لحظات الجد والهزل في الاجتماع الأول للجمعية الوطنية..

 

قبل 15 دقيقة من بداية الاجتماع الساعة الحادية عشر والنصف صباح الأربعاء، تعرض المبنى للقصف بالقذائف والصواريخ التي سقطت على بعد مئات الأمتار، وترددت أصدائها في القاعة.  وسرعان ما أحاطت القوات الأمريكية بالمكان، وحلقت أعلاه  طائرات الهليكوبتر. وحمت القوات الغربية المتحالفة المجلس العراقي المنتخب طوال جلسته الأولى.

وموقع الاجتماع كذلك صنع حاجزاُ نفسياً بين الحكومة وعامة الناس، التي تعتبر المنطقة الخضراء محمية أمريكية محتلة.

في الداخل بدء الاجتماع بطلب حماية اكثر قدرة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم. تلتها لحظات جد وهزل. والأخيرة تحدث بسبب خلافات بين السياسيين تتندر منها عامة الناس في البلاد. ولله در من شبه بعض السياسيين في العراق الحديث بالسكارى.  فهم يتصرفون بطريقة تبدو غير مدركة لمدى صعوبة الواقع المعاش لعامة الناس. مثلاً، هم لم يتفقوا على متحدث باسم المجلس، فاختاروا الأكبر سناً، الشيخ ضاري الفياض، وسنه 82 سنة، حفظه الله.

وقد حدث الهزل في توقيت يفترض ان يكون الأكثر جدية وإثارة للأشجان: حين ذكر الشيخ ضاري من ضحوا بأعمارهم في سبيل ان يختار الشعب حكومته.  تذكر بأسى: "الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الشعب العراقي" ومنهم، "ضحايا المقابر الجماعية والضحايا في شمال العراق." وفوراً صاح أحدهم به: "لا تقل شمال العراق، قل كردستان." اعتذر الشيخ الجليل، وقال: "كردستان." وهي لحظة هزلية تدل على عمق الخلافات التي سيبتلى بها المجلس . فالمفترض هو ان "كردستان" العراق هي المنطقة الواقعة شمال العراق، وان "شمال العراق" هو المنطقة الكردية المسماة "كردستان."  فلماذا الصياح والمطالبة باستبدال كلمة بأخرى؟  لحظة الهزل الحزين هذه توضح ان الحكومة الجديدة تتجاذبها تيارات متناحرة بين مطالب الأكراد بالمزيد من الاستقلالية، وضرورة المحافظة على وحدة البلاد.

للأكراد حوالي 70 صوتاً من أصل 275 مقعداً تحويها الجمعية. ولكنهم بعضهم تصرف أحيانا وكأنهم الأغلبية العظمى. فحين جاءت لحظة أداء القسم، بدأ الهزل مرة أخرى. فطالب أحدهم بان يكون القسم باللغتين العربية والكردية. وبدأ تناحر ما كان له داعي وليس منه طائلة. حتى السيد جلال طلباني حفظه الله تضايق من هذا الطلب. وقال بصراحة: "الكرد في المجلس يعرفون العربية، ولكن العرب لا يتقنون الكردية. لا يمكن ان تنطق كلمات القسم بلغة لا تعرفها." وهو هنا يتحدث بطريقة عقلانية لا غبار عليها.

حاول السيد د. أياد علاوي تذكير أعضاء المجلس بالمسئوليات الملقاة على عاتق كل منهم: "بينما نقف على بوابة الحرية والديمقراطية والكرامة، لابد ان نلاحظ متطلبات هذه المرحلة." ومن هذه المسئوليات: التعامل مع هموم الوضع الأمني الذي جسدته القنابل التي سقطت بجوار المبنى، وقضايا الأكراد، والسعي لأعمار البنى التحتية المنهارة، وعملية كتابة دستور دائم للبلاد.

ثياب العضوات الموقرات في المجلس قد تدل على الخلافات التي ستأتي مع قضية كتابة الدستور: فعددهن 79 ، منهن 11 سافرة، والباقيات بينهن من ترتدي الحجاب، والعبائة، وحتى الزي الكردي الجميل. وهل يا ترى ستتفق السافرة مع التي ترتدي العباءة بشأن قوانين الأحوال الشخصية؟ وهل ستتحالف العربية مع الكردية في تقديم الحلول لمعاناة جماعية للمرأة العراقية؟ هذا ما نتمناه. وعسى الرياح تأتي بما تشتهي السفن.

ومن المعروف ان الاجتماع الأول للمجلس تم في ظلال قاتمة لذكرى جريمة نظام صدام في حلبجة. ففي هذا الوقت عام 1988، قُتل 5000 من سكان المدينة العزيزة، رحمهم الله جميعاً وأدخلهم رحاب جناته. ومع ذلك، لم يتصرف السيد جلال طالباني بدافع حقد وكراهية تجاه سنة العراق البتة. بل وذكر من يتناسون ان عدد السنة في المجلس حوالي 20 عضواً فقط، ولاحظ ضرورة إدخالهم إلى العملية السياسية: "لن يتآلف العراق ويستقر بدون التصالح بين كافة أطياف وطوائف عامة الشعب العراقي." وهو هنا مرة أخرى يبدو صوتاً يجسد العقلانية والحكمة التي نتمنى ان تسود الجمعية. وكون السيد جلال طلباني يتحدث عن لم الشمل وينتقد الغلو في بعض مطالب الأكراد في هذا الوقت الحزين العصيب مما يحسب له بدون أدني شك.

وقد أكد السيد الجعفري في مؤتمر صحفي بعد نهاية الاجتماع ان الحكومة العراقية الجديدة ستبدأ العمل خلال أسبوعين. وان الخلافات الأساسية بشأن دور البشمرجة وقضية كركوك يتم الاتفاق بشأنها. الانتظار لبضعة أيام او أسابيع مقابل الوصول لحلول لمشاكل تراكمت لنصف قرن مفهوم وطبيعي.

وقد لاحظ السيد يونادام كنة، وهو أحد خمس شخصيات مسيحية وصلت الى المجلس، "ان شعب العراق لأول مرة يغير السلطة بدون انقلاب، او سفك دماء." والواقع ان عملية تغيير السلطة عن طريق صندوق الاقتراع قد حدثت أكثر من مرة قبل ثورة 1958. ولكن العودة للنظام الدستوري ظاهرة إيجابية.

وفي نهاية المطاف، كافح هذا الشعب لنصف قرن، وبذل الكثير من دماء أبناءه في سبيل الوصول لحكومة منتخبة. في عصر صدام، كان المجلس ألعوبة في يد الحاكم بأمره ابن أبيه. وعسى من يمثلون الشعب العراقي في الجمعية الوطنية اليوم ان يتذكروا ان الانتماء لها شرف ومسئولية، وان وظيفتهم مساعدة عامة الناس في هذا الزمن العصيب وتحقيق المصالح العليا للبلاد. وليس اقلها أهمية ان يخرجوا من الحماية الأمريكية: بعض القرارات والقوانين التي تعكس رغبات عامة الناس وتحقق احتياجاتها ستزيد من شعبية الحكومة وتجعلها لا تحتاج لحماية قوات العم سام.

 

albaraqmah@yahoo.com

 

عودة