صراع الشيعة والبعث، إلى أين بعد عامين؟
1-
خلال زيارة مفاجئة لبغداد، طلب السيد رامسفيلد
من الحكومة العراقية الجديدة إيقاف أي عملية تطهير تريد القيام بها في الوزارات السيادية. وهكذا يمكن القول ان
برنامج اجتثاث البعث قد انتهى. فالحكومة الجديدة تريد بقاء قوات الولايات المتحدة
في البلاد، ولن تجرؤ على الاستمرار في البرنامج ما دامت الولايات المتحدة قد صرحت
علانية أنها لا تريده.
البعث اليوم موجود على الساحة العراقية بقوة، بل
وشارك في الانتخابات. ولم تكن الحملة
الإعلامية الهائلة لمجموعة السيد د. أياد علاوي خلال
الانتخابات، والمعونات المادية لها، والتي وصلت لدرجة الفضيحة حين قامت القائمة
بتقديم بطاقات تحوي مائة دولار لكل صحفي يحضر مؤتمرها، سوى دليل آخر على دعم
الولايات المتحدة وحلفائها لنوع جديد من البعث، يمكن وصفه بالغربي، يدعم تحقيق
مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
وهكذا، ندرس مستجدات صراع البعث والشيعة في سياق : وضع المسمار الأخير في
نعش برنامج الاجتثاث، وفي سياق دعم مطلق تقدمه الولايات المتحدة وحلفائها لبعث
غربي، يمثله السيد د. أياد علاوي، رجل أمريكا القوى في
العراق.
2-
معارك الإعلام تشمل فيما تشمله صور صراع البعث والشيعة.
ومن أهم رموز عودة نهج البعث للسلطة برنامج "الإرهاب في قبضة
العدالة." حيث يبدو على من يعترفون دلائل تعرضهم للضرب واضحة جلية. وهل يعقل ان يعترف متطرف إسلامي ينتمي لمجموعة الزرقاوي
أمام عدسات التلفاز بأنه يشرب الخمر ويمارس اللواط؟ ولكن الناس تعتقد ان الاعترافات حقيقية، وان تم إجبار المتهم على الاعتراف بها.
والله اعلم.
وبرنامج الاعترافات هذا خيبة أمل لمن حلم بعراق لا يُمارس فيه التعذيب. فما
بالك بعرض الضحايا بهذه الطريقة، وكأن الدولة تتفاخر بقدرتها على انتهاك حقوق
الإنسان، وتحاول صناعة جمهورية خوف جديدة؟
وبالطبع، الدولة من جانبها تؤكد ان الظروف
استثنائية. ولكن أليس ذلك ما قاله النظام السابق أيضاً؟ وهل ستنتهي هذه الممارسات
حين يعود الأمن ان شاء الله في يوم قريب، ام تستفحل مع مرور الوقت؟
وهكذا يدل البرنامج، ونسق الإعلام، على أن أي شيء لم يتغير بالنسبة لحقوق
الإنسان. لا يزال الناس يتعرضون للتعذيب، أحياناً حتى الموت. وهو ذات الوضع الذي
كان سائداً في الزمن البعثي.
وكيف تطالب بمعاقبة من مارس التعذيب في زمن صدام، وأنت تمارسه علناً؟ وبأي
حق تجتث البعثي الذي عذب الناس في السجن، بينما أنت
ترتكب ذات الجناية؟
تمويل البرنامج أمريكي، وتديره مخابرات حكومة د. علاوي
البعثية النزعات. مما يدل على وجود توافق من نوع ما بين
الطرفين.
وربما ممارسة التعذيب هو الحل الذي تقدمه القائمة التي أكدت على قدرتها على
حفظ الأمن في البلاد في دعايتها الانتخابية.
وبالطبع، الحكومة المنتخبة لن تقدر على إيقاف بث البرنامج. وستصبح منذ
اليوم الأول متواطئة مع ممارسات التعذيب التي يفترض أنها رفضتها وثارت على نظام
صدام البائد بسببها.
3-
وحين سألوا السيد بريمر وهو يغادر العراق عما
يجب فعله، قال: "اجتثوا بريمر." وهو تعليق
ساخر قد يكون معناه ان
برنامج اجتثاث البعث فشل بشكل ذريع. ونتج عن أدراك الناس لهذا الفشل ان تزايدت الأعمال
الانتقامية – حيث أدرك الجميع انهم لن
يصلوا لمحاسبة المسيء بطريقة قانونية، خصوصاً في فترة إدارة السيد د. علاوي. وفي المقابل، حدثت عمليات العنف المضاد كرد فعل من
الطرف الآخر.
وموضوع الحرب الخفية الدائرة رحاها بين البعث وأعدائه في العراق اليوم
يستحق الدراسة الجادة. فبعض العشائر تهدد بحمل السلاح، لا لمحاربة الاحتلال، بل
الشيعة والأكراد. وقد حدث مؤخراً، ولأول
مرة، ان هاجم زعماء بعض العشائر السنية الشيعة
والأكراد، في تصعيد سيزيد من تأجج الوضع الطائفي. قال السيد ستار عبد الخالق عبد
الرحمن، وهو شخصية سنية من كركوك، بصراحة:
"الأمريكي ليس المشكلة. نعيش خاضعين لاحتلال شيعي كردي. حان الوقت
للنضال." وقوبلت أقواله بتصفيق حاد.
وحين حاول شيعي التحدث في المؤتمر، صاحوا به: "أنت شيعي. لماذا تتدخل
في شئوننا؟" فخرج الرجل غاضباً.
يقول السيد عدنان الباججي،
ان سبب التصعيد هو خلايا موت شيعية تقوم بعمليات قتل
لشخصيات سنية كان لها ارتباطات بالنظام البائد. والباججي
يدعي ان منظمات بعينها، بدلاً من خلايا متفرقة، تتسبب
في هذه الجرائم من الجانبين، ولا يتحدث عنها الإعلام.
البعثي الذي يُقتل ينتمي
لعشيرة لن تسكت على مقتله. ومع مرور الوقت، يصير القتل عشوائياً. أقتل أي شيعي.
أقتل أي بعثي. دوامة الدم حمراء قانية لا نهاية لها في الأفق.
ومن الواضح كذلك أن هناك تداخلاً قد لا يدركه من يعيش في الخارج بين الشيعة
والبعث. فالكثير من الأسر الشيعية زوجت كريماتها لشباب انتموا لحزب البعث، والعكس
صحيح. كما أن بعض شباب الشيعة انتموا للحزب، وهو شيء طبيعي. هناك بين الأكراد والتركمان والآشوريين وغيرهم شباباً انتمى للحزب نظراً
للمكاسب التي قدمها الانتماء خلال الربع قرن الماضي.
وربما يجدر بالشيعي الذي يريد ان يقتل بعثياً، وبالبعثي الذي يريد قتل
شيعي، ان يتذكرا هذا التداخل. فالشيعي قد يكون بينه
وبين أسرة تحوي البعثيين
علاقات قربى. وذات الوضع ينطبق على البعثي. وعسى الجميع
يتذكرون فتوى السيد السيستاني بهذا الشأن. فليس هناك من
عمليات القتل المتبادلة جدوى سوى زيادة نزيف الدم في الوطن الجريح.
4-
أنتقد البعض فكرة العفو العام التي اقترحها السيد جلال طالباني، عشية
اختياره رئيساً للبلاد. وقال السيد طلباني بصراحة انه لا يوافق على إعدام الرئيس
المخلوع. وربما يكون سبب الاقتراح هو اتفاق يتم الأعداد له وراء الكواليس بين
الدولة ومجموعات مثل "جيش محمد" و"فدائيين." وهي مجموعات بعثية تتنكر بزي إسلامي لتلعب دوراً لا يستهان به في دعم
التمرد. وهذه المجموعات تصر على الا يُعدم الرئيس
المخلوع، وبالطبع تطالب بعفو شامل على كل ما قامت به، وإلا سيستمر الوضع الراهن.
والوضع الراهن لا يمكن ان يستمر: فجميع الطرق من
بغداد واليها اليوم خطرة، لدرجة ان العاصمة محاصرة.
الطريق شمالاً الى بعقوبة خطر. الدرب جنوباً عبر المحمودية أكثر خطورة. والطريق غرباً عبر ابو
غريب نحو الفلوجة مخيف.
وحتى لو أراد العراقي السفر جواً، فالطريق صعب للغاية. الولايات المتحدة
تستخدم طائرات هليكوبتر لنقل موظفيها من والى المطار.
ووافق الشيعة والأكراد على شخصيات مثل : السيد الياور،
ولكن تأثير هذه الشخصيات محدود في المناطق الملتهبة شمال بغداد وجنوبها. شخصية مثل
السيد مشعان الجبوري شعبيته وتأثيره في هذه المناطق
أكبر بكثير، وهو أكثر قدرة على التعامل مع قيادات البعثية
للتمرد، والعشائر التي تدعمها.
وهكذا ربما تدل قضية العفو العام على خلافات داخل القوائم الفائزة بشأن
كيفية التعامل مع القوى البعثية التي تدعم التمرد.
5-
أشعر أحياناً وكأن كوابيس الماضي تتكرر اليوم ، في صيغ مشوهة مخيفة. فالبعث
الجديد قد لا يقل سوءاً عن السابق له:
-كان البعث القديم يعطي للإعلامي كوبونات، والبعث الجديد يدفع للصحفي
بالدولار.
-كان البعث القديم يعذب الناس في المعتقلات، والبعث الجديد يعرض صور ضحايا
التعذيب أمام شاشات التلفاز.
-دمر البعث القديم مدينة "حلبجة." ودمر البعث الجديد الفلوجة.
وليس هناك أدنى شك في وجود مقابر جماعية في الفلوجة
اليوم.
وإذاً، لماذا الناس تتحدث عن عراق جديد؟ وصور الماضي وراء الشعب العراقي،
وأمامه؟
وما هو الفرق بين هذا العصر، وذاك؟
دائماً أعود لحكمة السيد مقتدى الصدر، فهذا عصر "اطقع"
من السابق له. ومعنى اطقع: أكثر تلوثاً، غير نظيف.
غزو الولايات المتحدة للعراق أدى لهزيمة البعث عسكرياً في معركة غير
متكافئة، ولكنه لم يؤدي لهزيمة الفكر البعثي. وهذا
الفكر هو الذي يجب مواجهته. استخدام العنف والقوة يدل على ان
الطرف الآخر لا يختلف عن البعث في شيء. هذه معركة عقل ووعي وإعلام.
باختصار: لابد للحكومة المنتخبة من محاولة تخليص العراق من الكثير من
الممارسات التي ميزت العصر البائد بسماته المعروفة. المفروض والمطلوب من القيادات
الفائزة في الانتخابات مواجهة: عقلية تستهل استخدام العنف والتهديد به لقضاء
احتياجاتها. وكلنا نتذكر ممارسات التعذيب والحروب الدموية التي ابتُلي بها العراق
في الزمن البائد. كما أن هذه العقلية مناطقية، فلم تعدل
بين أبن الجنوب والشمال، وسكان وسط البلاد. ومن المعروف ان
الكهرباء ذاتها في بغداد كانت تُقطع عن مناطق بعينها أكثر من غيرها خلال الزمن
البائد. وهي أخيرا عقلية لا تكن أي احترام لحقوق الإنسان. فمثلاً: أسقطت الجنسية
العراقية عن الكثير من الناس ظلماً. ولم تتقبل الرأي الآخر، وتعاملت معه بالقمع
والقتل. ووصل الأمر بها لحرمان الشعب العراقي من الفضائيات خوفاً من أن يستمع
الناس لصوت ينتقدها. وهذا هو النمط الفكري الذي لابد من مواجهته. وهذه هي مساحة
المعركة المقبلة بين الشيعة والبعث. وستكون شاقة وعسيرة. ومن الممكن ان يفوز البعث بها في نهاية المطاف.
من المصادر:
New Blood, Ancient Wounds
By Owen Matthews
Newsweek
Iraqi
Proposes Broader Amnesty
Citizens Who Killed In
By Ellen Knickmeyer
|