قصة لنازك عن هموم المغترب العائد..

 

من نافل القول ان المغترب عاد سنة 2003 على ظهر دبابة أمريكية.. ولكن لم نسمع عمن وضع هذه المقولة في إطار تاريخي..فطوال سنوات القرن الماضي، واجه من عاد للعراق من الغرب الكثير من المعوقات، ومصاعب الانتماء للمجتع العراقي التقليدي المحافظ.. الى درجة انه يمكن القول ان العودة هذه المرة على ظهر دبابة محاولة لاجبار أهل الداخل على ان يتقبلوا قيم العالم الخارجي الذي يعود المغترب منه..النظرية الأساسية التي أقدمها في هذه المقالة هي ان: استخدام القوة والسلاح الأمريكي عبارة عن محاولة أخرى للانتماء يقوم بها المغترب.. وهي محاولة مصيرها الفشل الذريع.. كما توضح قصة ياسمين للشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة.. حفظها الله..

وقد كتبت نازك هذه القصة سنة 1958، وموضوعها شعور البطلة وداد بالاغتراب في المجتمع العراقي بعد ان عادت من رحلة دراسية الى الولايات المتحدة كانت مدتها أربع أعوام.. تغيرت شخصيتها خلالها ففقدت عفوية التفاعل مع الناس في بلادنا. تقول البطلة:



ماذا يصنع البعد بنا؟ في أمريكا حسبت انه يقوم بعملية محو بطيء لما حملنا معنا من عالمنا القديم، ولم يتح لي إذ ذاك أن أدرك الجانب الأهم من صنيعه بنا، أن البعد لا ينسينا فحسب وإنما يضيف إلينا أيضا..أنهم يحسبون أننا نكتسب كثيراً من حياتنا في الخارج، دون أن يتخيلوا الثمن الذي ندفعه، إن حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها مباهج، وتكاليفها الشعورية في الغالب باهضة.. إننا نعود الى الوطن وقد تغيرنا وتكونت في أنفسنا طبقات جديدة أجنبية الطبيعة، تترسب في خلاياها وجوه غير مألوفة، وأصداء عبارات من مجالس مجهولة، ورؤى أماكن بعيدة ودروب تتلوى في مزارع تختلف عن مزارعنا، وغرف في بنايات لا تشبه بناياتنا..

لقد عشنا ماضياً له شوارع أخرى غير شارع الرشيد، وعلينا الآن ان ننزع هذا الماضي من حياتنا نزعاً قاطعاً ، فليس من أحد هنا يشاركنا إياه، كل ماض آخر لنا يستطيع أن يحيا في حاضرنا ما عدا ماضينا الأمريكي هذا فنحن ملزمون بأن نخلعه ونرميه في لحظة واحدة. إن أهلنا وأحبائنا ينظرون اليه في ريبة وحذر.. (الأعمال الكاملة – المجلد الرابع - 639 – 640 )



موضوع هذه الفقرة هو شخصية المهاجر الذي يعود الى العراق.. فبطلة القصة تعود من الولايات المتحدة، ليس على ظهر دبابة أمريكية، بل بطائرة مدنية (قد تكون أمريكية الصنع على كل حال).. وتحاول ان تتأقلم مع المجتمع العراقي.. ولكنها تلاحظ انها قد نست الكثير من طباع هذا المجتمع خلال فترة السفر.. وان أقاربها لا يتفهمون البتة انها صارت تنظر للحياة بطريقة مخالفة لتلك التي يتطلعون للأمور بها.. والشاعرة العراقية هنا تؤكد انها – حتى يتقبلها المجتمع العراقي – لابد ان تنزع الماضي من حياتها. "كل ماضي آخر لنا يستطيع ان يحيا في حاضرنا ما عدى ماضينا الأمريكي هذا فنحن ملزمون بأن نخلعه ونرميه في لحظة واحدة". لان الأقارب والأحباب ينظرون اليه في ريبة وحذر..
ومن الطريف ان عزيز علي، المغنى والشاعر الشعبي العراقي المبدع، والذي ألقى به نظام صدام في السجن لسنوات، كتب قصيدة وغناها عام 1937 عنوانها "شوباش" موضوعها عدم تقبل المجتمع العراقي للمغترب العائد. يقول المغني ساخراً من حال المغترب مندداً بتخليه عن قيم المجتمع الشرقي واستبدالها بقيم غربية غير مقبولة ما يلي: "جاني ناسي العربية، ويحجي بلهجة فرنجية وناسي حتى القومية متزوجلة بغربية. يتحمر يتبودر ويتعطر هذي هيه المدنية؟" ومن الواضح ان النص ينتقد قيم المغترب العائد التي لا تتلاءم البتة مع قيم المجتمعات الشرقية. أغنية عزيز علي كذلك تصف حال السياسي المغترب العائد من لندن ونيويورك، المزدوج الجنسية، الذي يتكبر على عامة الشعب : "يستنكف يحجي ويا الناس. خشمه أعلا من الراس."


حسناً، هل تغير اي شيء في عصرنا؟ حالياً، الحكومة العراقية بأكملها تقريباً جاءت من الخارج.. وتناست ان كل فرد يحيا في الخارج لسنوات ينسى بعض الماضي العراقي، وتترسب في شخصيته طبقات جديدة ورؤى مغايرة لتلك التي يحيا بها الناس في بلادنا.. وهكذا يحدث التصادم بين وجهات النظر.. والشاعرة تقرر حفاظاً على صلاتها بأسرتها ومجتمعها ان تحاول تناسي الماضي الأمريكي وان تعيش مثل غيرها من بنات العراق في ذلك العصر..فهي في نهاية المطاف تعتز بكونها عراقية، وتود ان ترتبط بشعب العراق وتعيش معه..اما المجموعة السياسية التي جاءت من الخارج في عصرنا.. فهم مع الأسف يحاولون فرض رؤيتهم على الداخل.. يريدون ان تصير أسرهم وأقاربهم مثل أولئك الذي يشاهدونهم في شوارع وجامعات لندن ونيو يورك. ولذلك فقد كان من الطبيعي تماماً ان تنتهي الأمور بصراعات ودوامات دماء.. تدل على رفض أبناء الداخل العراقي للنظام الجديد الذي يحاول من يأتي من الخارج فرضه عليهم..
وبطلة قصة "ياسمين" الحقيقية هي طفلة عراقية صغيرة تبقى ترفض قريبتها التي أتت من الخارج.. وتكاد محاولات هذه القريبة للتقرب من الطفلة ان تميتهما معاً.. نقول هنا: ان هذه الطفلة هي العراق، وان من يأتون من الخارج ويحاولون فرض رؤيتهم ونظم تفكيرهم، مهما كانت النية صافية ب"تحضير" ذلك الداخل "المتخلف" ، قد تقتله – او تقتلهم في نهاية المطاف.. ما حدث في الفلوجة والنجف ليس سوى دلائل على رفض الداخل لرؤية من يأتي من الخارج..

أتذكر هنا أغنية عراقية تقول: "ون يا قلب.. لا ترحم الل عافوك.. وتظل شماتة".. ونرجوا ان يرحم من جاء من نيويورك الذين عافوه من الشعب العراقي.. حتى لو شمت به الناس.. فهو في نهاية المطاف العائد من بلد أخرى، ولابد ان يسعى لفهم الشعب العراقي قبل ان يرسل الطائرات الأمريكية لتقصفه.. كما قال أحد من عادوا من الخارج، د. أحمد الجلبي: "ليست النجف ستالين جراد لتقصف". وهي مقولة ثرية بالمعاني. فالذي قصف ستالينجراد كانت جيوش هتلر.

وعسى ان تقرأ حكومتنا الجديدة قصة "ياسمين" ، وغيرها من أعمال كبار أدباء العراق، وتستمع لاغاني عزيز علي مثل شوباش لتدرك انه لا يمكن لها ان تفرض على شعب العراق الحبيب أفكار تعلمتها من نيويورك ولندن وسدني، مهما كانت تلك الأفكار صائبة .. فالصواب والخطأ يتغيران مع نسبية الزمان والمكان. وما يعتبر صواباً في نيويورك قد يكون خطئاً ذريعاً في ..تكريت.. لنتذكر ان نازك الملائكة والسياب والبياتي أتوا من هذا الشعب، وانتموا أليه، ومن صلاتهم وتوتراتهم في الحياة اليومية أنتجوا أعمالا رائعة مثل ياسمين وغيرها.. ولابد لابناء الخارج من المعاناة قليلاً حتى يستطيعوا التأقلم مع طباع أهل الداخل.. يستحسن بادئ ذي بدء ان نستمع لنصيحة شاعرة العراق الكبيرة، فننسى ما تعلمناه في الغرب، ونستمع الى أقوال أقاربنا في بغداد والفلوجة والنجف وحتى العوجة.. وربما بهذه الطريقة يمكن ان ننجح، وتأقلمنا مع العراق – الذي لن يكون كاملاً أبدا مهما حاولنا – سيبقى في نهاية المطاف – كما توضح القصة – النصر الكبير.. والسعادة الحقيقية.. وسر النجاح الأدبي والإبداع..
عودة