معارك ثياب النساء في القرن العشرين:
من النقاب الى الكعب العالي
كيف ادى سفور سارة الى قتل الوالي..
من أطرف قصص الحب المأساوية في اوائل القرن العشرين قصة سارة، وحاكم بغداد العثماني، ناظم باشا، المعروف بانجازاته: اذ اعاد الامن للمدينة، وانشأ السد المعروف باسمه لحماية بغداد من الفيضان، وبنى مستشفى وحديقة عامة ورص بعض الشوارع، بل وعنى باصلاح السجون، وغيرها مما يحسب له خلال بضعة اعوام. ثم حدث ان السيد ناظم شاهد فتاة جميلة في ميعة الصبا في حفلة خيرية
– كانت اول الحفلات المختلطة في بغداد ذلك الزمان – عام 1910. وقد حاول تزويج الفتاة لاحد معاونيه، فرفضت. وانتهى الامر بان يطلب يدها، فرفضت ثانية. حاول الضغط عليها فارسل الحراس لمراقبتها. وسرعان ما استغلت بريطانيا حادثة تعلق الحاكم المصلح بالفتاة، وشنعت به. وانتشرت الاقاويل في بغداد وشاعت حتى وصلت الى الباب العالي، ففصل الرجل من وظيفته. ورحل الى بومبي، حيث هربت بريطانيا سارة. ذهب لزيارتها في النزل الذي تسكن فيه. ولكنها تجنبته. فترك لها رسالة حب. ورحل الى تركيا، وقُتل هناك. وقد شيعه الشاعر العراقي – جميل الزهاوي – بقصيدة ساخرة قاسية قال فيها:رام هتكاً لما تصون فتاة كسبت في امر العفاف اشتهارا
ايها المصلح الكبير هذا ما يسميه بعضهم اعمارا
سر بعيداً الى سلافيك عنا ان فيها كواعباً وابكارا
قسوة الابيات تعكس شدة محافظة البيئة البغدادية في ذلك العصر. فالوالي العثماني كان اصلاحياً، فعل لبغداد الكثير. ومع ذلك، فتعلقه بفتاة هو كل ما يبقى في ذاكرة الشاعر عنه.
يبدو لي ان هذه القصة المأساوية تشير الى عدم تعود الرجل الشرقي حينذاك على الاختلاط بالسافرات في الحفلات العامة. فها هو حاكم بغداد يتعلق بفتاة لا يعرفها حين شاهدها سافرة. واشتدت العاطفة حتى صارت حديثاً للعامة، فاستغلتها القوى المعادية، وخسر الرجل المنصب والحياة.
توضح هذه القصة ان النقاب صُنع اساساً لحماية الرجل الشرقي من فتنة النساء. بل ان الحفلة الخيرية التي التقى فيها
– ناظم باشا – بسارة كانت الاولى من نوعها. فالفتيات لم يظهرن سافرات في الحفلات العامة. وسفورهن في هذه الحفلة ادى لان تنشر جريدة الرقيب اكثر من مقالة ناقدة – عنوان احدها: "اجعل للسفاهة حداً."وقد دارت على صفحات الجرائد العربية الكثير من الحوارات الممتعة بشأن النقاب خلال النصف الاول من القرن العشرين. وقد يتوهم قاريء هذه الحوارات في عصرنا ان سيدات ذلك العصر كن جميعاً محجبات، مبرقعات. الا ان الواقع كان مخالفاً لهذه الصورة. فغالبية الفتيات عملن حينذاك مع اقاربهن في الحقول، او التجارة في المدن. ولم ترتدي أي فتاة عاملة البرقع. كما يلاحظ د. محمد حسين هيكل في روايته المعروفة، زينب، مناظر واخلاق ريفية، التي ظهرت طبعتها الاولى في عام 1914، الواقع هو ان فتيات الطبقة الارستقراطية والوسيطة فحسب غطين وجوههن:
لنا في العاملات السافرات لنعم العوض عن القصيات المتحجبات.. اليس في بنت الطبيعة العذبة المفتولة الجسم القوية ما يغنينا عن هاتيك المصونات في خدورهن.
من الواضح ان د. هيكل هنا يقارن بين الفتاة السافرة العاملة والمبرقعة، ويسخر من بطالة الاخيرة اذ يصفها ب"المصونة في خدرها"
– وهو وصف ينطبق على اميرات عصور مضت.وقد كان اول من طالب بالتخلص من النقاب في الشرق السيد قاسم امين. وهو يتحدث عنه في سياق النهضة بشئون المرأة عن طريق التعليم والعمل. ومن الممكن - ومما اشيع في ذلك الحين
– ان الشيخ محمد عبده – مفتى الديار المصرية – كان مصدر مقولة قاسم امين المعروفة ان الاسلام لا يوجب النقاب. في كتاب "تحرير المرأة" يطالب امين "بالامر الوسط والحجاب الشرعي .. كشف المرأة وجهها وكفيها لا اكثر." ولكن نشر الكتاب خلق الكثير من المتاعب لمؤلفه، مما ادى لوفاته الباكرة غماً وقهراً.وهكذا كان قاسم امين ضحية اخرى لقضية السفور، مثل السيد ناظم، حاكم بغداد.
واذاً، فمن الواضح ان غالبية النسوة العربيات لم يرتدن النقاب، بل وانه ليس من المتطلبات الشرعية. مما يطرح التساؤل بشأن الاسباب الحقيقية لهذا الحوار الذي سنتابعه في الصفحات القادمة.. بدءاً من معارك النقاب بين ملك حفني ناصف ومخالفيها في العشرينات، حتى مرحلة انتقاد د. نازك الملائكة ود. نوال السعداوي لظاهرة التبرج في الستينات والسبعينات.
ومن الواضح ان لقضية ثياب المرأة رمزية خاصة. فالرجال انتقلوا بسهولة ويسر من الطربوش التركي الى القبعة الافرنجية ، ومن الثياب الشرقية الى البنطال الغربي، بدون ان يثير الموضوع أي نقاش على صفحات الجرائد. اقترح ان الحوار بشأن الحجاب يجحب حقيقته لانه يتعلق بشؤون اخرى، مثل البحث عن الهوية، والحفاظ على الشرقية في عالم يتحكم به، بل ويستعمره، الغرب. النقاب كذلك يشير الى الصراعات الطبقية التي قامت بين الثري والفقير، في منطقة كان اغلبية اهلها منم الفقراء.
حوار رجالي بشأن نقاب النساء..
في الفترة ما بين 24 فبراير حتى 27 مايو، اكتظت صفحات الاهرام برسائل قراء يدلون بآرائهم بشأن قضايا الحجاب.. واستمرت الرسائل حتى اضطرت الاهرام لاقفال "باب المباحثة بين السفوريين والحجابيين في المرأة المصرية بعدما سرد كل فريق ما عنده من الحجج والبراهين." وقد نشرت الجريدة ما لا يقل عن 30 مقالاً لهؤلاء واولئك، وبقي لديها حوالي 100 رسالة اخرى لم تنشر. اما ميزة هذا الحوار الاساسية، فقد وصفتها السيدة ملك حفني ناصف
– باحثة البادية – حين قالت:يعجبني اهتمام الرجال بامرنا وامر امتهم، ولكني اعلم اننا لا نكاد نشعر بحاجاتهم ولا نتنبأ بما بين اضلعهم، فكيف بهم يبتون في مسائلنا الخاصة بت من شعر بالداء وعرف الدواء؟
وهذه ملاحظة مهمة للغاية: فما تقوله باحثة البادية هنا هو ان الرجال في الواقع هم من تحدث بشأن النقاب. وما هو أهم، تتسائل الكاتبة: بما ان النساء لا تقدرن على التنبؤ بما يحس به الرجل، فباي حق يبت الرجل في "مسائلنا الخاصة" وكأنه شخص الداء وعرف الدواء؟ باختصار، صارت ثياب النساء في حوارات الرجال رمزاً لاشياء اخرى ("امور امتهم") تتعلق بطموحات وطنية، وافكار قومية، واوضاع اقتصادية.
وقد لاحظت السيدة اقبال بركة ان صراع الشرق والغرب تجسد في اوائل القرن العشرين في اتجاهين هما "الافرنكة" و"الاتاتورك." وقد شمل هذا الصراع المرأة. فوجد بين الرجال من طالب الفتاة بالثورة على الحجاب التركي والتحرر، واعتبر السفور خطوة على طريق التحضر. بل ان القنصل الانجليزي
– اللورد كرومر – الف كتاباً بعنوان "مصر الحديثة" عام 1908 حمل فيه بشدة على المصريين، واعلن ان مصير مصر يعتمد على وضع المرأة المصرية: فان لم تتحسن اوضاعها، سيبقى المجتمع غير قادر على التطور. ومن المؤكد انه رسم في كتابه صورة اكثر قتامة لوضع المرأة مما هي عليه. فالفتاة المصرية كانت قد كونت نوادي تختص بامورها، واصدرت مجلات تعني بشئونها، كما كانت ستشترك في المظاهرات عام 1918. اما الاتجاه الاخر، الذي لاحظ وخشى بوادر التحرر التي تجاهلها كرومر، فاكد على ضرورة الحفاظ على اخلاقيات الحضارة الشرقية، واهمية الحجاب. والمفكر المحافظ في الواقع توهم ان المرأة ستسقط في الرذيلة لو تركت الغشاء الرقيق الشفاف الذي غطت به وجهها. تتسائل باحثة البادية بهذا الشأن: فاي الطريقين نسلك، ومن نتبع؟ اننا معشر النساء اصبحنا لا رأي لنا في انفسنا." وكأن صياغة الخلاف بهذه الطريقة تسرق من المرأة حقها الشخصي في اختيار النقاب، او السفور.اعتبر دعاة النقاب المحافظة عليه حفاظاً على القيم والمباديء العظيمة الموروثة. احد القراء ويدعى محمد رضا كتب في عدد الأهرام الصادر في يوم 2 ابريل ان:
العادات القديمة المتأصلة لا يتخلى عنها بمجرد دعوة او نصيحة او مقالة. وقد قال علماء الاجتماع ان من اراد حمل أمة على ترك عادة قديمة متأصلة بسرعة فقد رام محالاً.
القضية هنا اكبر من النقاب لانها تتعلق ب "عادات قديمة متأصلة" يتمسك بها الفرد في مواجهة مع غرب يقدم اساليب حياتية مغايرة. وقد لاحظ احد مناصري النقاب اسمه
– محمد طاهر المخزنجي – في عدد الاهرام ذاته ان الحجاب "يمثل الحد الفاصل بين الفضيلة والرذيلة"، مع انه يعرف ان غطاء الوجه لم يكن ابداً من متطلبات الشريعة الاسلامية. الفكرة الاساسية هي ان الفتاة الشرقية يجب ان تجسد الفضيلة. وهذا يفصل بينها وبين الفتاة الغربية، التي تتهم بضعف الاخلاق.ومن الضروري ملاحظة ان النقاب كان، في تلك المرحلة، احد انواع الرفاهية الباهظة التي لا تقدر على تكاليفها غالبية الفتيات اللواتي عملن في الزراعة والتجارة. فجل المنقبات كن من الطبقات الثرية، التي لا تحتاج بناتها للعمل. وقد بالغ احد معادي فكرة النقاب
– وهو حسين الرحال في العراق – اذ قال :الحجاب عادة دور الاقطاعيات وعادة الطبقة الارستقراطية. والنساء المتحجبات منسوبات اسر من انقاض الدور الاقطاعي والمتشبهات بهن. اما بنات الشعب الصميمات فلسن بمتحجبات ولا يمكن ان يتحجبن .. ان الحرم والحجاب ليس لهما وجود في طبقة الشعب وسيزولان عندما تسود طبقة الشعب.
من الواضح ان المفكر هنا يقترب من الفكر الشيوعي. اذ يرى في النقاب رمزاً للثراء والبطالة
– ويعتبره من "انقاض الدور الاقطاعي" ويؤكد انه سينتهي مع "سيادة طبقة الشعب"، وكأن الفتاة المنقبة لا تنتمي للشعب ذاته. وقد لاحظ احد المتحاورين في الاهرام المصرية – ويدعى حسن الشريف – ان فتيات الريف افضل اخلاقياً من بنات المدن ، مع انهن غير متحجبات : "لا اظن ان هناك من يدعي ان الفساد منتشر في القرى ونساؤها سافرات انتشاره في المدن ونساؤها مقنعات محجبات."وقد ادعت احدى المساهمات في هذا الحوار في الاهرام، وهي خنساء الريف (13 مايو) ان النقاب يمنع التقدم الاجتماعي: "كما هوجم الباستيل وكُسرت ابوابه في القرن الثامن عشر وخرج منه معتقلوا السياسة والصحافة والادب، يحب ان يُفتح الباب للمرأة." ومن المؤكد ان غالبية المنقبات كن سيدهشن من فكرة ان الحجاب الرقيق الشفاف الذي يرتدينه انما هو بوابةحديدة لابد من كسرها لتحريرهن. ولكن فكرة خنساء الريف الاساسية هي ان فرنسا تطورت بعد تحرر شعبها من سجن الباستيل، وان مصر ستتقدم لو تحررت المرأة. وقد رد احد لمحافظين من العراق، وهو السيد توفيق الفكيكي ، بان الامم
– مثل امبراطورية الرومان – لم تتقدم، بل انهارت "بسبب الحرية المطلقة النسائية." وان الدولة العباسية "لم يقرضها من خارطة الوجود الا ترف ملوكها بالجواري والحور الحسان من النساء " وقد تسائلت السيدة باحثة البادية بشأن ربط التطور او عدمه بالسفور اذ قالت:قد يكون حجابنا مؤخراً لنا بعض الشيء، ولكن لا يصح نسبة كل تأخر له، والا فان الامم الغربية كلها نساؤها سافرات ولماذا تجد احداهن راقية جداً والاخرى منحطة الى الدرك الاسفل؟
وهي هنا تذكر مرة اخرى ان السفور والنقاب قضية شخصية، وان التقدم يتعلق باتاحة التعليم للجنسين.
وقد لاحظ د. يونان لبيب رزق في تحليله القيم لحوارات النقاب والسفور في مصر خلال العشرينات ان من دعوا للسفور كتبوا باسماء مستعارة، بينما لم يخشى دعاة التحجب كتابة اسمائهم الحقيقة. "وهذا يدل على ان المناخ العام لم يكن مناصراً للسفوريين." والواقع هو ان بعض دعاة السفور واجهوا معارضة قاسية من المجتمع المحافظ الذي عاشوا فيه، مما اصابهم باذى حقيقي..
وقد كان من اوائل من كتبوا اسمائهم الحقيقية من دعاة السفور الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي حيث نشر في جريدة المؤيد المصرية عدد 6138 عام 1910 مقالة قال فيها: اجاز المسلمون ان يقسو الرجل فيطلق المرأة ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع راداً الى حضنها اطفالها الذي هم نتائج شهوته." ومن الواضح ان الزهاوي هنا انتقل بسرعة من النقاب الى مناقشة قضايا في صلب الدين. وهكذا، رد عليه الشيخ محمد النقشبندي بمقالة غاضبة عنوانها: "السيف البارق في عنق المارق." وطافت ببغداد المظاهرات الغاضبة مطالبة بطرد الزهاوي من وظيفته. ووافق والي بغداد، ناظم باشا، الذي ذكرناه في بداية هذه الدراسة، على الاقالة. وسائت الامور اكثر. اذ ادعى بعض الائمة ان ما قاله الزهاوي في الرسالة مروق على الدين. فخشى على حياته. وانكر انه كتب المقالة، مدعياً انها دست عليه. وطالب الدولة بتعليم الناس "لئلا تمتد ايديهم في المستقبل الى منكود آخر مثلي قد تمنى في كل كتاباته اصلاحاً للأمة."
تمسك المجتمع بالنقاب لهذه الدرجة يوضح مرة اخرى انه كان، لغالبية الناس، رمزاً للتراث الشرقي الذي عاشوا فيه لاجيال. وقد حدثت منازلة شعرية بين الشاعر العراقي
– معروف الرصافي – والحاج عبد الحسين الازري – عام 1922 اوضحت ارتباط النقاب بقضايا وطنية. قال معروف الرصافي:لقد غمطوا حق النساء فشددوا عليهن الا خرجت بغطاء
الم ترهم امسوا عبيداً لأنهم على الذل شبوا في حجور اماء
أقول لأهل الشرق قول مؤنب وان كان قولي مسخط السفهاء
الا ان داء الشرق من كبريائه فبعداً لهم في الشرق من كبراء
وأقبح جهل في بني الشرق أنهم يسمون أهل الجهل بالعلماء
اما الحاج عبد الحسين الازري فيقول في قصيدته:
اكريمة الزوراء لا يذهب بك النهج المخالف بيئة الزوراء
حصروا علاجك بالسفور وما دروا ان الذي حصروه عين الداء
اسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح الماء
وحديقة الثمر الجني ترصدي عبث اللصوص بليلة ليلاء
وهاتين القصيدتين توضحان ان قضية النقاب تتعلق بقضايا وطنية وقومية. فالشاعر الكبير الرصافي يقول ان الطفل يصير اقرب للعبيد ان كانت والدته من الاماء. وهو يعرف انه سيتعرض للانتقاد لما يقوله بشأن الحجاب، ويتهم سلفاً من سيهاجموه بالجهل. اما السيد الازري فيشبه البنت بالوطن، ويحذر من عبث اللصوص بالحديقة في "ليلة ليلاء." وهو ايضاً يقول ان السفور هو عين الداء، لا الدواء.. هو هنا باختصار يتحدث عن الاستعمار، حتى ان لم يدرك ذلك
ومن الجدير بالذكر هنا ان البعض اتهم دعاة السفور بانهم يسعون وراء اللذة والشهوات. محمد رشيد من العراق اتهمهم بانهم: "يحبون التمتع والتلذذ بمحاسن النساء وكلما زاد السفور والتبرج زاد استلذاذهم وحصل مقصدهم." وربما كان ذلك ايضاً مما يلمح له الحاج عبد الحسين الازري في قصيدته حين يتحدث عن عبث اللصوص.
وان كان الشعر يلمح، فقد اوضح السيد جميل المدرس بصراحة في جريدة المفيد عدد 239 ، عام 1924، انه يعتبر الانحطاط الاخلاقي الذي يراه في عصره من نتاج الاستعمار. "انظر قليلاً الى الاخلاق والعفة التي كانت موجودة عند البنت العراقية قبل الاحتلال وبعده." وهو هنا يشتكي ان النقاب صار "ارق من هواء النسيم"، وان النساء صرن يرتدين عباءة واحدة فحسب في الشارع!! المرأة فقدت اخلاقها الطيبة بعد الاستعمار ، وبسببه. الحفاظ على النقاب صار تعويضاً بشكل ما في الحوار الرجولي عن فقدان الوطن والاستقلال. النقاب هو كل ما يبقى من عصر افضل، كان الوطن فيه حراً، والفتاة منقبة.
لاحظنا اذاً ان حوارات النقاب كانت في الغالب افكار رجولية عن المرأة في الثلاثين عاماً الاولى من القرن العشرين. للنقاب قيم رمزية في هذه الحوارات، أي انه اكثر من مجرد غشاء يغطي الوجه. فهو يدل على تراث قديم عريق. وهذا الاسقاط ادى بالكثير من الافراد للدفاع عن النقاب حين بدا واضحاً ان قلة من فتيات الاسر الثرية فقط ارتدينه. ربما، من اجل معرفة الصورة بشكل مغاير، بعيد عن الرمزية التي تميز الفكر الرجولي، لابد من الاطلاع على ما قالته النساء العربيات بشأن النقاب. سندرس في القسم التالي من هذه الدراسة ما كتبته بعض المفكرات
– مثل ملك حفني ناصف، نازك الملائكة، ود. نوال السعداوي، عن النقاب، وثياب المرأة عموماً، في النصف الثاني من القرن العشرين.ما قالته بعض اديبات القرن العشرين عن ثياب المرأة.
برغم قوة الفرق المحافظة، ومحاولتها لزج الدين والاخلاق والسياسة في موضوع النقاب، الا ان المعركة بائت بفشل ذريع. فقد شجعت الدول العربية فكرة تعلم البنت، وعملها. ولم يكن من السهولة بمكان ان تعمل الفتاة، بدون اظهار وجهها.
ولكن تاثيرات ذلك الحوار الثقافي يبقى حتى الستينات والسبعينات. فقد تاثرت كاتبات القرن العشرين بما قران في اوائله، وبالجو الفكري العام الذي عارض السفور. بل ومن الملاحظ ان النساء كن اميل للمحافظة من بعض الرجال ودعاة التفرنج. وكل كاتبة تناولت الموضوع ادركت بشكل ما انتمائها للشرق، وحاولت ان تجسد ثياب المرأة الشرقية هذا الانتماء.
نلاحظ في اقوال السيدة ملك حفني ناصف ادراكها الباكر ان النقاب، والثياب عموماً، اكثر من خيار شخصي. الثوب حل وسيط بين شخصية الفرد وعقائده، والقيم الاجتماعية السائدة. السيدة ملك تحاول مثلاً توضيح فكرة ان السفور في عصرها يمثل محاكاة للنمط الغربي. هي في الفقرة التالية توضح ادراكها لما نسميه اليوم "التبعية الثقافية" للغرب، وتحاول حث المتحاورين البحث عن ثياب تحفظ خصوصية الشرق الثقافية:
فاننا لو سلمنا بما يقترحه الكتاب من ضرورة تقليد الغربيين في أمور معاشنا وزي بلادنا مما قد لا يوافق روح الشرق فاننا نندمج فيهم ونفقد قوميتنا بمرور الزمن، وهذا هو ناموس الكون اذ يفنى الضعيف في القوي. وانه لمن العار ان نترك هذا الأمر يجري مجراه. فأدعوا الكتاب والباحثين للتفكير فيه وفي ايجاد مدنية خاصة بالشرق تلائم عرائزه وطبائع بلاده، ولا تعوقنا عن جني ثمار التمدين الحديث.
تنبه السيدة ملك هنا ان الضعيف اذ يخضع للقوى ياخذ ثقافته ايضاً. وان استعارة الثياب قد تؤدي لاستعارة ثقافة تامة مخالفة لثقافة الشعب.
وقد اوضحت السيدة ملك في فقرات مثل هذه ان قضية الحجاب اكثر من خيار شخصي.. وهي تقول عدة مرات ان الحجاب سيذهب حين تتحسن الاوضاع الثقافية والاجتماعية للمجتمع الشرقي.
مسالة الحجاب لن تنضج الا متى تربى جمهور النساء وصار على درجة من العلم مرضية.. نحن نعلم ان هذا الحجاب لن يدوم ولكن ليس هذا اوان السفور، لاننا غير مستعدات له، ونفوسنا ركب فيها ان تتنقب ونفوسكم لا تصلح الان لاستقبال هذا السفور بالرضاء.
وهي هنا توضح ان قضية النقاب ترتبط بالواقع النفسي للمجتمع. فان كانت نسوة الطبقة الوسيطة والثرية غير مستعدات للتخلص منه، فذلك يعني ان الرجال كذلك لن يتقبلوا السفور بسهولة. وقد اثبت التاريخ صحة رؤية السيدة ملك هنا: فاول من سعين للسفور واجهن الكثير من المصاعب. وقد اشتكت السيدة هدى الشعراوي مما حدث حين قررت مع بعض رفيقاتها الخروج سافرات: اذ تعرضن للانتقاد في الجرائد والمجلات. كما ضايقهم الرجال في الشارع : "كلما خرجنا سافرات الى الطريق اشار الينا الناس وتهامسوا حولنا. وضحك بعضهم هازئاً وشتم البعض الاخر." يبدو واضحاً هنا ان المجتمع لم يكن مستعداً لتقبل السفور. وان الحوار الرجولي بشأن الدعوة للتخلص من الحجاب لم يكن معبراً عن رأي الغالبية العظمى من الناس.
والواقع ان غالبية من كتبن بشأن ثياب المرأة بعد ذلك تاثرن كثيراً بافكار ملك.. وكانت افكارهن اقرب للمحافظة ايضاً من افكارها. وربما يكون السبب الاساسي هو ان التعلم صار متاحاً لاعداد اكبر من النساء، وانتهى بسرعة موضوع النقاب بحيث صار الحديث الاساسي الان عن الخوف من المبالغة في التبرج. حتى صار الحوار النسائي في هذه المرحلة قريباً جداً من الحوار الرجالي المحافظ في اوائل القرن.
ومن الضروري تذكر ان المدافعات عن قضايا المرأة في الغرب كذلك طالبن في مرحلة تاريخية معينة بان تبتعد المرأة عن الاعتناء المظهر، وان تحاول، بدلاً من ذلك، الاهتمام بالتعلم. ولعل اول كاتبة بريطانية تحدثت عن قضايا المرأة
– وهي ماري ولستنكرافت، في عام 1790، توضح في كتابها دفاعاً عن حقوق المرأة، هذه النزعة التي لا تزال موجودة بين بعض المفكرات حتى الساعة:يقول روسو: "علموا المرأة كالرجل، وكلما صارت مثلنا، قلت سطوتها علينا." وهذا هو ما اريده. فانا لا اريد لهن السيطرة على الرجال، بل على نفوسهن.
ما هذه السطوة الا قوة غير شرعية يمتلكنها عن طريق امتهان النفس، واذا لم يتحررن من قوة الجمال
ما تقوله ولستنكرافت، وهي بالمناسبة والدة ماري شيلي، مؤلفة رواية فرانكنشتاين المعروفة، هو ان الجمال لن يقدم للمرأة مستقبلاً مأموناً. القوة التي يقدمها جمال المظهر "غير شرعية"، وتمضي بسرعة. والواقع ان افكار ولستنكرافت هذه تبقى حيوية ومؤثرة على فكر مجموعة لا يستهان بها من دعاة تحرر المرأة. وان هذه الفكرة من أسس الفكر الداعي لتحرر المرأة العربية في القرن العشرين، كما بقت مؤثرة في الفكر الغربي حتى الثمانينات من القرن العشرين.
وقد القت د. نازك الملائكة عام 1968 محاضرة عامة في جامعة البصرة بعنوان "مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية." وهي تحاول في هذه المحاضرة سبر المعاني الفلسفية لاهتمام المرأة الشرقية بالمظهر. في البداية، تؤكد ان التراث الشرقي دوماً اهتم بمظهر الفتاة اكثر من فكرها:
لقد تركت الشخصيات النسوية في كتاب (الف ليلة وليلة) نموذجاً سيئاً للمرأة العربية، هو نموذج الجارية التي لا يهمها الا ثيابها ولا ترى في نفسها اكثر من متعة للرجل. تعيش بغرائزها وعليها ان تكون جميلة وان تسلى الرجل تسلية سطحية عابرة وتطهو له الطعام السائغ.
ونازك تلاحظ هنا ان الفتاة العربية
– بالرغم من تعلمها ودخولها ميادين العمل المختلفة - بقت تعني بمظهرها اكثر من الاوربية. وهي هنا تحلل بعض مجلات المرأة، وتلاحظ بمرارة شدة اهتمام هذه المجلات بالثياب، الاحذية والحقائب. وهي تشتكي ان فتاة جيل الستينات لم تنمي "افكارها بالعلم والمعرفة" بقدر ما لجئت الى "التبرج والتغنج والملابس القصيرة الضيقة التي تبرز اعضاء الجسم كما تبرز اجسام الجواري في سوق النخاسين." (495) ونازك تشعر ان الاهتمام بالمظهر، اولاً، يكلف الفتاة الكثير من الوقت، الذي كان يجدر بها قضاؤه في شئون اخرى، مثل القراءة والكتابة، او معاونة اسرتها، وغيرها. وهي ايضاً تلاحظ ان بعض مستلزمات الجمال المصنوعة، مثل الكعب العالي، قد لا تكون صحية.ومن اهم افكار المحاضرة المقارنة بين الجمال والاناقة. فالجمال "ملك للوردة والفراشة"، وهو بالمثل ملك لكل "فتاة دون ان تضيع وقتها في اسواق الملابس. " (495) اما الاناقة، فتتطلب انفاق الكثير من المال. وقد تدل على شعور بالنقص. تقول نازك:
التأنق يقوم بدءاً على الاقرار بان المرأة لا تملك جمالاً وانما هي ناقصة وعليها ان تصنع الجمال صنعاً لتجذب عيون الرجل. التأنق نقص والجمال فيض. (496)
تلاحظ الكاتبة هنا ان التأنق اقرب للطبقية من الجمال. فهو يتطلب الكثير من المال الذي يمكن انفاقه على اشياء اخرى. ومن المتوقع ان تفضل فتاة انفاق ما لديها من مال قليل على المساحيق والثياب، بدلاً من ان تشتري كتاباً، خصوصاً وان مجلات المرأة تدفعها في هذا السبيل. ولكن الرجل ايضاً "مسؤول عن ذلك كله." فالرجل الشرقي لا يزال يريد الفتاة "الضعيفة الذهن المثقلة بالزينة المصطنعة." (507)
وقد تحدثت نازك اخيراً عن البعد القومي للموضوع. فغالبية الثياب الانيقة ومستلزمات الجمال من جلود الاحذية الى المساحيق كانت تستورد من الخارج. مما يكلف اقتصاد الدول العربية الكثير. هذه الثياب تتغير حسب معايير المودة مما سيؤدي لشراء المزيد منها كل عام. ونازك هنا تقدم مثال المرأة الهندية التي ترتدي الساري الذي يحفظ كرامتها القومية وتطالب باحياء وتطوير "ملابس جداتنا الطويلة الجميلة التي تحفظ الجسم من الحر والبرد اجمل حفظ." (505)
وهذه الافكار اعتبرت رجعية في التسعينات لدرجة ان جمعية الاخوان المسلمين في سورية اعادت طباعة المحاضرة في كتيب خاص. اما دعاة التحرر النسائي المعاصرات، فاتهمن نازك بان آرائها هذه "ردة الى الوراء، ودعوة صريحة للمرأة بالعودة الى عصر الرقيق." والواقع ان لغة نازك في هذه المحاضرة كانت الاكثر قسوة. كلمات مثل "اذلال" "ازدراء النفس" "هوان" "جارية" تتكرر كثيراً ، ربما لانها شعرت ان ذلك قد يخفف من نزعة التبرج التي استشرت في المجتمع حينذاك. والمحاضرة كذلك تتجاهل الجانب التأريخي: فالمرأة العربية بقت متبرقعة لزمن طويل، وكبت مئات السنوات قد يؤدي بالفتاة الى التطرف في التأنق. من الضروري تذكر ان نازك تقدمت عن افكار الجيل السابق لها. اذ انها لم تدع البتة للتنقب او الحجاب. ولكنها طالبت بالتخلص من التبرج الذي لم يجد في الفكر النسائي العربي في القرن العشرين من يدافع عنه.
حتى د. نوال السعداوي، التي تعتبر اكثر مفكرات القرن العشرين تحرراً، تنتقد الاهتمام بالمظهر، بل وتضعه في اطار المرض النفسي، وهو ما لمحت نازك الملائكة له حين اكدت ان التزوق يدل على شعور بالنقص. د. نوال تقارن في كتاب المرأة والصراع النفسي، بين سيدتين، الاولى واسمها خيرية، اهتمت طوال اعوام شبابها بالاناقة، ولكنها تعاني من الاكتئاب بعد ان قاربت الاربعين. تقول د. نوال:
هذه المرأة التي تظن ان الجمال هو اخفاء حقيقتها تحت المساحيق والظهور الدائم بملامح الساذجات الغريرات لا تعيش العصر الحديث، وانما عصر الجواري، حينما لم يكن مطلوباً من امرأة ان تكون انساناً له ملامح تعبر عن دماغ يفكر ويشع مختلف المعاني ، وانما ان تكون كتلة لحم
د. نوال تؤكد ان ما يسمى باكتئاب سن الاربعين للمرأة ينتج عن الاهتمام المبالغ به بالمنظر. فآثار الاعوام تظهر على الجسد برغم استخدام المساحيق، ولا ينجو من الاكتئاب الا من عرفت ان انجازاتها في الدنيا ستفوق الاعتناء بالمنظر.
الفتاة الثانية التي تتعامل معها د. نوال ، سميحة، شابة في اوائل العشرينات تعاني من اكتئاب نفسي شديد. اشتكت اسرتها لانها "تكره الفساتين وادوات الزينة ولا تعتني بجمالها كما تفعل كل البنات في سنها." (665) ود. نوال تساعد هذه الفتاة حتى تتحسن اوضاعها النفسية. وهي تشاهدها بعد بضع شهور في معرض الكتاب. وتلاحظ بسعادة ان اصابعها "قصيرة الاظافر بلا طلاء" ، قدماها "ثابتتان فوق كعب سميك منخفض" . ثم تقول: "كم يبدو الفرق كبيراً بين العينين النظيفتين الذكيتين من خلف النظارة البيضاء وبين العينين الغبيتين الغارقتين في سواد الكحل والظلال الخضراء." (667) وهي اخيراً تقارن بين الفتاة المصرية القديمة، التي استثمرت مالها في الفساتين، والفتاة الجديدة التي قد تفضل انفاق مالها القليل على الكتب التي تستمع بقرائتها.
موقف د. نوال في مصر اواسط السبعينات اذاً لا يختلف كثيراً عن موقف د. نازك في عراق اواخر الستينات. هن يتفقن على اعتبار التبرج دلالة على شعور بالنقص. ويؤكدن على اضراره النفسية. وهن سوياً يبقين سائرات على الخط الذي بدأته ملك حفني ناصف في اوائل القرن العشرين، الذي يؤكد على ان التعلم اهم للبنت من الاعتناء بالمظهر.
وما الذي يمكن ان نستخلصه من حوارات مظهر الفتاة خلال القرن العشرين؟ من الواضح ان الحوارات التي تناولت النقاب في اوائل القرن العشرين كانت في غالبها حوارات رجولية، وهكذا غلبت عليها نزعة اعتبرت النقاب رمزاً لتراث لم يرغب الرجال في ان يموت. اما الرجل اليساري، فاعتبر النقاب رمزاً لنزعة اقطاعية، وود لو تخلصت الفتاة منه على هذا الاساس. لم يتحدث احد البتة عن امكانية ان تختار الفتاة النقاب، او تتخلى عنه، وان هذا الموضوع يجب ان يكون خياراً شخصياً، باستثناء السيدة ملك حفني ناصف. اما في النصف الثاني من القرن العشرين، فتركز الحوار على الزي الاكثر ملائمة لطبيعة حياة الفتاة العاملة، واوضاعها النفسية. لاحظنا ان كاتبات مثل د. نازك الملائكة في العراق، ود. نوال السعداوي في مصر، انتقدن بقسوة التبرج والاناقة المبالغة بها في بنات ذلك العصر. د. نازك تتهم فتاة العصر بانها تعاني من اعراض الشعور بالنقص، وانها صارت مثل جاريات الف ليلة، بينما اعتبرت د. نوال التبرج دليلاً على الضعف، وعلى امكانيات الاصابة بالمرض النفسي مستقبلاً.
من المعروف ان هناك في الغرب حالياً من يتحدث عن التبرج كلغة، او اسلوب بلاغي، كلمات تتجسد في الجسد النسائي.. ولكن ، لا نتوقع ممن قدن الحركات النسائية العربية حين كن تقريباً بلا حقوق في اوائل القرن العشرين حتى درجة لا بأس بها من التحرر في اواخره ان يبلغن الفتيات بان احوالهن الان ممتازة. القائدة الجيدة تقول لمن يسمعونها الكلمات الصعبة التي قد تدفع باوضاعهن للمزيد من التحسن، حتى ان لم يرغبن بالاستماع لان اقوالها اكثر قسوة مما هو ضروري.
|