حوار بين اكلوب الكهرباء وشيشة النفط..

 

 

نشر الشيخ  حسن العذاري، وهو من الحلة، قصيدة عامية عنوانها "بين اكلوب الكهرباء وشيشة النفط" في جريدة بغداد،العدد 26،  بتاريخ 19 – 2 – 1932. والقصيدة تتناول التغيرات التي تنتجها العلوم في حياة الإنسان، فتقارن الإنارة الكهربائية بالمصباح النفطي...و لكن، وكما سنلاحظ، النص يندب ما وصل له حالنا حيث لم يعد اي من الخيارين متاحاً للشعب العراقي بعد مرور اكثر من 70 عاماً...

 

 والقصيدة مصنوعة على شكل حوار طريف بين الكلوب وشيشة النفط، يذكر كل منهما فيها مزاياه، وعيوب الآخر. يقول الشاعر في بداية القصيدة:

 

كلوب الكهرباء الشيشة النفطية يناديها يا غبرة اشجايبج ليه؟

ما تطلع لي ريحة ولا إلى دخان ولا تصبح ابنفطي أمسودة الحيطان.

 

والكلوب، وتعني المصباح، واصلها إنجليزي، globe، يسخر من القنينة النفطية التي يستخدمها الناس للإنارة. فيعايرها بأنها غبراء اللون، وان رائحتها تصيب الأطفال بالأمراض الصدرية.. كما ان لون الأرض والحائط يسود بسبب استخدامها. باختصار: القصيدة هنا تتناول قضية التلوث البيئي الذي تسببه القنينة النفطية. التي تستجيب للتحدي:

 

النفطية حجت هاجت مصيبتها وقامت من كُترها اتسيل دمعتها

يم الكهرباء والروح حمستها تكله يا مسودن الى المنية

نادت يا سفيه الرأي يا مجنون أهلي من حضرتك كل وكت يبكون.

اخذت فلوسهم من حيث لا يدرون وسبت الهم يخايب سيبة الحية..

 

تجيب القنينة النفطية ساخرة، والنفط يسيل من جوانبها كالدموع: الكهرباء تسكنها الروح، وهي يمكن ان تقتل من يسيء استخدامها.. ثم تستطرد مؤكدة ان الكهرباء تجلب معها الشركة والدولة، فتأخذ من الفقير ماله القليل. وتترك له الهموم..

 

وهذه القصيدة الطريفة قد تكون خير تعليق على أوضاع الكهرباء والوقود في بلادنا هذه الأيام.  ففي ذلك العصر، طالب الناس بالكهرباء، واعتبروا جلبه للمدن مما يحسب للدولة. وحين لم يجدوه استخدموا القنينة النفطية للإضاءة.. لكن وفي عراق 2004: كلا الخيارين غير متاح.

 

فالناس في موسم العيد تعيش بلا كهرباء وحتى الوقود الضروري لإضاءة القنينة النفطية يصعب العثور عليه.. وهكذا ينام الأطفال بلا تدفاة في هذا الشتاء البارد. طوابير طويلة قد تمتد لأميال تتوقف أمام محطات الوقود. حتى الشاحن – البديل الذي استخدمه الناس – لا يعمل بدون الوقود. بل ان زيت الطبخ صار العثور عليه صعباً وارتفع سعره عما ينبغي..

 

إنتاج الكهرباء اليوم اقل بنسبة 20 % مما كان عليه الحال قبل الحرب. واقل بنسبة الثلث مما كان عليه منذ بضعة شهور. بالرغم من 500 مليون دولار يفترض ان الولايات المتحدة ضختها من اجل إصلاح المحطات. لاكثر من شهر الآن، ينقطع التيار الكهربي لعشر ساعات ، ويعمل لساعة في بغداد.

وسعر الوقود في السوق السوداء في العراق الذي يفترض ان يصدر النفط أغلى منه في أوربا، التي تستورد النفط، وتضع عليه الضرائب الباهظة .

تتعجب الناس من هذا الحال. البعض يقول ان الولايات المتحدة تنتقم من الشعب العراقي لما حدث في السبعينيات حين أوقف تصدير النفط.. البعض يتذكر الأزمات في العصر الصدامي.. ربما يكون الهدف ان يُشغل الإنسان بهمومه الحياتية فلا يجد وقتاً للتفكير بما يحل به .

وبالطبع ، يتفق أبناء الرافدين على ان الفساد والعصابات المنظمة هي من يسبب هذه الأزمة. فأصحاب المحطات يبيعون النفط في السوق السوداء ، ويكسبون المال الحرام من معاناة الناس. الشرطة  تملأ عرباتها بدون انتظار، وتذهب فتبيعه في السوق السوداء، وتعود لتملأ العربة ثانية.

هناك من يقول ان من يُقبض عليه يبيع النفط في السوق السوداء هو المسكين الذي لا ينتمي لعصابات الجريمة المنظمة.

ومن الممارسات الشائعة كذلك ان رجل الشرطة يقبل رشوة بسيطة مقابل السماح لفرد بالوصول للمحطة بدون الانتظار في الطابور.

والدولة بالطبع تلوم التمرد.. ولكن التمرد كان موجوداً منذ عام ونصف. فلماذا اليوم فقط تصل الأزمة لهذه الدرجة من الضراوة؟

وقال البعض: ان الأزمة تتعلق بالانتخابات.. فقد تعهد السيد د. علاوي بتحسن الوضع، وبدأ بالتحسن أخيرا. مما يُقدم دعاية جيدة للحكومة التي تحاول مساعدة الشعب في أزماته.. وسخر البعض الآخر من الشمعة في دعايات مجموعة بعينها، وقالوا ان الشمعة هي الحل الذي تقدمه تلك القائمة لمشكلة الكهرباء. وصاروا يسموها قائمة الشمعة.

 

في قصيدة "بين أكلوب الكهرباء وشيشة النفط" يتحدث الشاعر عن الفساد، والطبقية.. فتقول الشيشة للكلوب انها كانت ستقدره لو قدم خدماته للجميع، بدلاً من ان يقدمها لبعض الأفراد، ويحرم غيرهم:

 

لكن شو تضوي الناس تحرم ناس أحمدك لو ضويت ابغير ربية

نادى الكهربائي ما إلى تقصير شغلي بالنزاكة واتبع التعمير

آنه وياج بخرابة ميصير آنه بالقصر وإنتي ابطينية..

 

تتهم القنينة النفطية الكلوب انه لا يأتي للمنازل بدون "روبية" – وهذه عملة هندية كانت شائعة في العراق حينذاك.. باختصار، الكهرباء حسب القصيدة تذهب لمن لديه المال ليدفع.. اما الفقير الذي يعيش في منزل من طين، فلابد له من القبول بشيشة النفط..

هكذا كان الحال في الزمن البريطاني، وربما يكون هذا هو الدرس الذي لابد ان يتعلمه الشعب العراقي في الزمن الأمريكي الجديد القديم الذي نعيشه.[i].

 

 



[i] المصدر:

Gas and electricity shortages enervate Iraq

 

By Colin McMahon
Chicago Tribune

January 16, 2005

عودة