الفصل الثاني: أوضاع الجندي
الأمريكي والبريطاني في العراق..
في بداية الحرب الأمريكية على
العراق، كانت أوضاع الجندي الأمريكي ممتازة.. كان يملك القوة العسكرية المتفوقة،
وما هو أهم: الشعور بالتفوق الأخلاقي.. فهو كان يحارب نظام صدام المستبد بشعبه.
وجاء الى العراق ليحرر شعبه، ويساعده على إعادة أعمار بلاده..
ولكن، ومع تحول الصراع الى حرب
عصابات، وعدم حدوث إعادة الأعمار المطلوبة، بالطبع تغيرت أوضاع هذا الجندي...فضعف
أيمانه بالقضية التي كان يحارب في سبيلها.
هناك مثل عراقي شعبي يقول: مد ساقك
على قدر لحافك.. وما يعنيه المثل هو انه لابد للفرد من التعامل مع. الواقع
الموجود.
ولكن الدولة العراقية الجديدة وهي لا تزال في طور التكوين لم تمد قدميها على قدر اللحاف.. بل لجأت
للقوات الأجنبية لفرض السلطة.. وهي في هذا الحال كمن يستدين المال من المرابي
ليستطيع العيش.. وسيكون هناك بالطبع دين كبير لابد من تسديده يوماً ما.
بدلاً من السعي لخلق تحالفات مع القوى الموجودة على الأرض..
مثل التيار الصدري والعشائر وغيرها.. قررت
الدولة محاربتها. ربما بسبب رفض
بعض هذه القوى لاعتماد الدولة على الولايات المتحدة. والعراق في نهاية المطاف مجتمع شرقي..
الجندي الأمريكي ذاته لم يعد يطيق كل
هذا القدر من الاتكالية عليه.. وصار يكره العراق وأهله. ولذلك، حين تطلبه
الدولة للقيام بعمل عسكري، يقوم بأكثر ما يمكن من القتل والعنف والتدمير للتعبير
عن احتجاجه على البقاء في خط النار في بلد لا تفعل قواتها الأمنية اي شيء.
1- كراهية الجندي الأمريكي
للشعب العراقي..
يقول الجنود الأمريكان في العراق انهم لم يعودوا يؤمنون
بهدف جيد سيتحقق من هذه الحرب. هناك شعور عام باليأس من اعادة الاعمار، وتحقيق
الديمقراطية.
يعبر الجندي ديفد جوآرد عن مشاعر الكثير من الجنود.. فهو لا
يرى نهاية للحرب في اي وقت قريب لأن مجرد وجود الجنود يستفز الناس ويؤدي للعنف
الذي يحاول الجندي تخليص البلاد منه. يقول جوآرد بصراحة: "كان هدفنا في
البداية تخليص البلاد من صدام، والقبض عليه، وتدمير اسلحة الدمار الشامل.. وكل هذا
تحقق.. فماذا نفعل هنا؟ " ثم يستطرد:
"لم يتحسن اي شيء منذ اول يوم دخلنا فيه الى هذه البلاد.."
الضابط الامريكي جيمي دوناس يتذكر بسعادة اول يوم له في
العراق: "حدث ذلك بعد انهيار نظام صدام.. في النجف، كان الاطفال يأتون
ويسلمون علينا. اما اليوم، فهم يلقون علينا الاحجار"
يلاحظ انثوني روبرت: "لوجاء احد لاحتلال بلادنا،
لفعلنا ما يفعلونه.. هم يقومون بما لابد لهم من القيام به."
يشتكى الجميع من غياب اي شعور بهدف بعيد المدى يسعون
لتحقيقه.
يقول الجنود انهم يحتقرون القوات الامنية العراقية التي لا
تخاطر البتة. ساعة الجد يفرون ويتركون الامريكان في الساحة.. "لو بقينا هنا ل
10 سنوات قادمة، سنضطر للرحيل يوماً، وستحدث حينذاك الفوضى والحرب الاهلية.."
قال احد الرجال بصراحة: "اكره سكان هذه البلاد."
لم يكن هذا شعوره في اليوم الاول. ولكن مع مرور الوقت، وازدياد احداث العنف، وعدم
تحقق اي هدف، تشتد حدة الغضب والاحباط..
ومع ذلك، فهناك قلة سعيدة: الضابط آورتز يعمل في مجال تحسين
الخدمات الكهربية.. وينتقل من شركة الكهرباء الى المناطق التي يُقطع عنها التيار،
ويحاول تقديم حلول. وهو يتمنى ان تبقى القوات الامريكية حتى تتحسن الاوضاع
المعيشية للناس.."هناك الكثير مما لابد لنا من انجازه في هذه البلاد."
الكثير من القوات الامريكية تعيد اعمار.. معسكرات يقيمون
فيها.. فهم يقومون بالتحصينات لهذه الاماكن بشكل دائم.. مما يدل على استعدادهم
لاقامة طويلة.. يقول الشاب نات كوناجا، وعمره 18 سنة: "اعتقد ان هدفنا تغير..
وظيفتنا اليوم هي قتل الاشرار. وهذا هو ما نفعله."
3-
حول انتحار الجندي جاري جون بوسويل..
20 – 9-2004
أجهش الشاب ذو ال 20 ربيعاً، جاري بوسويل، بالبكاء حين علم
باستدعائه للعودة الى العراق.. مما اذهل والده.. "لم يبك جاري ابداً امامي
منذ نعومة اظفاره.."و كانت المرة الاولى والاخيرة.. فسرعان ما عثروا عليه جثة
هامدة ، بعيداً عن المنزل، في حديقة بلدة ملفورد هيفن. قال الاب لمحقق الشرطة: ان
الابن كان يعاني من اكتئاب شديد منذ عودته من العراق، حيث خدم مع فرقة Royal
Welch Fusliers . ولكنه رفض ان ينبس ببنت شفة عن اسباب حزنه..
محقق الشرطة عزى الاسرة على مصابها الاليم في فلذة كبدها..
وقصة جاري ليست الوحيدة.. ولكن الناس لا تسمع بمثل هذه
القصص لانها لا توضع في سجلات ضحايا الحرب المتاحة لدى قوات التحالف. فالانتحار
يعتبر قانونياً قراراً شخصياً، لا يتعلق الحرب الدائرة رحاها.. السجلات تحوي فقط
اسماء القتلى والجرحى في ساحات الوغى.. اما من يصاب بأي بلاء آخر بسبب الحرب، فلا
يوضع اسمه في السجلات.
واعداد من غادروا العراق من جنود الولايات المتحدة فحسب منذ ابريل 2003 حتى ديسمبر 2004 جاوز ال 15 الفاً.. ثلثهم بسبب امراض المفاصل
(ربما بسبب البقاء مرتدين الثياب العسكرية والسلاح الثقيل، او في داخل الدبابات
الغير المريحة، لمدد طويلة، او اعمال الحفر والبناء لأنشاء القواعد الدائمة،
وغيرها من مسئوليات الحياة العسكرية؟)
هناك كذلك ثلث آخر اصيب بامراض في الجهاز الهظمي.. اهم اعراضه: ارتفاع
درجات الحرارة لمدد طويلة، والاسهال الشديد المستمر.. (ومن الممكن ان يكون هذا من
نتائج سوء التغذية.. فالشركات التي تتعاقد معها قوات التحالف تنهب مال دافع
الضرائب الامريكي ، ولا تقدم طعاماً ملائماً، (مما سبب اكثر من فضيحة مالية
معروفة) ولكن من الممكن كذلك ان تنتج هذه الاعراض عن استخدام اليورانيوم المنضب..
والله اعلم.. فمثل هذه القضايا يتم التعتيم عليها، لدرجة ان الاعلام الغربي الحر
ذاته يخاف من مغبة الخوض فيها).
الخمسة الالاف الباقين اصيبوا بامراض نفسية اهمها
الاكتئاب.. ومن الجدير بالذكر ان مرض
الاكتئاب هذا يختلف عن الحزن الرومانسي الذي نعرفه في الشرق.. فاعراضه تشمل كوابيس مخيفة تمنع الفرد من النوم.. بل وقد يكون مثل هذا
الاكتئاب هو سبب انتحار الشاب جاري الذي ذكرت قصته اعلاه.. وبين المصابين بالعلل
النفسية 800 يعانون مرض انفصام الشخصية (الشكزوفرنيا) وهذا من الامراض التي لا
علاج تام لها..
من الواضح ان هؤلاء الخمس عشرة الفاً من الجنود سيعيشون في
المعاناة لسنوات، وستتعب اسرهم، والمجتمع الامريكي معهم.. وهي من قصص مآسي الحروب
التي يتناساها من يتخذ القرار السياسي بشنها.. عملية اعادة تاهيل الجندي للحياة
المدنية، بعد ان يكون قد تعود على استخدام السلاح، واستسهل القتل، صعبة للغاية،
وباهضة التكاليف..
وحين يريدون من شاب مثل جاري الذي ترك الدنيا في سن ال20 ان
يعود ثانية الى العراق، ليستمر في حياة الكراهية لعامة الناس الذين يفترض انه يعود
لمساعدتهم على اعادة اعمار بلادهم، في مثل هذه الظروف، الا نتفهم اسباب
انتحاره... ؟؟ وايهما افضل، ان تنتحر، ام
ان تطلق النار على عامة الناس وتعذبهم في السجن؟؟ اسئلة مرة تستحق التأمل..
وعسى ان يرحم الله "جاري" - برغم ان الانتحار في
ديننا الاسلامي من أعظم الآثام – وعسى ان يشمل الله برحمته كل من قُتل من ابناء
الرافدين.. عسى ان يدخلهم جميعاً رحاب جناته.. ويترك في قعر الجحيم كل من يأمر
ابناء شعبه بشن الحروب على شعوب أخرى...ومن اتمنى ان يلقوا جزائهم العادل هم
شخصيات مثل صدام حسين وجورج بوش. فهؤلاء عشاق الحرب وسفك الدماء وقتل الناس.
وربما سنصل في يوم ما لادراك ان الحرب في حد ذاتها خطأ لا
يمكن تبريره.. وان اي نصر عسكري مهما توهمنا انه سيكون سهلاً، سيكون له تداعيات
على حياة البسطاء وعامة الناس.. الغاية النبيلة لا تبرر وسيلة الحرب الدموية.
4-
لماذا رفضت كتيبة 343 تنفيذ الاوامر؟
صباح 16 – 10 -
2004 تم اعتقال وحدة من الجنود
الامريكان عددها حوالي 17 مجنداً ومجندة تتبع الكتيبة 343 واعضائها من روكهيل في
ساوث كارولاينا.. بعد ان رفضوا تنفيذ الاوامر للذهاب فيما اعتبروه عملاً
انتحارياً...
والوحدة تعسكر في الناصرية.. وما طُلب منها هو مرافقة حمولة
مؤن ووقود الى تاجي شمال بغداد.. فرفضت تنفيذ الامر نظراً لاستحالة مرور مثل هذه
الرحلات عبر مناطق المثلث الخطرة بدون ان تتعرض لهجمات الصواريخ. بل وقيل ان
امكانية مرورها بدون ان تتعرض لهجوم لا تزيد عن 1 % . وهكذا اعتبر اعضاء الفرقة
الطريق غير آمن، بل وخطر جداً.. وادعوا
انه يستحيل في هذا الدرب تجاوز سرعة ال 60 كيلومتر في الساعة، فيمكن مهاجمتهم
بسهولة ويسر من بعيد.. وعادة ما يكون مع الوحدة في مثل هذه الرحلات الخطرة طائرات
الهلكوبتر وعربات الهمفي المصفحة.. ولكن هذه المرة لم تتوفر هذه الاستعدادت
الوقائية.
وهذه الحادثة المحزنة توضح حقيقة ان حل المشكلة العسكرية
التي تواجهها القوات الامريكية لا يكمن في جلب المزيد من الرجال.. كما تلمح بعض
قيادات البنتاجون، مع ان الاحتياج هو للمزيد من الاجهزة والمعدات العسكرية، التي
ستجلب معها بالطبع متطلبات اضافية (مثل المزيد من الوقود).. باختصار، (وكما يعرف
الأمريكان جيداً من تجربتهم
المرة في فيتنام)،
كلما ازدادت اعداد الرجال والاجهزة، ستزداد كذلك امكانية اعطاب الاجهزة
وجرح الجنود او اسرهم.. او قتلهم.
ومن المعروف ان المقاومة العراقية استخدمت استراتيجية ناجحة
للغاية، وهي ضرب خطوط التموين للقوات الامريكية. فشاهد المتابع للشأن العراقي
لشهور وبشكل يومي على شاشات التلفاز صور من تاسرهم المقاومة من سواق الشاحنات من
لبنان والاردن وتركيا. وهؤلاء كانوا يقومون بامداد القوات الامريكية بالمؤن
والذخيرة.. وكان شرط المقاومة للافراج
عنهم هو ان تكف الشركات عن ارسال المؤن للجيش المحتل. وهكذا قلت اعداد هذه الشركات يوماً بعد يوم حتى
اضطر الجندي الامريكي لان يعتمد على نفسه في تأمين وصول الاحتياجات الضرورية له.
سائق الشاحنة التي نقلت المؤن كان درعاً، يساعد قوات
الاحتلال على تامين احتياجاتها ويتحمل الخطر بدلاً منها.. وحين لم يعد سواق الشاحنات يجرأون على اجتياز
الطريق، اضطر الجندي الامريكي لتحمل هذا الخطر.. مما سهل على المقاومة ضربه
واصابته وقتله.
وليس هناك امكانية لانكار ازمة الجيش الامريكي التي تشتد
حدتها كل يوم في العراق. اليوم، تم قتل 5
جنود أمريكان في تفجير سيارة مفخخة.. البارحة ، تم قتل ستة في حادثتين.. الخميس
الماضي، تعرضت المنطقة الخضراء ذاتها، والتي كانت يوماً الحصن الآمن للمرتزقة وكل
من هب ودب وجاء بحثاً عن الربح السريع من خيرات العراق المنهوبة، تعرضت هذه
المنطقة لهجومين انتحاريين نتج عنهما ان مستشفى ابن سينا في داخل المنطقة الخضراء
اكتظت بالجرحى والمصابين..
مع ازدياد الاوضاع سوءاً، تقل اعداد المرتزقة الذين يحمون
قوات الاحتلال، فيصير الجندي الامريكي على خط النار. ومما شاهدناه من صور الفرقة
343 التي رفضت اداء "مهمة انتحارية" نلاحظ ان غالبيتهم من الزنوج
الامريكان من ولاية ساوث كارولاينا الجنوبية، هؤلاء الفقراء الذين خطف تاجر العبيد
من افريقيا اجدادهم وذهب بهم وباعهم في القارة الجديدة، وتم استخدامهم لاداء اصعب
المهام خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وهو التاريخ المأساوي لهذا الجندي الشاب
الذي بحثاً عن لقمة العيش انضم الى الجيش الامريكي، ووجد نفسه في نهاية المطاف
يقامر بحياته ذاتها.. ومن ثم جاء اليوم
الذي رفض فيه هذا الجندي الاستمرار في اداء مهمة لا يفهم اهدافها.
فهذه الفرق جائت
بدعوى اعادة اعمار البلاد ومساعدة اهلها، وتحولت مع مرور الوقت، وسوء الادارة، الى
اجهزة قتل للمدنيين من ابناء العراق.. وبدأت شيئاً فشيئاً تفقد هي الاخرى الكثير
من الضحايا..
بالنسبة لابناء الرافدين ، سيكون خبر عصيان هذه الفرقة
بالطبع من بركات ومعجزات شهر رمضان الكريم.. وكل عام وبلاد الرافدين بخير...
5-
سيمور هرش: قيادات الجيش لا تبلغ بوش
بالحقائق..
قرر السيد سيمور هرش، الذي أيد كاري في الانتخابات
الأمريكية، الخروج من إحباطه بالنتائج عن طريق التحدث في غرف الحوار في الشبكة
العنكبوتية.. وقال في نوفمبر 4، 2004، ان الأعلام الأمريكي سبب من أسباب ما حدث
منذ ال 11 من سبتمبر، لانه ينقل ما يقوله الرئيس بدون تحليله.
والسيد هرش معروف بكشفه لفضائح وفظائع الحكومات الأمريكية
المتعاقبة، من مجزرة قرية ماي لاي في فيتنام، والتغلغل الإسرائيلي في كردستان، حتى
ابو غريب. وربما توقع من الأعلام الأمريكي بأكمله السير على ذات الطريق. وهكذا
يقول: "الأعلام كذلك يرفض فكرة تقييم السياسات الأمريكية الحالية حسب معيار
أخلاقي. الكثير من العاملين في الإدارة تقلقهم هذه السياسات، وبينهم قيادات
عسكرية، ومع مرور الوقت ستظهر الخلافات."
سُأل السيد هرش عن جهل الناخب الأمريكي بالحقائق الأساسية
في اكثر من موضوع، فقال: " ما أحزنني في الانتخابات الأخيرة ليس غياب
المعلومات، بل كون بعض الناخبين لا يرغبون في معرفة الحقائق، واقصد هنا بشكل خاص
من ينتخبون بوش على أساس ديني عقائدي... الواقع هو ان الكثير من الأمريكان لم تعد
تهمهم الحقائق، او الحقيقة." ولكنه استطرد موضحاً ان أقواله هذه قد تكون
"مرثية الخاسر" الذي شجع كيري.
وقد لاحظ السيد هرش ان نسبة الأصوات لا تدل على تفوق كاسح
للرئيس بوش، بل على انقسام المجتمع الأمريكي المقلق. فسأله أحدهم بصراحة عن
إمكانية انقسام الدولة الأمريكية ، حيث تتحكم الولايات الجنوبية المحافظة اليوم
بالبلاد، فأجاب باقتضاب: "حاول البعض ذلك سابقاً في الحرب الأهلية ولم
ينجحوا."
وقد أكد السيد هرش ان الرئيس بوش المنتشي بالنصر سيستمر في
مساعيه لجلب الديمقراطية الى الشرق الأوسط. "سيفكر بالكثير من الإمكانيات
المخيفة. المهم اليوم هو الفارق بين ما يريد، وما يقدر على
فعله. وليس لديه القدرة على مراجعة الذات. ما يقلقني هو رفض شخصيات تقود البلاد
لاي معلومات تتعارض مع اعتقاداتهم. حتى قيادات الجيش صارت تخاف مغبة إبلاغ بوش
وتشيني ورامسفيلد بالحقائق على الأرض. وهذا جنون.. أليس كذلك؟
"الواقع هو ان الجيش يخاف حالياً من إبلاغ بوش وتشيني
بالحقائق. وهذا الوضع لن يستمر أكثر من ستة شهور. وبعد ذلك ستظهر الخلافات. فالجيش
لا يمكن له صناعة عراق جديد على المقاسات التي يريدها السيد بوش. ولابد من التفكير
في طريقة للخروج من هذا المأزق. هذا هو اعتقادي على كل حال."
6-
ليس من مات فاستراح بميت...الموتى الأحياء
يعودون الى الولايات المتحدة..
4
أجساد عراقية وصلت الى دوفر، ديلوير في الولايات المتحدة حيث سيتم تشريحها لمعرفة
أسباب إطلاق النار عليها.. التشريح جزء من تحقيق جنائي نتج عن صورة جندي أمريكي
يطلق النار على جريح عراقي غير مسلح في جامع من جوامع الفلوجة.
واذا كان لابد من التشريح بعد الوفاة.. فليس هناك مكان افضل
من مستشفى دوفر، حيث المختصين في هذه الشئون واحدث الأجهزة الطبية. اكثر من 1200
جندي أمريكي قتلوا في العراق مروا هنا، حيث تم تحليل جثثهم، ثم تكفينها ووضعها في
الصناديق التي ستدفن فيها،ولفها بالعلم، وإرسالها للأسر. ورحم الله شهدائنا..
وموتاهم..
الرجل الذي التقط الصور، ويدعى كيفن سايتس، مصور محطة ال NBC، صرح للاسوشيتد برس، انه شاهد جنود البحرية يطلقون النار على
الأجساد العراقية الأربعة. القصة – حسب تقديمه لها – كالتالي: تم إطلاق النار على
قوة أمريكية من داخل جامع، فقامت باقتحامه، وقتلت عشرة، وبقي خمسة.. قامت القوة بمعالجتهم
وتركتهم. ثم جاءت مجموعة أخرى صباح اليوم التالي، فأطلقت عليهم النار ثانية
وأردتهم قتلى. (لاحظ تغير الأرقام.. 4 او
5 .. لا يهم حسب معايير الحضارة الأمريكية.. هذه أجساد عراقية في نهاية المطاف.
وهنا يكمن الخلل في التفكير الأمريكي، كما ستوضح هذه المقالة).
في الشريط المصور: تسمع الجندي الأمريكي يصرخ : "هو
يتظاهر انه ميت" (مع كلمات بذيئة بحرف ال F الامريكي المشهور في أفلام هوليود نتعفف عن ترجمتها احتراماً
للقارئ الكريم). الجندي الآخر يجيب: "نعم. هو يتنفس." ثم رُفعت
البندقية. وتم التعتيم على الكامرا.. ولكن نسمع الطلقة. وقول الآخر: "حسناً.
انه الآن ميت بالفعل"...
الجسد العراقي الميت وصل الى الولايات المتحدة.. ولكن
الكثير من الأموات الأحياء يعودون أليها كذلك. فهذه الوحشية التي يتعاملون بها مع
أبناء الرافدين تصيبهم لاحقاً بالمرض النفسي.
أحدهم اسمه - ويا
للطرافة – "مات" لابرانش. وهو
ميت حي اليوم. يستمتع بألم وخز الإبرة الحادة وهي تخترق جسده، وكأنها بديل موضوعي
للطلقات الحديدية التي أطلقها على الأجساد العراقية . الابر تخترق جلد مات لصناعة
وشم.. الألم يشعره بأنه يعيش للحظات. فهو كما يقول ميت من الأعماق.. لا يحس باي
شيء. كل المشاعر الإنسانية انتهت تماما. على ظهره تشاهد الوشم: صورة سيف ضخم كُتب
على جوانبه : "عدت جالباً لحياتكم الجحيم."
هناك الكثير من الجنود مثل لابرانش.. الجسد كامل سوي ولكن
النفس جريحة ممزقة. يقال ان جندي من كل ستة يعودون من العراق يعاني من جراح نفسية
عميقة بسبب صدمة الحرب التي تبقى أصدائها تتردد في الروح.
لم يتوقع البنتاجون هذا البلاء الجديد وهو يبحث عن طريقة
للتعامل معه. الخمس ملايين دولار التي يقدمها الكونجرس سنويا للتعامل مع الأمراض
النفسية في الجيش تكفي في عصر السلم.. اما اليوم، فحدث ولا حرج.
دراسة قدمتها مؤسسة والتر ريد للبحوث تقول ان 15 % من
البحارة، و 17 % من الجنود يعانون أمراضا عضال مثل القلق وأصداء الصدمة النفسية (post
Traumatic Stress Disorder)
وهو مرض خطر يغير كيمياء الدماغ أهم أعراضه تكرار لصور مفاجئة من لحظات الحرب
تطارد المريض ولا تترك له فكاكاً. كوابيس تعيق النوم، لحظات قلق، هلع، وجمود عاطفي
تام. يشمل الحياة الجنسية للمريض. وهذه الدراسة تمت في الشهور الأولى للحرب، قبل
احتدام المعارك. البعض يتذكر ما حدث في حرب فيتنام، حيث بقي 30% من الجنود عبئاً
على المجتمع المحيط بهم بسبب عدم تقديم العلاج الضروري بسرعة. من تبقى منهم حتى
الساعة يدمن المخدرات، يعيش بلا مأوى، متشرداً، غارقاً في الجريمة حتى أذنيه..
يائساً من اي إمكانية لغد افضل. وكأن أرواح ضحايا النابالم تنتقم لما أصابها من
بلاء على يد هؤلاء الجنود...
في المستشفى، أحيانا يذهب المريض النفسي لزيارة الجرحى ومن
تقطعت أوصالهم.. قال أحد المرضى النفسيين: "ياليتني فقدت يداً او قدم.. فذلك
افضل من الجحيم الذي أعيش فيه. "
تشاهد جندياً يرتدي الحذاء الذي ارتداه صديق له نزف حتى
الموت. لا يقدر على التخلص من الذكرى الحزينة.. اما الجندي فيليب جوردام، فهو
اليوم يجوب الشوارع الخاوية بعربته في الفجر الباكر، ويشاهد الأفلام طوال الوقت
حتى ينسى.. ي .. ن.. س..ى. صور الدم والرصاص الذي يخترق الأجساد العراقية
الجريحة.. وهو الذي يطلق عليها النار.
مجرد صوت عربة مارة يخيفه. أحيانا يتوهم أشباحا لقناصة تطلق
النار عليه من الأسطح. في جيبه يحتفظ بالدواء باكسيل ليهدأ أعصابه..يقول: "لا افهم ما يحدث لي . كنت جندياً جيداً.
خدمت وطني كما طلبوا مني. أصدقائي يقولون ان شخصيتي قوية.. فلماذا أصاب بهذا المرض
اذاً؟"
العام الماضي جاء للتعالج 1100 جندي حاربوا في العراق
وافغانستان.. هذا العام تضاعف الرقم عشر مرات. 23 % ممن تتم معالجتهم في
المستشفيات النفسية يعانون هذا المرض. يسمعون أصداء الماضي: صياح الجرحى، وكأنهم
يريدون العودة لمشهد دموي وتكراره.. ربما في الأعماق هناك الرغبة في إسعاف الجسد
العراقي الجريح في الجامع بدلاً من قتله.. ولكن الحديد اخترق الجسد الذي انتهى..
مات صاحب الجسد بسرعة. اما الذي أطلق النار عليه، فيبقى يعاني مغبة جريمته
النكراء.
وقد تعامل فرويد مع جنود أصيبوا بالمرض ذاته بعد الحرب
العالمية الاولى.. وكتب اعمق كتبه.. وهو: ما وراء اللذة. Beyond
The Pleasure Principle. وهو يؤكد
هنا ان اللذة قد تتحول لرغبة في التسلط والتحكم في الآخرين بسبب ظروف
الحرب، فتشمل العنف ضدهم، وحينها تتحول فوراً الى عنف ضد الذات وكراهية لها..
ويسمي هذا التحول من كراهية العدو الى كراهية الذات : غريزة الموت.. باختصار، من
يتجاوز الحدود الإنسانية في التعامل مع الأضعف ، فيطلق النار على الجرحى في
الجوامع ، سيجد عقاباً نفسياً صارماً.. في عدالة كونية لا تزال الناس لا
تفهمها.
غرور القوة والسلاح يدفع المرء للتجاوز، ثم يأتي العقاب
النفسي البتار.
عودة الى السيد مات صاحب السيف البتار الموشوم على ظهره..
في يوم ما، عاش هذا الرجل مع زوجته وأطفاله . وليس له اي تاريخ مع العنف او المرض
النفسي. ثم ذهب للعراق وعاد مريضاً. بعد 3 أيام من خروجه من المستشفى النفسية، هدد
زوجته السابقة، وهو اليوم قد يذهب الى السجن.
تجده الآن يجلس على كرسي هزاز في منزل شقيقه، محاولاً بكل
طريقة التخلص من صورة المرأة العراقية التي ماتت بين ذراعيه بعد ان أطلق عليها
النار.. والأطفال الذي أصيبوا ببعض طلقاته.. كلامه بذيء للغاية، مثل كلمات الجنود
الذين أطلقوا الرصاص على الأجساد العراقية الجريحة في الجامع.
وحين خرج مع بعض الأصدقاء الذين يحاولون مساعدته، أصيب
بأزمة حادة.. ففي الحديقة العامة، شاهد أسرة مسلمة، وفتاة محجبة. فانبثقت من أعماق
محيط اللاشعور صورة المرأة العراقية التي أطلق عليها النار، بلا ذنب او جريرة
ارتكبتها، وصور الأطفال يحتضرون والدم يسيل على الأرض، فصاح وصاح وجسده يرتعش مثل
ا م أردى أطفالها قتلى أمامها.. أعطوه بسرعة الزولوتوف. يقول السيد مات:
"أتناول من الأدوية ما يكفي لتخدير فيل.. واستيقظ أشاهد صورة هذه المرأة
العراقية الملعونة والأطفال الممدين على الأرض والدم يغرق المكان.. يا ليتني قد مت
بدلاً منهم في العراق."
وليس من مات فاستراح بميت.. ولكن الميت ميت الأحياء..
و في نهاية المطاف، ستنتهي حرب العراق كما انتهت حرب فيتنام
بفشل أمريكي ذريع. فلا يمكن ان تطلق النار على جرحى عزل في الجامع.. وتعد هذا
انتصاراً. في أعماق الذات، تعرف انك مثل مصارع يحارب طفلاً ويطعنه بسكين.. مهما
توهمت انك تنتصر عسكرياً وتدمر هذه المدينة، وتحرق تلك، أنت في النهاية مهزوم
أخلاقيا. أنك الأقوى. ومن تطلق عليهم النار جرحى عزل، في جامع. انتصار مثل هذا
يجعلك كارهاً للذات.. وهكذا يهزم المنتصر.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
مصادر المقالة:
1-
Bodies of four
Iraqis are brought to U.S.
Autopsies scheduled as part of probe
of taped shooting
Posted
Sun Sentenil
By Tom Bowman
2-These
Unseen Wounds Cut Deep
Esther Schrader
Sun Nov 14
Latimes
20 - 11 – 2004
7- متى سيتعلم الجندي الأمريكي
السياقة؟
قامت جريدة
في اوهايو بتحليل طلبات التعويض التي قدمها ضحايا من المدنيين المتضررين في العراق ضد جيش الولايات المتحدة،
واكتشفت ان 75 % منها قد تم رفضه.
جريدة
ديتون ديلي نيوز قالت ان تحليلها ل 4611 حالة - مئات منها تشتكي من سوء المعاملة
والاضطهاد abuse-
ضد أشخاص في الجيش الأمريكي، أوضح ان ربع هذه الشكاوى فقط، نتج عنها دفع تعويضات.
وقد انتقد
البنتاجون هذه النتيجة، وأكد
ان المعلومات المتاحة للمجلة ناقصة.
ونظراً
لاستحالة رفع قضية ضد قوات التحالف، لا يستطيع العراقي المتضرر سوى طلب تعويض.
ولكن الولايات المتحدة لا توافق على دفع اي تعويض ينتج عن مواجهة عسكرية. وهذا
يشمل إطلاق النار من مواقع التفتيش في الطرقات على العربات المارة. وغيرها من
الحوادث المتعلقة بالمدنيين.
بالنسبة
لرجل يشتكي ان أخويه قتلا ووالديه جرحا خلال قصف في مارس 5 2003 ، كتب محامي الجيش ما يلي: "قوات
التحالف أطلقت القذائف على أهداف مشروعة .. وهكذا كانت أسرتك في منطقة تم قصفها
لهدف مشروع. ولذلك أصيبت بضرر مع الأسف."
قضية أخرى
تعلقت برجل أطلق عليه الجنود النار من نقطة تفتيش وهو يذهب لجلب ابنته الصغيرة فأردوه قتيلاً. أسرته قدمت شكوى، وتم رفض هذه
الحالة كذلك.
أحد
الضحايا، امير شلمان، قتل الأمريكان أخوه. فقال للمجلة: "تغيرت أفكارنا عن جنود أمريكا. صرنا نحقد عليهم. لو عاملونا كبشر،
لما أطلقنا عليهم النار."
في يوم قتل
أخيه، ترك الجنود 2000 دولار بجوار سرير الأرملة. وقالوا أنها لتعويض الأسرة عن
تكاليف أجراء الدفن. اما طلب التعويض لمساعدة أطفال القتيل على إتمام التعليم،
فقوبلت برفض قاطع.
مما سُمح
للمجلة بالاطلاع عليه، كان هناك 437 طلب لتعويض في أحوال قتل، و468 في أحوال جروح
خطرة. ولكن المجلة تؤكد انها لم تطلع سوى على غيض من فيض.
اكثر من ألف
حالة نتجت عن حوادث سير. وهي أعلى نسبة من أحوال التضرر. حوالي 400 حالة تعلقت
بتدمير محاصيل زراعية. واشجار.. او قتل ماشية. او تدمير موارد مائية.
متوسط ما
يدفعه الأمريكان لاسرة العراقي القتيل هو 3421 دولاراً. أحيانا كثيرة ، تم تقديم
مبلغ تعاطف غير رسمي بحدود 2500 دولار.
78 % من
الطلبات تتعلق بأحداث تمت بعد نهاية المعارك في مايو 2، 2003 .
يقول مسئول
رفيع المستوى في إدارة دفع التعويضات: ان المعلومات المتاحة للمجلة ناقصة. وان
الولايات المتحدة دفعت خلال عام 2004 11 ألف تعويض، ورفضت 3 آلاف. ولكنه لا يعرف
نسب الموافقة والرفض قبل يونيو الماضي.
واكد ان
الولايات المتحدة دفعت حتى الساعة 8 ملايين دولار، منذ يوليو 2003. واعدت 10
ملايين لمساعدة أبناء الرافدين في التعامل مع خسائر الحرب العام المقبل.
اما سبب التأخير
في الدفع، فهو المراجعة للتأكد ان المال سيذهب لمن يستحقه.
اكبر رقم
في طلبات التعويض ينتج عن حوادث السيارات.. وما يعنيه هذا هو ان الأمريكي لا يحترم
قوانين المرور. وليس بالشيء اللطيف البتة
ان تفاجئ وأنت تذهب لعملك في الصباح بدبابة تسير عكس طريق السير مسرعة.. وتصدم
بعربتك فتدمرها..
ولذلك قلنا
لابد من خروج القوات الأمريكية من المدن. ليس مكان الدبابة هو الشارع الذي يستخدمه
الموظف للذهاب الى عمله في الصباح. أحيانا كثيرة يتم تقديم تعويضات بحدود 2500
دولار بشكل غير رسمي. وهذا ربما اعتراف بالخطأ، ولكن رفض لتحمل المسئولية
القانونية.
بشكل عام،
اشعر ان مجموع التعويضات حتى الساعة، 8
ملايين دولار، قليل للغاية بالنسبة لما حدث من دمار في البلاد..
وعسى الا
يحوج الله أحدا من وطننا لاموالهم.
7-
أ- حول الحدث الأكثر أهمية عام
2004: فضيحة ابو غريب..
أعتبر فضيحة ابو غريب الحدث الأكثر
أهمية عام 2004. فقد أضعفت الصور بشكل
واضح من مصداقية الولايات المتحدة دولياً،
وبين عامة الشعب العراقي الذي أدرك ان الغرب لم يأتي ليصنع له دولة الدستور وحقوق
الإنسان. وكان من نتائج الفضيحة ان اشتدت قوة التمرد. ونتج عنها كذلك ان بدأت
عمليات قطع الرؤوس البشعة، انتقاماً كان من أول ضحاياه نيكولاس برج. حولت فضيحة
أبو غريب الحلم بعراق ديمقراطي إلى كابوس اضطهاد ودم صارت الدول المجاورة تتفاخر
بانها لم تنزل ابداً لمستواه.
منظر الأجساد
العراقية العارية متراكمة فوق بعضها البعض في شكل هرم – كما تندر الجنود - تدل على
رؤية الغربي العنصرية للشعوب الشرقية الخاضعة.
فقد قال جندي في التحقيق: "شعرت بان وضع السجناء في شكل هرم مضحك.
ولكن حين أفكر بذلك اليوم، اشعر أننا تعدينا الحدود السليمة." والواقع هو ان
الهرم مثله مثل العلوية، من رموز الشرق الخالدة، وكان الهدف التندر مما هو شرقي.
ولذلك لابد من مراجعة الفكرة الاستعمارية القائمة على فلسفة التدخل لمساعدة
الشعوب.. فصورة الشرقي الضعيف لا يقدر على مواجهة الدنيا ويحتاج للغرب لحمايته غير
صادقة، وتحوي في طياتها وهم عنصري، وهو ان الشرقي اقل شئناً، ويحتاج للمساعدة من
الغربي المتفوق. صور الهرم المصنوع من أجساد كذلك تندد بإعادة الأعمار.. فاللحم
والدم البشري هو الذي يستخدم في صناعة الهرم، بدلاً من الأسمنت..
ومن المثير للسخرية ان الولايات
المتحدة ادعت – صادقة – ان عرض النظام العراقي البائد لصور الاسرى الامريكان في
التلفاز كان انتهاكاً لحقوقهم خلال الحرب الاخيرة. ثم اتضح ان اكثر الاجهزة شيوعاً بين الجند هي
الكامرا المحمولة، والتقطوا 1800 صورة
للأسير العراقي في اوضاع مهينة للاحتفاظ بها والتفرج عليها حين يشتد بهم الحنين
لايام الديمقراطية في بلاد الرافدين. صور الأجساد الشرقية المعذبة صارت تذكارات
سياحية .. وكأننا في كابوس يصفه مظفر النواب في بعض قصائده..
أوضح تقرير السيد – انطونيو تاجوبا
– ان السجين العراقي تعرض "لممارسات سادية واضحة وتعديات اجرامية." كان
هناك تهديد بالاغتصاب، وادعى احدهم بانه تعرض له، وكان هناك ضرب بالمكانس
والكراسي. تم استخدام الخنق (منع السجين من التنفس حتى يعترف) . كان هناك جندي سماه الاسرى بالمجنون، كانت
هوايته التبول عليهم.. والتقاط صور المشهد الجميل.
في البوم عائلي، نشرته اسرة مجند
امريكي الشهر الماضي في موقع خاص في الانترنت، فعثر عليه صحفي يعمل في اسوشيتد
برس، ظهرت صور جديدة، قد تكون الاقدم. فهي تعود لمايو 2003. والصور تقص حكاية
كاملة. ففي الفجر، تقوم القوات الامريكية بالاغارة على منزل ، ونشاهد صور محتويات
المنزل منثورة على الارض بعد التفتيش، ومنظر الاسرة تتكوم في حجرة.. ولاحقاً، صورة
الشاب المقبوض عليه، وهو يرقد ارضا و – ليكرم القاريء الكريم - حذاء الجندي الأمريكي على صدره. الصور الجديدة
لا تصل لمستوى الوحشية في ابو غريب، ولكنها لا تقل بشاعة.
ومن الممكن التسائل عما حدث للحلم
الامريكي بصناعة دولة القانون، حيث تُراعى حقوق الانسان. ولكن الصورة الوردية التي
يصنعها الاستعمار عادة تخفي حقائق لا يجهلها الا من لا يريد ان يعرف لغرض في نفس
يعقوب.في الخارج تستمع لكلام الإدارة الأمريكية عن عراق زاهر يعاد أعماره، ولكن في
السجن تعرف الحقيقة، الصورة الأخرى التي لم يكن ليجدر بأحد رؤيتها، ثم خرجت إلى
العلن، فكانت فضيحة.
وقد شجب الرئيس الامريكي - بوش
- ما حدث في السجون واعتذر للشعب العراقي،
واكد ان التجاوزات كانت فردية.. ولكن البعض ادعى وجود امر، تحدث عنه قائد ميداني
في بغداد في مايو 22، 2004، في بريد الكتروني يقول فيه: "وقع الرئيس بوش امراً
يسمح بالممارسات التالية خلال التحقيق: التحكم في النوم، استخدام الكلاب العسكرية،
الاوضاع المتعبة لجسد الاسير، والتحكم في البيئة مثل استخدام الموسيقى الصاخبة،
والتحكم في الحواس عن طريق عصب العينين." ولكن الرئيس بوش راجع القانون
لاحقاً، بحيث تستخدم الاساليب الاكثر قسوة فقط في احوال "موافقة اعلى السلطات
الموجودة في المعتقل." هناك ايضاً
بريد الكتروني يدل على موافقة بول ووفلوتز على ممارسات انتهاك حقوق الانسان.
وبالطبع البيت الابيض والسيد وولفوتز ينفون بشدة الاتهامات.
ومن الممكن ملاحظة ان العنف ينتج
عنه عادة العنف المضاد. وهكذا قامت قوات التمرد بقطع رأس السيد نيكولاس برج في
مايو 2004 رداً على تعذيب الاسرى في ابو غريب، ومن ثم شاعت ممارسات قطع الرؤوس
القبيحة. وكأن الوحشية الأمريكية صارت عذراً يبرر همجية الطرف الآخر.. والواقع هو
ان نظام التعذيب في السجون فساد لابد من محاربته والا استشرى واستفحل.. وان ضحية
التعذيب سيقسوا على الناس لاحقاً. ولذلك لابد من مقاومة هذه الممارسة التي تحتقر
انسانية الانسان، وتدمر جلادها وضحيتها. وليس لدي ادنى شك في ان من افرج عنهم من
ضحايا التعذيب في ابو غريب صاروا اليوم يرتكبون الجريمة في حق الشعب العراقي، بقدر
ما يقوم بعضهم بمقاومة الاحتلال. فطبيعة الانسان السوية تفسد بسبب ممارسة التعذيب
الشريرة. ولذلك لابد من مواجهتها وفضحها في كل مكان.
والتعذيب في العراق له تاريخ قديم، يسبق الاسلام. والقاعدة العامة هي ان
الحكومة الضعيفة تستعمل القسوة المطرفة في التعامل مع الشعب، راجيةً إطالة عمر
النظام بهذه الطريقة. في بدايات القرن العشرين، حين ضعفت سلطة الزعامات العشائرية،
صنع غالبية شيوخ العشائر الاثرياء "حوشية" تحوي حراساً وظيفتهم السيطرة
على رجال العشيرة. وبين هؤلاء الحراس، هناك من يقوم بمهمة انزال العقاب الجسدي
المقيتة. وبدون هذا التخويف، ما كان شيخ العشيرة ليبسط سيطرته على رجالها. النظام البائد طور هذا الأسلوب، فتعامل مع
الناس بالتهديد والوعيد، وشاعت تسمية "جمهورية الخوف" بسبب ان العامة لم
تخش الموت، ولكن طريقة الموت. وجاء الامريكي، واستخدم الاسلوب ذاته.. مما يدل على انهم جميعاً يدركون ضعفهم.. اما
الدولة القوية بقربها من مشاعر عامة الناس، فلا تحتاج لقمعهم بالتهديد بالتعذيب.
وملفات التعذيب في العصر البائد توضح ان هدف هذه
الممارسة الشريرة ليس كشف معلومات، كما يتوهم البعض، ولكن أفساد الضحية، الذي
يفترض ان يدرك في نهاية المطاف انه فاسد بقدر فساد النظام الذي كان يرفضه. وهذا هو
ما تعلمناه من دراسة حالات التعذيب التي تعرض لها الحزب الشيوعي في مطلع الستينيات
والسبعينيات. التعذيب ينتهي حين توقع الورقة، التي تعترف فيها بفسادك. وبعد ذلك
يتركوك تواجه الذات. (وان كان هناك حالات تسميم لاحقة، حين لم ينجح النظام في
الوصول لغرضه عن طريق التنكيل).
في رواية شرق المتوسط
المشهورة لعبد الرحمن منيف، يقرر البطل العودة للسجن ومواجهة الجلاد ثانية،
والموت، بدلاً من الاعتراف بانه فاسد مثل النظام الذي كان يرفضه.
اما في رواية العسكري الاسود
ليوسف ادريس، فالبطل يعيش فاسداً مفسداً بعد تعرضه للتعذيب.
في قصيدة مظفر النواب المشهورة عن
التعذيب، يقاوم الشاعر الفساد حين يتذكر صورة أمه العجوز، وصور ابو ذر، وغيره من
الشخصيات التاريخية الشريفة.. هذه الصور لشخصيات غير فاسدة تجعله قادراً على رفض
تحقيق طلبات من يقوم بتعذيبه.
ولهذه الأسباب ركزوا في ابو غريب
على التعديات الجنسية.. فالمجتمع الشرقي يفترض ان يتميز بنمط اخلاقي سلوكي يتفاخر
به على التحلل الغربي.. وكان الهدف هنا هو ان يدرك الشرقي انه مثل الغربي، فاسد
اخلاقياً. ممارسات التعذيب هذه المرة ترتبط بصراع الحضارات، ورؤاها المخالفة
للغريزة الجنسية والجسد، ولا يمكن فهم طقوس وبنية ابو غريب خارج هذا الإطار.
في نهاية المطاف، ممارسات انتهاك
حقوق الانسان افسدت عدالة المجتمع الامريكي ذاته، فصارت المحاكم تقبل احيانا
شهادات اقسر اصحابها على الادلاء بها. باختصار، بدلاً من تصنع الولايات المتحدة
عراقاً ديمقراطياً، تحولت شيئاً فشيئاً الى دولة استبدادية.. فلا يمكن كبح
التجاوزات وابقائها في العراق.. فساد التعذيب ينتقل بسرعة من موقع لآخر.. وطالما
بقت الدولة الامريكية تتقبل التجاوزات وان تظاهرت برفضها، سيصاب قانونها في نهاية
المطاف بالداء المفترض ان تداوي الناس منه.
وممارسات ابو غريب بالطبع من
العوامل الاساسية التي دمرت الحلم بعراق دستوري. وكان لها دور جوهري في انعدام ثقة
عامة الشعب العراقي بالقوات الامريكية، واعتبارها قوات غازية، لا محررة..
المعلومات عن الامر الذي اصدره
السيد جورج بوش بالسماح بتعذيب الاسرى مصدره:
Ari Berman
Wed
Dec 22,
Yahoo News
ب)الغريب في احوال ابو
غريب...
ربما يكون
اكثر ما حل بسجن ابو غريب غرابة هو التعجب وعدم تصديق ما حدث فيه من انتهاكات..
والواقع ان السجن كان عذاباً للسجين والسجان.. فذلك الموقع الذي اعد لاستقبال 4000
سجين سكن فيه 7000 . ولم يكن هناك نظام تكييف جيد لحفظ هذه الاجساد من حر الصيف
الملتهب. الارض كانت في غاية القذارة.. ولم يمر اسبوع بدون سقوط صواريخ المقاومة
على المكان.. خلال ثلاثة شهور، كان هناك 24 انفجاراً فتكت بالجندي والسجين..
بعدالة صدامية غريبة.. وليس من الغريب بمكان ان يطلب الجنود معونات عاجلة اكثر من
مرة، ولا تصل.. قال القائد جيمس جونس: "شعرت باني انتظر الموت مع جنودي في
هذا المكان.. وظيفتي ان يعودوا سالمين لذويهم.. ولكن كيف؟ كان الوضح محبطاً
ومخيفاً."
ومن
الضروري ملاحظة ان بعض الجنود كانوا يهربون الخمور الى السجن، ويسكرون.. فهم
بالفعل كانوا لا يعرفون هل سيرون نور الصباح.. ولا يعرفون هل سيعيش اصحابهم
ويحتفلون سوياً بالعودة الى بلادهم في يوم ما.. كل ليلة يمكن ان تكون الاخيرة في
عمر الجندي. الجندي الامريكي كذلك كان
محبوساً في ابو غريب، يحاول تناسي همه بالخمر .
في هذه
الظروف النفسية السيئة للجميع تمت تجاوزات يصعب اعتبارها فردية.. الجنرال جيوفري
ميلر الذي كان مسئولاً عن سجن جوانتانمو زار العراق، وقدم النصيحة المعروفة:"
بتهيئة الظروف الملائمة للوصول للمعلومات الضرورية من المساجين." وهذه
النصيحة ادت لوضع السجين في اوضاع صعبة جداً لساعات، وترك الكلاب تنهش جسده، ومنعه
من النوم.. وكذلك تقديم الطعام القذر، ملوثاً بالصراصير والذباب.. باختصار، كما
قال احد الجنود: "عاملنا السجناء بحيث يبيعون امهاتهم مقابل سرير وطعام بلا
صراصير.."
المعاملة
السيئة تم تصويرها، ولكن الكثير من الصور لم تعرض بعد... هناك صور لسجان يتبول على
السجين الذي يجلس على الارض في وضع وكأنه كلب، هناك صور لاسلاك ومكنسة توضع داخل
اجساد السجناء، هناك صور لرجل يعتدي جنسياً على قاصر عراقي.. وضع الاطفال من
القضايا التي لا تزال هيئات حقوق الانسان تشتكي منها. فالامريكان لا يزالون
يحتفظون بسجناء من الاطفال، ويرفضون تحديد اعدادهم، واماكن تواجدهم.. مما دفع
مسئولة لتذكير ادارة بوش بان المؤسسات الانسانية تعرف اسماء السجناء – وتزورهم،
حتى في ليبيا ... وهي كذلك تتسائل لماذا يحتفظ الامريكان بسجناء بعد ان تم تسليم
السيادة للحكومة العراقية؟
وقد وصفت
الجندية المشهورة، لندي انجلاند، والتي ستبدأ محاكمتها الاسبوع القادم، زيارتها
للسجن ليلة عيد ميلادها في الثامن من نوفمبر العام الماضي.. وضع صديقها علامة x على صدر سجين معصوب العينين،
ثم ضربه على العلامة بقبضة مقفلة حديدية.. قال الرجل: "اللعنة، يدي
تؤلمني." اما السجين فانهار على الارض.. ولو لم يكن لا يزال يتنفس، لاعتقدوا
انه مات.. سألوها، "ولماذا ضرب صديقك السجين بهذه الطريقة؟" قالت:
"لا اعرف..ربما لم يستلطفه."
وهنا يوجد
تسائل: فهل كان هناك اطباء في السجن؟ وهل عرفوا بما يحدث للمساجين؟ وجود الطبيب،
كما هو معروف، يدل على ادراك الدولة لما يحدث..
قال بعض
المساجين انهم حاولوا الانتحار للخلاص، ولم يجدوا طريقة..
خلال
الاسبوعين الثاني والثالث من نوفمبر، ارسلت قيادة السجن اكثر من بريد الكتروني كتب
عليه "عاجل": وهذه الرسائل اكدت ان جميع المساجين يتقيأون بعد تناول
الطعام.. وبسبب سوء الطعام، والمعاملة، وغيرها، حدث يوم 24 نوفمبر ثورة في السجن..
صرخ المساجين: ليسقط بوش.. بوش الشرير.. والقوا بالاحجار على الجنود.. قال احدهم:
اسودت السماء من الصخور الملقاة علينا.. كانت اعداد السجناء اكثر منا بكثير..
خشينا ان يقتلونا.. وهكذا اضطر الجنود لاطلاق الذخيرة الحية على المساجين.. حتى
هدأت الأمور.. في تلك الليلة، تم تبادل لاطلاق النار بين مسجون والجنود.. كان يصلي
، متضرعاً لله، ثم امتدت يده الى وسادته فاخرج السلاح واطلق النار.. وكيف وصل
للسلاح في هذا السجن الحصين؟. قالوا: ان بعثياً قديماً عمل بين الحراس قدم له
السلاح.. بل وساعد البعض على الفرار من هذا الجحيم.. وكأنه الكتراز السجن الامريكي
المشهور..
بعد ظهور
الصور وتفجر الفضيحة، تعهد السيد رامسفيلد بتغيير الاوضاع.. وكان اول قراراته
القرار المشهور بمنع دخول الكامرات الى السجن..فتصوير السجين يتعارض مع اتفاقيات
جنيف... واليوم يدير سجون العراق الجنرال ميلر المدير السابق لسجن جوانتانمو الذي
كانت افكاره نقطة البداية التي ادت لما حدث. ولكنه يقول: سيداتي سادتي.. غيرنا كل
هذا.. صدقوني.. كل شيء اليوم يسير بشكل ممتاز...
ولا حول
ولا قوة الا بالله.
ملاحظة:
مصدر المعلومات الموجودة في هذه المقالة هو مجلة رولنج ستون، وهي معروفة في الغرب
كمجلة يقرأها الشباب اليافع، اذ انها تتخصص في الشئون الموسيقية.. اعتقد ان نشر
مثل هذه المقالة في مجلة موسيقية واسعة الانتشار يعني ان الجميع في امريكا، حتى
الشباب المراهق، يهتم بموضوع ابو غريب.. وربما تكون هذه دلالة على ان بوش قد لا
يعاد انتخابه.. والله اعلم..
والمعلومات
التي تنشرها المجلة لم تنشر سابقاً، لان ادارة الرئيس بوش حجبت عن النشر حوالي
6000 صفحة (الكثير منها عبارة عن رسائل الكترونية، والكثير جداً من الصور
البشعة).. وبالطبع تم تسريب بعضها.. عيش وشوف..
8- الخطة الامريكية تصنع
جمهورية خوف جديدة في العراق..
قامت
الحكومة الامريكية البارحة بتسريب اجزاء من خطتها للتعامل مع العراق الى الصحافة..
وقيل ان
سبب التسريب هو : ضغوط مجلة "نيويورك
تايمز" على الادارة الامريكية للرد على اتهامات بعدم وجود اي خطة لادارة
العراق.. فسائلت المجلة الادارة مراراً
وتكراراً بهذا الشأن حتى اذعنت الاخيرة وسلمت الخطة..وهو كلام لا يصدقه العقل..
الواقع هو ان كل استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تؤكد ان شعبية كيري ازدادت
حين ناهض الحرب على العراق، بعد ان بقي متردداً بهذا الشأن لوقت اطول من اللازم.
وبسبب خشية ادارة الرئيس بوش من خسارة الانتخابات، قاموا بتسريب اجزاء من الخطة
التي يفترض انها كانت سرية .. حتى يعرف الناس ان لديهم خطة وان اتهامات كيري لا
اساس لها..
من يقرأ
ترجمة المقالة الاصلية (بقلم اريك شميت وتوم شانكر)
المتاحة في موقع ارض السواد في مقالات 9 - 10 سيلاحظ انها غير مكتوبة بشكل جيد. فالكتابة
تنتقل من موضوع لآخر قبل اتمام الأول ثم ترجع له، وغالبية تركيزها على الجانب
العسكري. والمعلومات عن الخطة غير مقسمة الى اجزاء واضحة، (الجزء السياسي،
العسكري، الاقتصادي).. اعتقد ان سبب هذه الفوضى في كتابة المقالة هو ان الكثير من
تفاصيل هذه الخطة لا يمكن نشرها لانها ستستفز مشاعر الناس في العراق، وتغضب الناخب
الامريكي كذلك. وسنعود لما تم تسريبه للأعلام الغربي بشأن بعض البنود السرية
المتعلقة بحزب البعث لاحقاً..
والخطة
الكاملة (سياسياً عسكرياً اقتصادياً) موجودة في وثيقة سرية بعنوان: Us National Strategy for supporting Iraq
.. ولها ست اولويات وهي: القضاء على المقاومة، الوصول لانتخابات شرعية، صناعة
وظائف وتقديم الخدمات الاساسية للشعب العراقي، تكوين بنية للتقدم الاقتصادي، ووجود
حكومة شرعية تحترم القانون.. والبحث عن المزيد من التأييد الدولي.
والملاحظ
هنا ان هذه الافكار قديمة، والمفترض انها كانت من اهداف الاحتلال الامريكي للعراق
منذ ايامه الاولى. ولكن المقال يدعي ان
الادارة الامريكية اليوم تعتبر فترة بول بريمر واللوتنت ريكاردو سانشز
فاشلة، لانها لم تنجح في تنفيذ هذه الأهداف. وهم يتوقعون من السفير، والادارة
العسكرية، الجدد، تحسين الوضع وتطبيق هذه
الخطط على الارض.
وهكذا تم
التخلي عن بريمر وسانشير، خصوصاً بعد ان انتقد الاول مؤخراً سياسات الادارة
الامريكية في العراق حين كان مسئولاً عنه.. وهذا القذف في حق بريمر يجب ان يكون
درساً لكل من يثق بهذه الادارة، ويتوقع ان تحافظ على اصدقائها.
وقد بدأ
تنفيذ الخطة (التي تشمل جوانب عسكرية وسياسية واقتصادية) بعدة اوامر سرية تم
اصدارها للسفارة والقيادات العسكرية الامريكية في بغداد... منذ حوالي ثلاثة شهور.
والخطة تعترف
باديء ذي بدأ بان المقاومة حينذاك سيطرت على المناطق المسماة بالمثلث ومدينة
النجف. وتسعى للتعامل مع هذا الواقع وتغييره...
الجانب
السياسي من الخطة يؤكد ان السيد د. علاوي شريك كامل مع الولايات المتحدة في تحقيق
هدف مشترك هو ايصال العراق للانتخابات ، والادارة الامريكية تتوقع منه اتخاذ
القرار السياسي والامني، بعد ان تعرض عليه قيادة القوات الامريكية الواقع الموجود
على الارض.. والمشكلة هنا هي ان هذه الشراكة غير مبنية على ادنى درجات المساواة
بين الشركاء. واتمنى لو اعتمدت حكومة د. علاوي على استطلاعات الرأي لمعرفة افكار
الغالبية من سكان البلاد، بدلاً من قراءة تقارير استخبارية امريكية اتضح خلال
الشهور الماضية ان الكثير منها لم يكن صادقاً. فضائح تلفيق تقارير الاستخبارات
خصوصاً في الشأن العراقي قد هزت الادارة الامريكية، وقضت مضاجع قياداتها لشهور.
واذا كان
هذا هو حال الجانب السياسي، فالوضع العسكري اكثر سوءاً.. اذ تتطلب الخطة السيطرة
على 20 – 30 مدينة ، قبل انتخابات يناير.. وهناك معايير لتقييم اداء كل مدينة
لمعرفة مدى قوة الضربة التي ستوجه اليها..
والمعايير تشمل عدد رجال الشرطة التابعين للحكومة العاملين على ارض المدينة،
وتسجيل سكانها للانتخابات، والتطور الاقتصادي لها، ونظام الخدمات الصحية المتاح
لاهلها.
ومع الاسف،
فدور الدولة الجديدة في الخطة يقتصر على اقناع المدن بالاستسلام للأمر الواقع..
سلمياً. القبضة الحديدية التي ستجبر هذه المدن على الخضوع هي القصف الامريكي.. بل
وتم وضع جدول زمني لكل مدينة سيتم في نهايته اقتحامها لو لم تخضع باسلوب الحوار
المتمدن. دور السياسة هو ان تقول للمدن.. استسلمي والا!
وهكذا،
فالخطة الجديدة تعتمد اسلوب اقتحام المدن. وربما لهذا السبب، نجد قوات جيش المهدي
اليوم توافق على تسليم اسلحتها، والفلوجة تتفاوض.. فالكل يخاف من مواجهة ضربات
اخرى مماثلة لتلك التي تم توجيها الى النجف، وسامراء، وجنوب بغداد، وكلها امثلة
على هذه الخطة المتميزة.
باختصار،
الخطة تقول: لو لم تفعل ما نريد، فستموت. او يموت جيرانك. واطفال مدينتك. ولم تمض
ليلة بدون قصف الفلوجة، فانهارت البيوت على ساكنيها، الامر الذي دفع اهلها للموافقة على الامر الواقع..
في الجانب
العسكري كذلك، وربما رداً على طلب السيد كاري لتحديد وقت لانسحاب القوات
الامريكية، هناك مسعى لتقليل اعداد الجنود (وعددهم حالياً 138 الفاً) عن طريق سحب
دفعات تتكون كل منها من خمسة الاف بدءاً من مطلع العام القادم، لو اثبتت القوات
العراقية قدرتها على حفظ الامن. ولكن
المقالة تؤكد ان تقليص اعداد القوات الامريكية صعب للغاية نظراً لضعف اداء الشرطة
العراقية، والفشل الذريع في اعادة الاعمار بسبب هجمات المقاومة..والفساد المعروف
في نظام توزيع العقود (الكعكة كما يسمونها) ، وعدم تعاون عامة الشعب مع الحكومة
الجديدة.. باختصار، ليس هناك وقت محدد
لخروج القوات الامريكية.
الجانب
الثالث ، الاقتصادي، لا تتحدث عنه المقالة.. باستثناء مقولة لشخصية مهمة في
الادارة اكدت على ضرورة التفرقة بين من يقاوم راغباً، وذلك الذي يقاوم مقابل مائة
دولار في الاسبوع.. وهكذا، اشعر بان ما تم حجبه هنا هو ان تعرض الولايات المتحدة
200 دولار على هذا المقاوم لو انظم الى الجانب الآخر..
ومن نافل
القول ان الاعلام العربي يصفق لهذه الخطة العظيمة كثيراً. وهكذا تمت ترجمتها بسرعة
البرق ونُشرت في كل المجلات والجرائد التي تشجع المشروع الامريكي.. بل وشاهدنا البارحة في محطة المستقلة برنامجاً
يبشرنا بنهاية المقاومة العراقية للاحتلال، مذكراً ان جيش المهدي سيسلم اسلحته،
وان الفلوجة تريد دخول الانتخابات. واتصلت الجوقة المغتربة المعروفة المقيمة في
لندن وحواضر اوربا لتؤكد ان كل المقاومة ارهاب..بلا اي تفرقة بين من يحارب المحتل،
ومن يقتل ابناء البلاد. متناسين ان موقف امريكا ضد نظام صدام يحسب لها، ولكن قصفها
للمدن العراقية لاجبارها على الخضوع يحسب عليها.
واذا توهمت
الجوقة المغتربة في لندن ان الخطة الامريكية تحارب البعث، فهي واهمة.. فالخطة لا
تذكر البعث البتة الا في بند سري عرفناه حين شاهدناه يطبق على الارض خلال الاسابيع
الماضية. واغضب الناس. ومن المعروف ان مدناً مثل تكريت، وقرية مثل العوجة، لم تطلق
فيها رصاصة واحدة على الامريكان منذ بدء العمل بالخطة الجديدة بسبب اتفاقية اهم
شروطها: عدم مطاردة القوات الامريكية للبعث، ومقابل ذلك: الا يطلق البعثية اي
قنابل على القواعد الامريكية. والضابط الامريكي المسئول عن تكريت تفاخر بانه
يستطيع تدخين سجاره في اي مكان من المدينة، في اي وقت من الليل والنهار... وهكذا،
فان الجوقة المغتربة المؤيدة للخطة الجديدة تنسى انها تشمل فيما تشمله اتفاقاً
(سيتم الاعلان عنه، وتم تسريبه الى الصحافة الغربية باكراً) يتيح لغالبية البعثية
ممارسة اعمالهم اليومية، بغض النظر عما ارتكبوه من تجاوزات خلال العصر الصدامي
البغيض. ولا تطلعوا الفتوق. ولا داعي لفتح جراح الماضي ما دمنا نتجه لانتخابات!!
شخصياً،
اشك في امكانيات نجاح الخطة الامريكية الجديدة القديمة، اولاً، لعدم وجود اي جديد
فيها. ولكن كذلك لمعرفتي بشعبنا في العراق.. وهو شعب عنيد.. لا تنفع معه القوة
الضاربة. بل الكلام العاقل الرزين. وهكذا، حين تشاهد الناس صور القصف اليومي على
الفلوجة، لا تشعر بالخوف، بل بالغضب والتحدي. والمفاوضات الجارية حالياً مع المدن
تعتمد على تخويف اهلها من مغبة قصفها واقتحامها.. ولذلك لا تدل على اي شيء سوى
"جمهورية خوف" جديدة. مشاعر الناس في المدن المقصوفة تبقى مختفية تحت
قناع ثم تعاود الظهور بعد ان يخف الرعب. وهذا هو ما حدث في عصر الحجاج والعهد
الصدامي وسيتكرر مع الخطة الامريكية الجديدة. وما اشبه الليلة بالبارحة..
|