومحاولة التعامل معها لم تبدأ بعد..

يشتكي حفار القبور من صعوبة وخطورة السير في بعض مناطق المقبرة.. غالبيتهم يرفضون المغامرة بالدخول للمناطق التي دار فيها القتال.. ومن يخاطر يطلب تقليل عدد من يحضرون مراسم الدفن..

ممثل لجيش المهدي اكد ان القنابل التي لم تتفجر القاها الامريكان.. ونفى تماماً ان تكون قوات السيد مقتدى  قد لغمت المقبرة.. ولكن بعض الشباب الذين اشتركوا في القتال يقدمون صورة مغايرة.. هم يؤكدون ان 200 – 300 مجاهد احبطوا محاولات الاف الامريكان للاحاطة بالضريح من كل جانب.. ولذلك كان لابد من التفخيخ، ولابد من استخدام قاذفات الصواريخ التي تركت قنابل لم تتفجر..

مدير شرطة النجف عبر عن حزنه العميق لان بعض القبور تم تفخيخها..

وليس لقوات الشرطة القدرة على تطهير المقبرة .. ولابد من طلب مساعدة المختصين بتفكيك الالغام من بغداد، وجميع ارجاء البلاد.. الميت يستطيع الانتظار.. فالهم الاكبر اليوم هو تطهير المدينة بحيث يقدر الاحياء على التجول فيها..

..


13-خطار مدينة الصدر
لا يوجد في مدينة الصدر ضريح ومقبرة عريقة ومواقع لها قيمة تاريخية تشد اهتمام العالم المتحضر.. هنا يعيش الكثير من الناس، حوالي 2 مليون نسمة، غالبيتهم من الشيعة، في بيوت صغيرة متواضعة متلاصقة .. الشوارع قذرة.. قطع كلينكس وورق جرائد على الأرض..المجاري تطفح في بعض المناطق والروائح تزكم الأنوف..والماء الذي يسري في الأنابيب ليس افضل بكثير.. الناس يشتكون من طغيان صدام، وكذلك من تجاهل النظام الحالي لاحتياجاتهم التي كان النظام السابق افضل في تحقيق بعضها.....
قطع أقمشة سوداء تتدلى من النوافذ أول ما شاهدته في مدينة الصدر.. وعلى كل قطعة أسماء من قتلوا في حرب النجف الأخيرة.. قرأت على قطعة قماش رثاء لشاب استشهد وهو "يدافع عن وطنه". بعض الأقمشة تحوي صور الشهيد.. شاهدت بعض الأقمشة وعليها 3 أسماء.. وبجوارها صورة للعلم العراقي.. وكلمات عن القوات الأمريكية الغازية.. غالبية الشهداء شبان صغار، فقراء، بلا وظائف، انظموا الى جيش المهدي، ربما في محاولة للتحكم في مسار حياة تجرفهم لا يعرفون الى أين.. ولكن هناك أفرادا ذهبوا بين الضحايا لم يكن لهم في الصراع ناقة ولا حتى قطة .. مثل فتى في الرابعة عشر قُتل حين انفجرت قنبلة كان المفترض ان تتفجر في دورية للغزاة..
مجازر النجف أثرت في هذه المدينة.. المسماة باسم شهيد 1999. فقد خشت الدولة انتقامهم لما حدث في النجف.. ففرضت حضر التجول من الرابعة مساء حتى الثامنة صباحاً. ومع ذلك، فقوات الصدر تستمر في نشاطاتها الليلية ضد القوات الأمريكية.. شاهدتهم يشعلون النار في إطار عجلة، ويتركوه على قارعة الطريق حتى ذاب الإسفلت.. ثم وضعوا اللغم في الإسفلت.. وبعد بضع ساعات عاد الطريق كما كان.. وحين ستمر الدورية الأمريكية، سيفجر أحدهم اللغم من بعيد.. وان كان تلغيم الطريق سهلاً، فكيف سيمكن تطهير الأرض فيما بعد من جميع هذه الألغام؟
مثل باقي مدن العراق، تعاني مدينة الصدر من افتقاد الأمان.. فإطلاق النار قد يحدث في اي مكان وفي اي وقت..والناس تحاول الفرار بأطفالها من من حي لآخر..ولكن من يضمن ان المكان الجديد لن يتكرر فيه ما حدث في القديم؟ البعض يتمنى ان تتدخل الدولة.. لتفكيك الألغام..وفرض الأمن. البعض من شدة المعاناة يقول ان أيام صدام الشرير كانت اقل سوءاً من المعاناة الحالية.. على الأقل حينذاك لم يكن هدف الجميع الوصول للمال.. وكانت الدولة قادرة على تقديم الماء الصالح للشرب للناس..
البعض يكره الدولة والأمريكان وجيش المهدي .. وكل شيء.. اما ابو ثائر الكنعاني، ممثل جيش المهدي هنا، فيقول: كونا جيش المهدي بعد ان اشتدت حدة الجرائم من قتل وخطف ونهب.. وازدادت بشكل غير طبيعي استفزازات الجنود الأمريكان لنا، بل وحدثت أعمال إرهابية وتم تفجير سيارات مفخخة.. لذلك اضطررنا لتكوين هذا الجيش الشعبي لنجعل الحياة اقل سوءاً للناس في هذه المناطق"..
نظراً لسوء الأوضاع المعيشية هنا، وكثرة الألغام، وحضر التجول، ونقاط التفتيش المحيطة بكل طريق للدخول والخروج ، ووحشية الهجوم الأمريكي المتوقع على مدينة الصدر، صار الناس يسمونها مدينة الموت...

ب) بفارغ الصبر تنتظر مدينة الصدر 31 يناير..

 

بعد ان أثبتت قدراتها على الصمود خلال فترة حروب تواصلت لشهور مع الولايات المتحدة، قررت مدينة الصدر التفاؤل بالانتخابات وإعادة الأعمار. سكان المنطقة الشيعية الفقيرة سعداء لان صوتهم في يناير 30  سيؤثر في سياسات الدولة.

 

الدكاكين مزدحمة بالمشترين، والشوارع مكتظة بالعربات.  الزعاطيط يلعبون حول الأجهزة والأنابيب الجديدة التي يفترض ان تحل مشاكل الصرف الصحي..

العمال يرتدون ثياباً خضراء بهيجة، ويرصون الإسفلت لردم الحفر التي صنعتها مجموعات جيش المهدي لوضع الألغام لضرب القوات الأمريكية. رجال الدين تركوا الثياب العسكرية، وحروب الشوارع، وعادوا الى عملهم المفيد في الجوامع والمدارس.

الحياة اليومية لحوالي 2 و نصف مليون نسمة هم سكان مدينة الصدر لم تتغير منذ نهاية المعارك. ولكن الناس سعيدة متأملة خيراً لدرجة ان حقائب القمامة التي لا يجمعها أحد، والمياه الملوثة، لم تعد لها ذات الأهمية.

وبعكس المناطق السنية التي لا تزال ترثي ما حل بالفلوجة، يائسة من اي تحسن، تجد سكان مدينة الصدر يتوقعون الخير يوم الانتخابات. اللوحات على الحيطان تشجع الناس على الاشتراك في الانتخاب، الكتيبات التي تشرح التفاصيل والخطوات الضرورية يتم توزيعها على المنازل. تقبلت الناس حتى مرور بعض العربات الأمريكية السريعة عبر بعض المناطق.

شباب جيش المهدي، الذين واجهوا جيوش الولايات المتحدة في يوم لن تنساه بسرعة،  يحرسون المساكن وحتى مشاريع الأعمار التي تمولها الولايات المتحدة. بعضهم عثروا على وظائف بسيطة، مثل تنظيف الطرقات والبناء..

 

ولكن كل هذا لا يعني ان الناس راضية عن حكومة السيد د. علاوي او الأمريكان. على الحائط تجد الكتابة: "عراق للبيع، ان رغبت بالشراء اتصل بوكيل نجروبونتي، (...الاسم لا نذكره حسب قانون الرقابة الذاتية)."

 

قالت متحدثة مفوهة في لقاء العشائر لمناقشة إعادة أعمار مدينة الصدر: "جاء الأمريكان ليمسحوا العراق من الخريطة ، كما مسحوا الفلوجة. "

الشيخ كريم، وهو قائد ممن تزعموا اللجنة التي تفاوضت لإنهاء المعارك في أكتوبر، يشتكي لان السلطات نكثت بوعودها في الإفراج عن شباب جيش المهدي الذين قُبض عليهم خلال المعارك، واشتكى ان المشاريع التي وعد الأمريكان بها أهل المدينة لم يتم تنفيذها بعد.. هناك بوادر ومشاريع صغيرة بدأت، وهذا اقل من المفروض بكثير. ولا يوجد اي مسعى لتحسين الأحوال البيئية للناس .

ومع ذلك، فالمشاعر المعادية للولايات المتحدة تبقى هادئة طالما كان للناس أمل في الانتخابات، التي يتمنى الشيعة ان تنهي عهوداً عاشوها مع القمع.

 

وقد بُنيت مدينة الصدر في الخمسينيات، وغالبية سكانها من المناطق الفقيرة جنوب العراق.. والكثير من الناس يتطلعون للفقير بعين عنصرية، فيدعون ان غالبية سكان هذه المناطق من المجرمين.

ولمدينة الصدر طابع ريفي خاص.. تشاهد أحيانا قطعاناً من الخراف والماعز تجوب الشوارع. السكان هنا يميلون للمحافظة: يندر ان تشاهد الفتيات سافرات.

وقد عانت مدينة الصدر من شرور العصر الصدامي الكثير. فأجهزة المخابرات المجرمة كانت تراقب الناس وتكتب التقارير. وحاول نظام صدام بكل طريقة التحكم في عقائد الناس: فأعتقل رجال الدين، وحد من حريات العبادة، وتعرضت المدينة الفقيرة للكثير من عمليات الاعتقال الجماعي.

اجتمع حوالي 200 من شيوخ المناطق والشخصيات المرموقة يوم الخميس الماضي للاستماع لمتحدث قال: "هم قللوا من شأننا وهمشونا ل 14 قرناً." المتحدث ابو القاسم السعدي، المساعد المعروف للسيد إبراهيم الجعفري. يستطرد قائلاً: "اعتبرونا مواطنين درجة ثالثة لعصور. واليوم بدأنا نفهم أننا اقوى منهم.."

ومن الممكن جداً ان يصل الشيعة الفقراء في مدينة الصدر للنجاح المطلوب، ولكن الأحلام الوردية بأيام افضل لا تقلل من معاناة الحياة للكثير من السكان. فالأنسان لا يعيش بالأحلام فقط، بل يحتاج للخدمات الصحية والطعام والماء الصالح للشرب أيضا.

للسيد مرتضى أسرة تتكون من سبع أفراد ، والراتب التقاعدي لا يزيد عن 100 دولار، يدفع 40 منها للإيجار. وقد اضطر بعض الأولاد لترك المدرسة باكراً لمساعدته. يقول آخر العنقود، الطفل الشقي، يوسف: "الانتخابات شيء جيد وسينتج عنها حكومة افضل وتتحسن حياة الناس." فتضحك الأسرة لان الابن يبدو متفائلاً للغاية.

 

تلفت الانتباه كلمات: المناطق الفقيرة جنوب العراق.. ولماذا جنوب العراق فقير؟ مجرد ريع السياحة الدينية في مطلع القرن العشرين جلب لهذه المناطق الوظائف والخدمات. ولكنه تدخل الدولة في أمور المدن العراقية..

مدينة الصدر من المناطق الفقيرة التي عانت كثيراً في العصر المقبور.

وربما تجلب الانتخابات لهم خيراً.. وهي في نهاية المطاف انتخابات لمدة اقل من عام. ومع ذلك، فحين تضيق الدنيا بالإنسان، يحق له ان يحلم بغد افضل:

 

أعلل النفس بالآمال ارقبها  ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

 



14) أوضاع شيعة العراق في ظل الاحتلال.

 

يتوهم البعض ان الاحتلال ساعد الشيعة بالقضاء على النظام البائد.. والواقع هو ان الكثير من معاناة هذه الطائفة المسلمة طوال القرن العشرين في العراق نتجت عن سلوكيات الغرب وتدخله في شئون البلاد.  وقد كتب مسئول بريطاني بعد ثورة العشرين ما يلي: "ان للاجيال اللاحقة من ساسة العراق (السنة) ان يقدروا الجميل الذي يدينون به للبريطانيين في إنقاذهم من النجف (الشيعة)." (ص 127). باختصار، الخارطة السياسية للعراق تدخلت فيها بريطانيا، حيث دعمت الأقلية السنية على حساب الشيعة طوال النصف الأول من القرن العشرين. اما دور الولايات المتحدة، ودعمها لنظام صدام البائد طوال سنوات الثمانينيات في حربه مع إيران الشيعية، فمعروف. ودورها في دعم الحركة الوهابية وتحريكها طوال القرن العشرين ضد الشيعة مشهور كذلك.

 

وما الذي يدفع الفرد لتوقع انهم غيروا سياساتهم بين عشية وضحاها؟

 

عام 2004، تعرضت الكثير من الشخصيات الشيعية التي احبها عامة الناس، وعُرفت بوطنيتها ورفضها للاحتلال، للعنف، والقتل بالسيارات المفخخة.

 

في ظل الاحتلال، استشهد الأمام محمد باقر الحكيم في الجمعة اغسطس 29، 2003. وهو يخرج من جامع الامام علي، بعد صلاة الجمعة.. واستشهد معه حوالي 75 مصلياً. وان كان الشيعة يجتمعون على حب قائد لهم، لكان هذا الشهيد، رحمه الله وادخله رحاب جناته.  وقد كان للسيد محمد باقر الحكيم مواقف معروفة رافضة للاحتلال، وكان من الشخصيات المؤسسة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية. . وبالطبع لم يقبض بعد على المسئول عن هذه الجريمة النكراء، وان نفى صدام في شريط نُشر في حينه المسئولية، وألقى اللوم على القوات الغازية.

 

في ظل الاحتلال، أستشهد السيد عز الدين سليم، وكان رحمه الله من افضل القيادات الشيعية المعتدلة التي أحبتها عامة الناس في بلادنا، بتفجير عربة مفخخة، بعد ان تم إيقاف سيارته في نقطة تفتيش أمريكية في مدخل المنطقة الخضراء.

وحينها لمح احمد شلبي في تصريح معروف بان الرجل ما كان ليستشهد لو لم يعطلوه في نقطة التفتيش.

 

وقد تعرض السيد عبد العزيز الحكيم في ديسمبر 2004 لمحاولة اغتيال بسيارة مفخخة. كان يمكن ان تنجح..

 

في فبراير 10، 2004، اعلنت الولايات المتحدة انها كشفت من يرتكبون الجرائم بحق الشيعة. فقد عثروا في جهاز كمبيوتر صادروه في بغداد على رسالة حجمها 17 صفحة كتبها الزرقاوي مؤكداً على ضرورة صناعة حرب طائفية في العراق.. تقول الرسالة بهذا الشأن ما يلي: "الطريقة الوحيدة التي ستطيل امد المواجهة مع الولايات المتحدة في العراق هي صناعة حرب طائفية توقظ السني النائم."  وهي كلمة يمكن التشكك في ان يقولها الزرقاوي، ان صح وجوده. فاولا، من قال ان السني نائم؟ كل هذه المقاومة للاحتلال، وهو نائم؟ ربما يكون الهدف هو ان يُشغل بحرب طائفية فينام ويترك الاحتلال. فالحرب الطائفية لن تطيل أمد المواجهة مع الامريكي كما تدعي الرسالة، بل ستجعل أبناء البلاد ينشغلون ببعضهم بعضاً، ويتركون الاحتلال يسرح ويمرح في البلاد.. باختصار، بعض أفكار الرسالة المزعومة يمكن التشكيك في صدقها. فهي لا تتطابق حتى مع منهج القاعدة المعروف..

..

ولكن، لو تركنا التفجيرات جانباً، وتطلعنا لاوضاع الشيعة في البلاد، للاحظنا ان الولايات المتحدة سعت لاضعاف الشيعة وقمعهم...

 

في ظل الاحتلال، تم ضرب التيار الصدري، وحدثت عملية أغسطس في النجف.. وأوقفها السيد السيستاني بمسيرة مليونية انطلقت من البصرة.

والتيار الصدري لا يزال يعاني وبعض أعضائه استشهدوا تحت اسواط الجلادين في معتقلات العصر الديمقراطي..

 

كما تعرض التركمان ، وغالبيتهم من الشيعة، في تلعفر، للكثير من العنف.

 

ونظراً لهدوء الجنوب النسبي، كان من الممكن ان تنشط فيه عمليات إعادة الأعمار.. ولكن لم نشاهد شيئاً منها بعد.

 

اما الحلم بوصول من يمثل الشيعة للسلطة عن طريق الانتخابات، فمن الضروري تذكر ان هذه انتخابات لعام واحد فحسب.

وان اعز أصدقاء الولايات المتحدة ما يزالون يطبلون لارعاب الدول المجاورة من صناعة "هلال شيعي" يشكل خطراً على إسرائيل.

وربما سيسمحون لقيادات شيعية بالوصول للسلطة، ولكن في ظل اي ظروف عسيرة، واي معطيات؟ وكيف لحكومة منتخبة ان تنجح في التعامل مع كل هذه المصاعب التي صنعها الاحتلال؟

وهل مجرد وصول شخصيات شيعية للسلطة ان يغير العراق بين عشية وضحاها؟

وهل سيسمح الاحتلال لحكومة وطنية بالتصرف بحرية؟

باختصار، تجربة 2004 توضح انه لا يجدر بالشيعة ان يتوقعوا الكثير من الاحتلال.

ستبدي لك الايام ما كنت جاهلاً وياتيك بالأنباء من لم تزود

 

مصدر المعلومات التاريخية هنا هو كتاب: شيعة العراق، للسيد اسحق نقاش.. دار المدى، سوريا، 1994.. ص. 127